تتواءم جراحُ الأمس مع اليوم،
وما يعزّز وجودَها دوامُ الاسترسال في البحث
عن النجاة من ثقب إبرة المستحيل،
كأنّ النجاةَ وعدٌ مؤجّل،
وكأنّ الطريقَ إليها لا ينتهي،
كلما اقتربنا منها خطوة،
أعادتنا الذاكرةُ إلى أول الجرح،
فنواصل السير، لا لأنّ الوصول ممكن،
بل لأنّ التوقّف أشدُّ وطأةً من المستحيل.
من حيث تبدأ، تجد المنعطفات ماثلةً أمامك...
هي مقاصلُ الحياة لمن توقّف عندها، فأسلمَ القياد،
ومن تجاوزها، ضمن الفوز والنجاة.
فالحياة لا تُمَهِّد دروبها لمن ينتظر،
ولا تكشف غاياتها لمن يتردّد أو يعتذر؛
إنما تضع المنعطفات أمامك،
لتختبر ثباتك، وتستنهض عزمك، وتكشف معدنك.
قد يثقل الطريق،
وقد تتكاثر الحواجز،
لكنّ العبور لمن صان العزم،
وشدّ الهمم،
ومضى رغم وعثاء الطريق،
حتى يبلغ غايته، ويُدرك النجاة،
فمن أسلم للمنعطف قياده، أضاع مساره،
ومن جاوز صعابه، استعاد قراره،
وكان له من آخر الطريق فوزه وانتصاره.
في مناطق البحث...
تتوه الأفكار في شعاب الوصول إلى الحقيقة،
وتناكفها أمنيات، وتنسفها مخاوف وتوترات،
حتى بات صاحبها يترنّح من هول ما يصادفه،
وتهزُّ أركانه مخاوفُ ما ينتظره.
ليست كلُّ الحدود نجاة، ولا كلُّ مسافةٍ حكمة،
ولا كلُّ انسحابٍ انتصارًا للنفس ،فبعضُ الحدود حين تُقام مع من نحب،
لا تُنقذنا من الألم، بل تُنقذنا من اختبار الحبّ.
فالحبُّ الحقيقي لا يُقاس بقدر ما نحفظ لأنفسنا من المسافات،
بل بقدر ما نحتمل من القرب دون أن نفقد ذواتنا.
وأشدُّ ما يُخدع به القلب أن يُسمّي عجزَه عن المواجهة «حدودًا»،
وخوفَه من الانكشاف «كرامة»، وانسحابَه عند أول وجع «نجاة».
أما من نحب حقًّا، فليست النجاة أن نغلق الأبواب في وجوههم،
بل أن نُصلح ما كسرته الأيام، ونضع أيدينا على مواضع الوجع
دون أن نُحوّلها إلى جدران.
فالحدود قد تحمي الجسد من الأذى، لكنها إن أُقيمت حول القلب،
قد تحميه حتى من الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يحييه.