https://www.gulfupp.com/do.php?img=94198

قائمة المستخدمين المشار إليهم

النتائج 1 إلى 10 من 111

الموضوع: أنـــت لـــي ،، (مؤلمــــــــــــــه)

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    متذوق وكاتب قصص وروايات بالسبلة العُمانية الصورة الرمزية القيصـــــر
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,965
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    تكملة الجزء السابق ،،

    انتفض جسمي كلّه فجأة... و الخفقات التي كانت تهرول في قلبي صارتْ تركض بسرعة... بأقصى سرعة...
    التفت ُ إلى أروى... أو ربما الغرفة هي التي دارتْ و جعلتْ وجهها مقابل وجهي... لست ُ أكيدة...

    حملقتْ أروى بي ثم قالتْ :

    " تعرفين السبب... أليس كذلك ؟ أنا واثقة..."

    هززتُ رأسي نفيا... أريد محو السؤال و محو صورتها و محو الذكريات التي كسرتْ الباب و اقتحمتْ مخيّلتي فجأة ... هذه اللحظة...

    قالت أروى:

    " بل تعرفين... تصرفاتك و انفعالك يؤكد ذلك يا رغد... أنا واثقة من هذا... لا أعرف لم أنتما مصران على إخفاء الأمر عنّي... لكن... "

    هتفتُ :

    " كفى..."

    أروى قالتْ بإصرار :

    " للأمر... علاقة بك ِ أنت ِ... أليس كذلك ؟؟ "

    صرخت ُ و أنا أحاول صم أذني ّ عن سماع المزيد... و إعماء عيني عن رؤية شريط الماضي...

    " يكفي "

    لكن أروى تابعتْ :

    " أخبريني يا رغد... يجب أن تخبريني... لماذا قتل وليد عمّار... و ما علاقتكِ أنتِ بهذا ... لماذا صرخت ِ حين رأيت ِ صورته معلقة على جدار المكتب؟؟ و لماذا تنعتانه أنتما الاثنان بالحقير؟؟ ماذا فعل؟؟ ما الذي ارتكبه و جعل وليد... يقتله انتقاما؟؟ أنت ِ تعرفين الحقيقة... أليس كذلك؟؟ من حقي أن أعرف... أخبريني ... "

    " كفى... كفى ... كفى ... "

    صرختُ و أنا أضغط بيدي كلتيهما بقوة على صدغي ّ محاولة منع الذكرى المريرة الملغومة من الانفجار في رأسي...

    آنذاك... ظهر لي وجه عمار في الصورة... نعم... لقد رأيتُه يقترب منّي... رأيتُ يديه تمتدان نحوي... قفزت ُ عن سريري مفزوعة... صرختُ ... رأيت ُ الجدران تتصدع إثر صراخي... رأيتُ السقف ينهار... و الأرض تهتز ... أحسست ُ بعيني تدور ... و الغرفة تدور... و شعرت ُ بيد ٍ ما تمتد ُ نحوي... تحاول الإمساك بي...
    إنها... يد عمّار !


    " لا... لا... لاااااااااااااا "

    على هذه الصرخات انتفضتُ و رميتُ بفرشاة أسناني جانبا و خرجتُ من الحمام مسرعا مبتلعا بقايا المعجون دفعة واحدة و مطلقا ساقي ّ للريح... نحو غرفة رغد...
    كان الباب مفتوحا و الصراخ ينطلق عبره... مفزِعا...
    اقتحمتُ الغرفة فورا و رأيتُ رغد واقفة عند سريرها ممسكة برأسها بكلتا يديها و تصرخ مذعورة ... فيما أروى واقفة مذهولة إلى جوارها معلقة يديها في الهواء...

    " رغد ؟؟ "

    هرولتُ باتجاهها مفزوعا طائر العقل ... و رأيتُ يديها تبتعدان فجأة عن رأسها و تمتدان نحوي... و في ثوانٍ... تخطو إلي ّ... و تهوي على صدري... و تطبق علي ّ...

    تعثر قلبي الراكض و انزلق أرضا بعنف... جراء الموقف...
    كنتُ مذهولا ... لا أعرف و لا أدرك ما يحصل من حولي...

    " رغد ؟؟ "

    صرخت ُ فزعا... و أنا ألتقطها بين ذراعي فجأة و أضمها إلي ّ و أشعر بصراخها يخترق أضلاع قفصي الصدري...

    " بسم الله الرحمن الرحيم... ماذا حصل رغد ...؟ "

    حاولت ُ إبعاد رأسها كي أنظر إلى عينيها لكنها غاصتْ بداخلي بعمق ... بقوة و هي تصرخ:

    " أبعده عني... أبعده عنـّـي ... أبعده عنـّـي "

    ألقيتُ نظرة خاطفة على أروى فرأيتها مجفلة فزعة محملقة بعينيها...

    صرختُ :

    " ماذا حصل ؟ "

    لم تقو َ على الكلام...

    صرختُ ثانية :

    " ماذا حصل ؟؟ يا أروى؟؟ "

    تأتأتْ أروى :

    " لا... أدري... "

    أبعدتُ رأس رغد عن صدري فلم تقاوم... نظرتُ إلى عينيها أريد أن أسألها عمّا حصل... فإذا بهما تحملقان في الفراغ... و إذا بذراعيها تهويان فجأة على جانبيها... و إذا بها تنزلق من بين يدي...

    بسرعة أمسكتُ بها و أنا أصرخ:

    " رغد... رغد "

    رفعتُها إلى السرير و جعلتُ أخاطبها و أهزها ... لكن عينيها كانتا تبحلقان في اللاشيء... و فجأة دارتا للأعلى و انسدل جفناها من فوقهما...

    " رغد... رغد... ما بك ... رغد أجيبيني "

    لكنها لم تجب...

    صرختُ بانفعال :

    " أجيبيني يا رغد... رغد...أرجوكِ... "

    و أنا أهزها بعنف محاولا إيقاظها... لكنها... بدت فجأة كالميتة....
    تزلزل قلبي تحت قدمي مرتاعا و صرختُ مذهولا:

    " يا إلهي... ماتت ْ صغيرتي ماتت ْ ..."

    و أنا مستمر في هزّها بعنف دون جدوى...

    التفتُ إلى أروى و صرختُ بقوة:

    " طبيب... إسعاف... ماء ... افعلي شيئا... احضري شيئا ... تحركي بسرعة "

    و أروى واقفة كالتمثال ... متجمدة في فزع ..

    صرختُ :

    " هيا بسرعة "

    تحركتْ أروى باعتباط ... يمينا يسارا حتى إذا ما لمحتْ قارورة الماء تلك على المكتب... أسرعتْ إليها و جلبتها لي
    رششتُ الماء على وجه رغد ... بل إنني أغرقتُه و أنا لا أزال أهزها و أضرب خديها بقوة... حتى ورّمتهما....
    رغد فتحتْ عينيها فناديتها مرارا لكنها لم تكن تنظر إليّ أو حتى تسمعني... بدتْ و كأنها تسبح في عالم آخر...

    " رغد... أتسمعينني؟؟ ردي عليّ... ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

    و لم تتجاوب معي...
    بسرعة قربتُ من فمها قارورة الماء و طلبتُ منها أن تفتحه و تشرب...
    رغد لم تحرك شفتيها... بل عادتْ و أغمضتْ عينيها... لكنها لا تزال تتنفس... و لا يزال الشريان ينبض في عنقها بعنف...
    أبعدت ُ القارورة و رحت ُ أحرك رأسها يمينا و شمالا بقوة ... محاولا إيقاظها...
    و التفتُ إلى أروى آمرا :

    " أحضري بعض السكّر "

    وقد تفجرتْ فكرة هبوط السكر في بالي فجأة...

    أروى حدّقت بي ببلاهة... غير مستوعبة لشيء فهتفتُ:

    " السكر يا أروى... بسرعة "

    وانطلقتْ أخيرا خارج الغرفة و عادتْ بعد ثوان تحمل علبة السكّر...
    كانتْ رغد لا تزال شبه غائبة عن الوعي على ذراعي...
    تناولتُ علبة السكر بسرعة و سكبتُ كمية منه داخل القارورة و رججتها بعنف... ثم قرّبتها من رغد مجددا :

    " رغد... أتسمعينني؟؟ افتحي فمك..."

    لكنها فتحتْ عينيها و نظرتْ إليّ...
    رأس رغد كان على ذراعي اليسرى و القارورة في يدي اليمنى... ألصقتُها بشفتيها و قلتُ:

    " هيا يا رغد...افتحي فمك "

    لم تع ِ رغد كلامي...
    رفعت ُ رأسها و فتحت ُ فمها بنفسي... و دلقت ُ شيئا من الشراب فيه...

    " اشربي...."

    عينا رغد أوشكتا على الإغماض... فهززتها بقوة :

    " أوه لا... لا تنامي الآن... أفيقي... اشربي هيا... "

    و رفعت ُ رأسها للأعلى أكثر...
    حينها وصل الشراب إلى بلعومها فسعلتْ... و ارتد الشراب إلى الخارج...
    فتحتْ رغد عينيها و بدا و كأنها استردتْ شيئا من وعيها إثر ذلك...

    قربت ُ القارورة من فمها مجددا و قلتُ:

    " أتسمعينني يا رغد ؟؟ اشربي... أرجوك..."

    سكبتُ كمية أخرى في فمها فابتلعتها رغد فجأة... ثم فجأة رأيتُ المزيج يخرج من فمها و أنفها... و ينسكب مبللا وجهها و ملابسها...

    " أوه يا رغد.... كلا... كلا...."

    ضممتُها إلى صدري بهلع ... بفزع... بعشوائية... و بانهيار...
    كانت طرية كالورقة المبللة...

    غمست ُ يدي في علبة السكّر و أخذتُ حفنة منه... و رفعتُها نحو فمها المفغور و نثرتُها فيه... مبعثرا الذرات على وجهها المبلل و على عنقها و ملابسها و في كل مكان من شدّة اضطرابي...

    " ابلعيه... أرجوك... أرجوك يا رغد... "

    عدتُ و أخذتُ كمية أخرى و حشوتُ فمها بها... و أغلقتُه بيدي... و هي مستسلمة لا تقاوم... و لا تظهر على قسمات وجهها أية تعبيرات...
    كأنها تمثال من الورق الذابل...
    كانت... كالميتة على ذراعي...
    عدتُ أخاطبها فخرج صوتي مبحوحا ممزقا... و كأن حفنة السكر تلك قد انحشرتْ في حنجرتي أنا... و أعطبتْ حبالي الصوتية...

    " ابلعيه يا رغد... أرجوك... يجب أن تبلعيه... يا إلهي ماذا جرى لصغيرتي ؟؟ "

    أبعدتُ رأس رغد عنّي قليلا... فرأيتُ عينيها نصف مفتوحتين تحملقان في اللاشيء ... و فمها مفتوح تنساب من زاويتيه قطرات اللعاب ممزوجة بحبيبات السكر....
    و شيئا فشيئا بدأتْ تحرّك عينيها و فمها و تستعيد وعيها...

    " رغد ... "

    صحت ُ بلهفة... و أنا أرى عينيها تدوران في الغرفة و من ثم تنظران إلي ّ

    " رغد... رغد... هل تسمعينني ؟؟ "

    رغد تنظر إلي... إذن فهي تراني... و تسمعني...
    فمها أراه يتحرك و يبتلع السكر...

    بسرعة تناولت ُ قارورة المزيج تلك و ألصقتُها بفمها مباشرة و قلتُ :

    " اشربي ... أرجوك... أرجوك... "

    شربتْ رغد جرعة ... و ابتلعتْها... تلتها جرعة أخرى...
    أبعدت ُ القارورة و أعدتُ رجها بقوة... ثم قربتُها من شفتيها و طلبتُ منها أن تشرب المزيد...

    " اشربي... قليلا بعد يا رغد... هيا ... "

    حتى أرغمتُها على شرب المزيج كاملا... و قد تجاوبتْ منقادة و نصف واعية على ذراعي...
    و هي على ذراعي... استردّتْ وعيها تدريجيا...
    و هي على ذراعي... كانتْ تتنفس بقوة... و اضطراب... و ترتعش كعصفور يحتضر...
    و هي على ذراعي... انحدرتْ من عيني دمعة كبيرة... بحجم السنين التي فرقتْ فيما بيننا...
    و هي على ذراعي... و أنا ممسك بها بكل قوتي و كل ضعفي... مخافة أن تنزلق من بين يدي... مخافة من أن يبعدها القدر عني... مخافة من أن أفقدها هذه المرة... للأبد...

    لقد كانت شبه ميتة بين يدي...
    رغد الحبيبة... طفلتي الغالية... منبع عواطفي و مصبها... شبه ميتة... على ذراعي ؟؟

    " هل تسمعينني يا رغد ؟ أتسمعينني ؟ "

    سألتُها عندما رأيتُها تحدّق بي... بدتْ و كأنها مشوشة و غير قادرة على التركيز... أخذتْ تدور بعينيها على ما حولها... توقفتْ برهة تحملق في أروى... و أخيرا عادتْ إلي...

    " أخبريني... هل أنتِ بخير؟؟ أتسمعينني؟؟ أتستطيعين التحدّث؟ ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

    " وليد... "

    أخيرا نطقتْ...

    قلتُ بلهفة :

    " نعم رغد... أأنت ِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟ "

    رغد أغمضتْ عينيها بقوة... كأنها تعتصر ألما... ثم غمرتْ وجهها في صدري... و شعرتُ بأنفاسها الدافئة تتخلخل ملابسي... كما أحسستُ بالبلل يمتصه قميصي... من وجهها...

    حركتُ يدي نحو كتفها و ربتُ بخفة:

    " رغد...؟؟ "

    تجاوبتْ رغد معي... أحسستُ بهمسها يصطدم بصدري... لم أميّز ما قالتْ أولا... لكنها حين كررتْ الجملة استطاعتْ أذناي التقاطها ...

    " أبعده عنّي... "

    توقفتُ برهةً أفتشُ عن تفسيرٍ لما سمعتُ... سألتُها بحيرة و عدم استيعاب :

    " أُبعِدُهُ عنكِ ؟؟ "

    كررتْ رغد... و هي تغمرُ وجهها أكثر في ثنايا قميصي :

    " أَبعدهُ عنّي ... "

    قلتُ مستغربا :

    " من ؟؟ "

    سرتْ رعشة في جسد رغد انتقلتْ إليّ ... نظرتُ إلى يدها الممدودة جانبا فرأيتُها ترتجفُ... و رأيتُها تتحرك نحوي و تتشبثْ بي... كانتْ باردة كالثلج... و أيضا أحسستُ برأسها ينغمسُ في داخلي أكثر فأكثر... ثم سمعتُها تقول بصوتٍ مرتجف واهن:

    " عمّار "

    آن ذاك... جفلتُ و تصلبتْ عضلاتي فجأة... و تفجرتْ الدهشة كقنبلة على وجهي...
    حركتُ يدي إلى رأسها و أدرتُه إليّ... لأرى عينيها... فتحتْ هي عينيها و نظرتْ إليّ...

    قلتُ :

    " من ؟؟ "

    فردّتْ :

    " عمار... أبعده عنّي... أرجوك "

    اختنق صوتي في حنجرتي بينما ارتجّتْ الأفكار في رأسي...

    قلتُ :

    " عمــ....مار ؟؟ لكن... "

    و لم أقوَ على التتمة...
    ماذا جرى لصغيرتي ؟ ما الذي تهذي به ؟؟

    قالتْ :

    " أبعده... أرجوك "

    ازدردتُ ريقي بفزع و أنا أقول :

    " أين... هو ؟ "

    رغد حركتْ عينيها و نظرتْ نحو أروى... ثم هزتْ رأسها و أغمضتْ عينيها و عادتْ و غمرتْ وجهها في صدري و هي تصيح :

    " أبعده عني... أبعده عنّي... وليد أرجوك..."

    آنذاك... شعرتُ بأن خلايا جسمي كلها انفصمتْ عن بعضها البعض و تبعثرتْ على أقطار الأرض... و فشلتُ في جمعها...

    البقايا المتبقية لي من قوة استخدمتُها في الطبطبة على رغد و أنا أردد :

    " بسم الله عليكِ... اهدئي يا رغد... ماذا حل بكِ؟ ...هل رأيتِ كابوسا ؟؟ "

    رغد كررتْ مجددا و هذه المرة و هي تبكي و تشدّ ُ الضغط عليّ متوسلة:

    " أبعده يا وليد... أرجوك... لا تتركني وحدي... لا تذهب..."

    " أنا هنا يا رغد... بسم الله عليكِ... يا إلهي ماذا حصل لكِ ؟ هل تعين ما تقولين؟ "

    أبعدتْ رغد رأسها قليلا و وجهتْ نظرها إلى أروى و صاحتْ مجددا:

    " أبعده أرجوك... أرجوك... أنا خائفة... "

    جُن ّ جنوني و أنا أرى الصغيرة بهذه الحالة المهولة ترتجف ذعرا بين يدي ...
    هتفتُ بوجه أروى :

    " ماذا فعلت ِ بالصغيرة يا أروى ؟ "

    أروى واقفة مدهَشة متجمدة في مكانها تنظر إلينا بارتباك و هلع...

    صرخت ُ :

    " ماذا فعلت ِ يا أروى تكلّمي ؟ "

    ردتْ أروى باضطراب:

    " أنا ؟؟ لا شيء... لم أفعل شيئا "

    قلت ُ آمرا بصرامة :

    " انصرفي الآن ... "

    حملقتْ أروى بي مذهولة فكررت ُ بغضب :

    " انصرفي هيا ... "

    حينها خرجتْ أروى من الغرفة... و بقينا أنا و رغد منفردين... يمتص كل منا طاقته من الآخر...
    كانت الصغيرة لا تزال تئن مراعة في حضني... حاولتُ أن أبعدها عنّي قليلا إلا أنها قاومتني و تشبثتْ بي أكثر...
    لم استطع فعل شيء حيال ذلك... و تركتُها كما هي...
    هدأتْ نوبة البكاء و الروع أخيرا... بعدها رفعتْ رغد رأسها إلي و تعانقتْ نظراتنا طويلا...

    سألتُها :

    " أأنت ِ بخير ؟ "

    فأومأتْ إيجابا...

    " كيف تشعرين ؟ "

    " برد ... "

    قالتْ ذلك و الرعشة تسري في جسمها النحيل...
    جعلتُها تضطجع على الوسادة و غطيتها باللحاف و البطانية... و درتُ ببصري من حولي فوجدتُ أحد أوشحتها معلقا بالجوار فجلبتُه...
    و أنا ألفّه حول وجهها انتبهتُ لحبيبات السكر المبعثرة على وجهها و شعرها... و ببساطة رحتُ أنفضها بأصابعي...
    كان وجهها متورما محمرا من كثرة ما ضربته! أرى آثار أصابعي مطبوعة عليه !...
    آه كم بدا ذلك مؤلما... لقد شقّ في قلبي أخدودا عميقا...
    أنا آسف يا صغيرتي...سامحيني...

    لففتُ الوشاح على رأسها بإحكام مانعا أي ٍ من خصلات شعرها القصير الحريري من التسلل عبر طرفه...

    " ستشعرين بالدفء الآن... "

    سحبت ُ الكرسي إلى جوار السرير و جلستُ قرب رغد أراقبها...
    إنها بخير... أليس كذلك؟
    هاهي تتنفس... و هاهما عيناها تجولان في الغرفة... و هاهو رأسها يتحرك و ينغمر أكثر و أكثر في الوسادة...
    لابد أنه هبوط السكّر... فقد مرتْ رغد بحالة مشابهة من قبل... لكنها لم تكن تهذي آنذاك...
    هل كان كابوسا أفزعها؟؟
    هل قالتْ لها أروى شيئا أثار ذعرها؟؟
    ماذا حصل؟؟
    لابد أن أعرف...

    انتظرتُ حتى استرددتُ أنفاسي المخطوفة... و استرجعتُ شيئا من قواي الخائرة... و ازدردت ُ ريقي الجاف إلا عن طعم المعجون الذي لا يزال عالقا به... و استوعبتُ الموقف، ثم خاطبتُ رغد :

    " رغد "

    التفتتْ رغد إلي ّ فسألتُها:

    " ماذا... حصل ؟ "

    كنتُ أريد الاطمئنان على وعيها و إدراكها... و معرفة تفسير ما حدث...
    رغد نظرتْ إلي ّ نظرة بائسة... ثم قالتْ و صوتها هامس خفيف:

    " شعرت ُ بالدوخة منذ استيقاظي... و عندما وقفت ُ أظلمتْ الصورة في عيني ّ و فقدت ُ توازني... "

    ثم أضافتْ :

    " لم آكل شيئا... أظن أنه السبب "

    ثم تنهّدتْ باسترخاء...
    قلتُ :

    " أهذا كل شيء؟"

    قالت :

    " نعم "

    " و أنتِ الآن... بخير ؟؟ "

    أجابتْ :

    " نعم... بخير "

    تنهدتُ شبه مطمئنا و قلتُ :

    " الحمد لله..."

    و أضفتُ :

    " لقد أفزعتني..."

    نظرتْ هي إليّ ثم غضّت بصرها اعتذارا...

    قلتُ :

    " الحمد لله... المهم أنكِ بخير الآن "

    عقبتْ :

    " الحمد لله "

    سكتُ قليلا و الطمأنينة تنمو في داخلي، ثم استرسلتُ :

    " إذن... لم تأكلي شيئا البارحة.. أليس كذلك ؟ "

    و لم أرَ على وجهها علامات الإنكار...

    قلت ُ معاتبا و لكن بلطف:

    " لماذا يا رغد؟ لم تسمعي كلامي... أتريدين إيذاء نفسك؟؟ انظري إلى النتيجة... لقد جعلت ِ الدماء تجف في عروقي هلعا..."

    حملقتْ رغد بي لبرهة أو يزيد... ثم نقلتْ بصرها إلى اللحاف بعيدا عنّي... تأسفا و خجلا...
    لم يكن الوقت المناسب للعتاب.. لكن خوفي عليها كاد يقتلني... و أريد أن أعرف ما حصل معها...

    قلت ُ :

    " أحقا هذا كل ما في الأمر ؟ "

    عادتْ رغد تنظر إليّ مؤكدة :

    " نعم... لا تقلق... أنا بخير الآن "

    سألت ُ :

    " و أروى... ماذا كانت تفعل هنا ؟ "

    أجهل معنى النظرات التي وجهتها رغد نحوي... لكنني رجّحت ُ أنها لا تود الإجابة...
    احترتُ في أمري... أردت ُ أن أسألها عما جعلها تشير إليها كـ عمار... و لم أجرؤ...

    قلتُ أخيرا... و أنا أهب ُ واقفا :

    " حسنا... دعيني أحضر لك ِ شيئا تأكلينه "

    و هممتُ بالانصراف غير أن رغد نادتني:

    " وليد... "

    التفتُ إليها و رأيتُ الكلام مبعثرا في عينيها... لا أعرف ماذا كانت تود القول... غير أنها غيّرت حديثها و قالتْ:

    " أنا آسفة "

    ابتسمتُ ابتسامة سطحية و قلتُ مشجعا :

    " لا عليك "

    ابتسمتْ هي بامتنان و قالتْ :

    " شكرا لكَ "

    و غادرت ُ الغرفة... مطمئن البال نسبيا و اتجهتُ إلى المطبخ...

    هناك حضرت ُ الشاي و فتشتُ عن بعض الطعام فوجدت ُ علب البيتزا التي كنتُ قد اشتريتها بالأمس و لم تُمس...
    و عدا عن العلبة التي تناولتـْها خالتي ليندا، فإن البقية كما هي
    قمت ُ بتسخين أحد الأقراص على عجل... و انطلقتُ حاملا الطعام إلى رغد...

    كانتْ على نفس الوضع الذي تركتُها عليه...
    جلست ُ على المقعد إلى جوارها و قدّمتُ لها الوجبة

    " تفضلي... اشربي بعض الشاي لتدفئي "

    جلستْ رغد و أخذتْ تحتسي الشاي جرعةً جرعة... وهي ممسكة بالكوب بكلتا يديها...

    " هل تشعرين بتحسّن ؟ "

    حركتْ رأسها إيجابا

    قلتُ :

    " جيّد... الحمد لله... تناولي بعضا من هذه ... لتمنحك بعض الطاقة "

    و قربتُ إليها إحدى قطع البيتزا ... فأخذتْها و قضمتْ شيئا منها...

    سألتُها :

    " أهي جيّدة ؟ لا أعتقد أن طعمها قد تغيّر ؟ "

    أتعرفون كيف ردّت رغد ؟؟
    لا لن تحزروا... !

    فوجئتُ برغد و قد قربتْ قطعة البيتزا ذاتها إلى فمي... تريدُ منّي أن أتذوقها!

    اضطربتُ، و رفعتُ يدي لأمسك بالقطعة فأبعدتْ رغد القطعة عن يدي... و عادتْ و قرّبتْها إلى فمي مباشرة !

    الصغيرة تريد أن تطعمني بيدها !

    نظرتُ إليها و قد علا التوتر قسمات وجهي كما لوّنته حمرة الحرج... و رغد لا تزال معلّقة البيتزا أمام فمي...

    أخيرا قلتُ :

    " كـُـ... كليها أنت ِ رغد "

    و لو ترون مدى الامتقاع و التعبيرات المتعسة التي ظهرت على وجهها !

    و إذا بها تقول:

    " لا تريد أن تأكل من يدي ؟ "

    فاجأني سؤالها في وقت لم أصح ُ فيه بعد من مفاجأة تصرفها... و لا مفاجآت حالتها هذا الصباح...
    إنّ شيئا ألمّ بالصغيرة... يا رب... لطفك ...

    رفعتُ حاجباي دهشة... و تلعثمتْ الحروف على لساني...

    " أأأ... رغد... إنه... أنا... "

    رغد... ماذا جرى لك اليوم ؟؟ ماذا أصابك ...؟
    أنت ِ تثيرين جنوني... تثيرين فزعي... تثيرين مخاوفي ... تثيرين شجوني و آلامي و ذكريات الماضي...
    ماذا دهاك يا رغد ؟؟
    بربّك... أخبريني ؟؟

    كنتُ على وشك أن أنطق بأي جملة... تمتّ ُ أو لا تمتُ للموقف بصلة إلاّ أن رغد سبقتني و قالتْ منفعلة:

    " لكنك تأكل من يدها... أليس كذلك ؟ "

    ذهلتُ لجملتها هذه ... أيما ذهول...
    رغد لم تبعد يدها بل قربتها مني أكثر .. لا بل ألصقتْ البيتزا بشفتي و نظراتها تهددني...
    حملقتُ بها بدهشة و قلق... شيء ما قد حلّ بصغيرتي... ماذا جرى لها ؟ يا الهي...

    " رغد... "

    لما رأتْ رغد استنكاري... أبعدتْ البيتزا عني، و وجهها شديد الحزن تنذر عيناه بالمطر... و فمها قد تقوس للأسفل و أخذ يرتعش... و رأسها مال إلى الأسفل بأسى و خيبة ما سبق لي أن رأيتُ على وجه رغد شبيها لهما... و بصوت ٍ نافذ الطاقة هزيل متقطّع أقر ب إلى الأنين قالتْ:

    " أنت ...لا تريد... أن... تأكل من يدي أنا... أليس... كذلك ؟ "

    و هطلتْ القطرة الأولى... من سحابة الدموع التي سرعان ما تكثـّفتْ بين جفنيها...
    إنها ليستْ باللحظة المناسبة لأي شرح أو تفسير... أو علة أو تبرير... أو رفض أو اعتراض !

    قلتُ مستسلما مشتتا مأخوذا بأهوال ما يجري من حولي:

    " لا... لا ليس كذلك ... "

    شيئا فشيئا انعكس اتجاه قوس شفتيها... و ارتسمتْ بينهما ابتسامة مترددة واهية... و تسللتْ من بينهما الدمعة الوحيدة مسافرة عبر فيها إلى مثواها الأخير...

    نحو فمي ساقتْ رغد قطعة البيتزا ثانيةً... و بين أسناني قطعتُ جزءا منها مضغتُه دون أن أحسّ له طعما و لا رائحة...

    اتسعتْ الابتسامة على وجه الصغيرة و سألتني:

    " لذيذة ؟ "

    قلتُ بسرعة :

    " نعم ... "

    ابتسمتْ رغد برضا... و كأنها حققتْ إنجازا عظيما...
    ثم واصلتْ التهام البيتزا و طلبتْ مني مشاركتها ففعلتُ مستسلما... و أنا في حيرة ما مثلها حيرة من أمر هذه الصغيرة...

    كم بدا القرص كبيرا... لا ينتهي...
    كنتُ أراقب كل حركة تصدر عن صغيرتي... متشككا في أنها قد استردتْ إدراكها كاملا... الرعشة في يديها اختفتْ... الارتخاء على وجهها بان... الاحمرار على وجنتيها تفاقم... و الأنفاس من أنفها انتظمتْ...
    و أخيرا فرغتْ العلبة... لقد التهمنا البيتزا عن آخرها لكن... لم أشعر بأنني أكلتُ شيئا...

    في هذه اللحظة أقبلتْ أروى و وقفت عند الباب مخاطبة إياي:

    " إنه هاتف مكتبك يا وليد... رن مرارا..."

    نقلت ُ بصري بين أروى و رغد... الفتاتان حدقتا ببعضهما البعض قليلا... ثم مدتْ رغد يديها و أمسكتْ بذراعي كأنها تطلب الأمان...
    كان الخوف جليا على وجهها ما أثار فوق جنوني الحالي... ألف جنون و جنون...

    " رغد !! "

    رغد كانت تنظر إلى أروى مذعورة... لا أعرف ما حصل بينهما...

    قلتُ مخاطبا أروى :

    " انصرفي الآن يا أروى رجاء ً "

    رمقتني أروى بنظرة استهجان قوية... ثم غادرتْ...

    التفتُ إلى الصغيرة و سألتُها و القلق يكاد يقتلني :

    " ماذا حل بكِ يا رغد ؟ أجيبيني ؟؟ هل فعلتْ بك ِ أروى شيئا ؟؟ "

    رغد أطلقتْ كلماتها المبعثرة بانفعال ممزوج بالذعر:

    " لا أريد أن أراها... أبعدها عني... أنا أكرهها... ألا تفهم ذلك؟؟... أبعدها عني...أرجوك "

    لن يفلح أي وصف لإيصال شعوري آنذاك إليكم... مهما كان دقيقا
    أخذتُ أطبطب عليها أحاول تهدئتها و أنا المحتاج لمن يهدّئني....

    " حسنا رغد... يكفي...أرجوك اهدئي... لا تضطربي هكذا...بسم الله الرحمن الرحيم..."

    بعد أن هدأتْ رغد و استقرتْ حالتها العجيبة تلك... لم أجرؤ على سؤالها عن أي شيء... عرضتُ عليها أن آخذها إلى الطبيب، لكنها رفضتْ تماما... فما كان منّي إلا أن طلبتُ منها أن تسترخي في فراشها لبعض الوقت و سرعان ما اضطجعتْ هي و غطّتْ وجهها بالبطانية... ليس لشيء إلا.. لأنها أرادتْ أن تبكي بعيدا عن مرآي...

    كنتُ أسمع صوت البكاء المكتوم... و لو دفنته يا رغد تحت ألف طبقة من الجبال... كنتُ سأسمعه !
    لكنني لم أشأ أن أحرجها... و أردتُ التسلل خارجا من الغرفة...
    وقفت ُ و أنا أزيح المقعد بعيدا عنها بهدوء... و سرتُ بخفة نحو الباب...
    فيما أنا على وشك الخروج إذا بي أسمعها تقول من تحت البطانية:

    " وليد...أرجوك...لا تخبرها... عما حصل في الماضي... أرجوك "

    تسمرتُ في موضعي فجأة إثر سماعي لها... استدرتُ نحوها فرأيتها لا تزال مختبئة تحت البطانية... هروبا من مرآي...

    تابعتْ :

    " لن احتمل نظرات السخرية... أو الشفقة من عينيها... أرجوك وليد.."

    بقيتُ واقفا كشجرة قديمة فقدتْ كل أوراقها الصفراء الجافة في مهب رياح الخريف...
    لكن المياه سرعان ما جرتْ في جذوري ... دماء ً حمراء مشتعلة تدفقتْ مسرعة نحو رأسي و تفجرتْ كبركان شيطاني... من عيني ّ...

    تبا لك ِ يا أروى...!!

    خرجتُ من غرفة رغد غاضبا متهيجا و بحثتُ عن أروى و وجدتُها في الردهة قرب السلّم... ما أن رأتني حتى وقفتْ و أمارات القلق على وجهها صارخة...

    قالتْ مباشرة :

    " كيف هي ؟ "

    و قبل أن تسترد نفسها من الكلام انفجرتُ في وجهها كالقنبلة:

    " ماذا فعلت ِ بها ؟ "

    الوجوم و الدهشة عليا تعبيراتها و قالتْ مضطربة:

    " أنا !! ؟؟ "

    قلتُ بصوت ٍ قوي غليظ :

    " نعم أنت ِ ... ما الذي فعلته بها ؟؟ أخبريني ؟ "

    أروى لا تزال مأخوذة بالدهشة تنم تعبيرات وجهها عن السذاجة أو التظاهر بالسذاجة... و هو أمر أطلق المدافع في رأسي غضبا... فزمجرت ُ :

    " تكلّمي يا أروى ما الذي كنت ِ تفعلينه في غرفتها؟؟ ماذا قلت ِ لها تكلّمي "

    أروى توتّرتْ و قالتْ مستهجنةْ:

    " و ما الذي سأفعله بها ؟؟ لم أفعل شيئا... ذهبت ُ لأسألها عن شيء... إنها هي من كان غير طبيعيا... بدتْ و كأنها ترى كابوسا أو فلما مرعبا... ثم صرختْ.. .لا علاقة لي بالأمر "

    قلتُ بغضب :

    " عن أي شيء سألتها ؟ "

    بدا التردد على أروى فكررتُ بلكنة مهددة:

    " عن أي شيء سألتها يا أروى تكلّمي؟؟ اخبرني بالتفصيل.. ماذا قلت ِ لها و جعلتها تضطرب بهذا الشكل؟؟ عم سألتها أخبريني؟ "

    " وليد ! "

    هتفتُ بعنف :

    " تكلّمي ! "

    شيء من الذعر ارتسم على وجه أروى... من جراء صراخي...

    أجابتْ متلعثمة :

    " فقط ...سـ... سألتها عن... سبب قتلك عمار... و إخفائك الحقيقة عنّي... و عن ... علاقتها هي بالأمر... "

    انطلقتْ الشياطين من بركان رأسي ... كنت ُ في حالة غضب شديد... لم استطع كتمانه أو التغلب عليه...
    صرخت ُ في وجه أروى بعنف:

    " أهذا كل شيء ؟ "

    أجابتْ أروى مذعورة:

    " نعم... لا تصرخ بوجهي ... "

    لكنني خطوتُ نحوها... و مددتُ يدي و أمسكتُ بذراعها بقوة و ضججتُ صوتي:

    " و لماذا فعلتِ ذلك ؟ ألم أحذركِ من هذا ؟ ألم أطلب منكِ ألا تتحدثي معها ؟ لماذا فعلت ِ هذا يا أروى لماذا ؟ "

    أطلقتْ أروى صيحة ألم... و حاولتْ تحرير ذراعها منّي... لكنني ضغطتُ بشدة أكبر و أكبر... و هتفتُ بوجهها منفعلا :

    " كيف تجرأتِ على هذا يا أروى ؟؟ أنظري ماذا فعلت ِ بالصغيرة... إنها مريضة... ألا تفهمين ذلك ؟؟ إن أصابها شيء ... فستدفعين الثمن غاليا "

    صاحتْ أروى:

    " اتركني يا وليد ... أنت تؤلمني... "

    قلتُ :

    " لن أكتفي بالألم... إن حلّ بالصغيرة شيء بسببكِ يا أروى... أنا لا أسمح لأحد بإيذائها بأي شكل... كائنا من كان... و لا أسامح من يسبب لها الأذى أبدا يا أروى...أتفهمين ؟؟ إلا صغيرتي يا أروى... إلا رغد... لا أسامح فيها مس شعرة... أبدا يا أروى أبدا... أبدا... هل فهمت ِ ؟؟ "

    و أفلتُّ ذراعها بقسوة مبعدا إياها عنّي بسرعة... لئلا تتغلب علي الشياطين و تدفعني لارتكاب ما لن ينفع الندم بعده على الإطلاق...

    كان هذا.. مطلعا تعيسا أسود ليوم جديد أضيفه إلى رصيد أيام حياتي الحزينة المؤلمة... و هو مطلع لم يساوي الكثير أمام ما كان يخبئه القدر... في نهايته.
    .
    .
    .
    يتبع ،،
    هَمَيَ ذبَحَنَيَ وًّأنَتَ مَاَ تَرَحَمَ اَلَحَاَلَ

    أقَوًّلَكَ مَهَمَوًّمَ تَقَوًّلَ اَلَلَهَ يَعَيَنَك ،،

  2. #2
    متذوق وكاتب قصص وروايات بالسبلة العُمانية الصورة الرمزية القيصـــــر
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,965
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    تكملة الجزء السابق

    وضعتُ القصاصات تحت الوسادة و أرخيتُ جفوني... سأنام على صورتكِ يا رغد !
    فجأة... صحوتُ على صوتُ جلبة... أشبه بارتطام شيء ما بالأرض... مصحوبة بصراخ قوي !
    نهضتُ بسرعة و سمعتُ صوت صرخات متتالية و متداخلة مع بعضها البعض في آن واحد... أسرعتُ للخروج من غرفتي و هرولتُ ناحية مصدر الصراخ...
    إنه السلّم...
    وصلتُ أعلى عتباته و ألقيتُ نظرة سريعة نحو الأسفل و ذهلتُ !
    قفزتُ العتبات قفزا حتى وصلتُ إلى منتصف الدرَج... حيث وجدتُ رغد و أروى جاثيتين على العتبات إحداهما تئن بفزع... و الأخرى تتلوى ألما و تطلق الصرخات...
    و مجموعة من الأوراق مبعثرة على العتبات من حولهما...

    " ماذا حدث ؟؟ "

    سألتُ مفزوعا... و لم تجب أيهما بأكثر من الأنين و الصراخ...

    " رغد...أروى ...ماذا حدث ؟؟ "

    ردّتْ أروى و هي تضغط على كوعها بألم :

    " وقعنا من أعلى السلم "

    لم يكن لدي مجال لأندهش... فقد كانتْ رغد تصرخ بألم و تنقل يدها اليسرى بين يمناها و رجلها اليسرى...

    قلتُ بسرعة :

    " أأنتما بخير ؟؟ "

    أروى وقفتْ ببطء و استندتْ إلى الجدار... و أما رغد فقد بقيتْ على وضعها تئن و تصرخ

    " رغد هل أنت ِ بخير ؟؟ "

    عصرتْ رغد وجهها من الألم فسالتْ الدموع متدفقة على وجنتيها المتوهجتين...

    قلتُ :

    " رغد ؟؟ "

    فأجابتْ باكية متألمة صارخة:

    " يدي... قدمي... آه... تؤلماني... لا أحتمل... ربما كسرتا "

    أصبتُ بالهلع... أقبلتُ نحوها حتى جلستُ قربها تماما... و سألتُ :

    " هذه ؟ "

    مادا يدي إلى يدها اليمنى و لكني ما أن قرّبتُ يدي حتى صرختْ رغد بقوة و أبعدتْ يدها عنّي...

    " رغد "

    هتفتُ بهلع، فردتْ :

    " تؤلمني بشدة... آي... لا تلمسها "

    فوجهتُ يدي إلى يدها اليسرى :

    " و هذه؟ أتؤلمك؟ "

    " كلا "

    فأمسكتُ بها و أنا أقول:

    " إذن... دعيني أساعدكِ على النهوض"

    رغد حركتْ رأسها اعتراضا و قالتْ:

    " لا أستطيع... قدمي ملتوية... تؤلمني كثيرا... لا أستطيع تحريكها "

    و نظرتْ نحو قدمها ثم سحبتْ يدها اليسرى من يدي و أمسكتْ برجلها اليسرى بألم
    و كانتْ قدمها ملوية إلى الداخل، يخفي جوربها أي أثر لأي كدمة أو خدش أو كسر...

    قلتُ :

    " سأحاول لفها قليلا "

    و عندما حركتها بعض الشيء... أطلقتْ رغد صرخة قوية ثقبتْ أذني و أوقفتْ نبضات قلبي...
    يبدو أن الأمر أخطر مما تصورتُ ... ربما تكون قد أصيبتْ بكسر فعلا...
    تلفتُ يمنة و يسرة في تشتت من فكري... كانت أروى متسمّرة في مكانها في فزع... بدأ العرق يتصبب من جسمي و الهواء ينفذ من رئتيّ... ماذا حلّ بصغيرتي ؟؟
    التفت ُ إلى رغد بتوتر و قلتُ:

    " سأرفعكِ "

    و مددتُ ذراعي بحذر و انتشلتُ الصغيرة من على العتبة و هي تصرخ متألمة... و هبطتُ بها إلى الأسفل بسرعة... و أثناء ذلك ارتطمتْ قدمي بشيء اكتشفتُ أنه كان هاتفي المحمول ملقى ً أيضا على درجات السلم...
    حملتُ رغد إلى غرفة المعيشة و وضعتها على الكنبة الكبرى... و هي على نفس الوضع تعجز عن مد رجلها أو ثنيها... أما يدها اليمنى فقد كانتْ تبقيها بعيدا خشية أن تصطدم بي...

    " رغد... "

    ناديتها باضطراب... لكنها كانتْ تكتم أنفاسها بقوة حتى احتقن وجهها وانتفختْ الأوردة في جبينها... و برزتْ آثار اللطمات التي أمطرتها بها صباحا أكثر... حتى شككتُ بأنها آثار جديدة سببها الدرج من شدّة توهجها...
    بعدها انفجر نفَس رغد بصيحة قوية قطّعت حبالها الصوتية...

    قلتُ مفزوعا :

    " يا إلهي... يجب أن آخذك إلى الطبيب "

    وقفتُ ثم جثوتُ على الأرض ثم وقفتُ مجددا... خطوتُ خطوة نحو اليمين و أخرى نحو اليسار... تشتتُ و من هول خوفي على رغد لم أعرف ماذا أفعل... أخيرا ركزتْ فكرة في رأسي و ركضتُ في اتجاه غرفتي، أريد جلب مفاتيح السيارة...

    عند أول عتبات السلّم كانتْ أروى تقف متسمرة تنم تعبيرات وجهها عن الذعر...!
    وقفتُ برهة و أنا طائر العقل و قلتُ باندفاع :

    " ماذا حدث ؟ كيف وقعتما؟ ربما انكسرتْ عظامها ... سآخذها إلى المستشفى "

    لم أدع لها المجال للرد بل قفزتُ عتبات الدرج قفزا ذهابا ثم عودة... و أنا أدوس عشوائيا على الأوراق المبعثرة عليها دون شعور... ثم رأيتُ أروى لا تزال قابعة في مكانها... فهتفتُ:

    " تكلـّمي ؟؟ "

    و أنا أسرع نحو غرفة المعيشة... توقفتُ لحظة و استدرتُ إلى أروى و قلتُ:

    " و أنتِ بخير ؟ "

    أومأتْ أروى إيجابا فتابعتُ طريقي إلى رغد... و لم أشعر بأروى و هي تتبعني...
    وجدتُ رغد و قد كوّمت جزء ً من وشاحها لتعضّه بين أسنانها... حين رأتني خاطبتني و الوشاح لا يزال في فمها:

    " وليد... سأموت من الألم...آي "

    ركعتُ قربها و مددتُ ذراعيّ أريد حملها و أنا أقول:

    " هيا إلى الطبيب... تحمّلي قليلا أرجوك "

    و عندما أوشكتُ على لمس رجلها دفعتْ يدي بعيدا بيدها و صاحتْ:

    " لا... أقول لك تؤلمني... لا تلمسها "

    قلتُ :

    " يجب أن أحملك ِ إلى المستشفى رغد... أرجوك ِ تحملي قليلا... أرجوكِ صغيرتي "

    جمعت ْ رغد القماش في فمها مجددا و عضّت عليه و أغمضتْ عينيها بقوة...
    حملتها بلطف قدر الإمكان متجنبا لمس طرفيها المصابين... و استدرتُ نحو الباب... هناك كانت أروى تقف في هلع تراقبنا...

    قلتُ :

    " هيا... اسبقيني و افتحي لي الأبواب بسرعة "

    و هكذا إلى أن أجلستُ الصغيرة على مقعد السيارة الخلفي، ثم فتحتُ بوابة المرآب و انطلقتُ بسرعة...
    لحسن الحظ كانت رغد لا تزال ترتدي عباءتها و وشاحها الأسودين، لم تخلعهما منذ خرجنا إلى النزهة أول الليل...
    عندما وصلنا إلى المستشفى، استقبلنا فريق الإسعاف بهمة و حملنا رغد على السرير المتحرك إلى غرفة الفحص... كانت لا تزال تصرخ من الألم...

    سألني أحد الأفراد :

    " حادث سيارة ؟ "

    قلتُ :

    " لا ! وقعتْ من أعلى السلّم... ربما أصيبت ْ بكسر ما... أرجوكم أعطوها مسكنا بسرعة "

    أراد الطبيب أن يكشف عن موضع الإصابة... تحمّلتْ رغد فحص يدها قليلا و لكنها صرختْ بقوة بمجرّد أن وجه الطبيب يده إلى رجلها اليسرى... و يبدو أن الألم كان أشد في الرجل... شجعتها الممرضة و حين همّتْ بإزاحة الغطاء عن رجلها استدرتُ و وقفتُ خلف الستارة...
    عادتْ رغد تصرخ بقوة لم أحتملها فهتفتُ مخاطبا الطبيب:

    " أرجوك أعطها مسكنا أولا... لا تلمس رجلها قبل ذلك... ألا ترى أنها تتلوى ألما؟؟"

    و صرختْ رغد مرة أخرى و هتفتْ:

    " وليد "

    لم احتمل... أزحتُ الستارة و عدتُ إلى الداخل و مددتُ يدي إلى رغد التي سرعان ما تشبثتْ بها بقوة...

    " معكِ يا صغيرتي... تحمّلي قليلا أرجوك "

    و استدرتُ إلى الطبيب :

    " أعطها مسكنا أرجوك... أرجوك في الحال "

    الممرضة كشفتْ عن ذراع رغد اليسرى بهدف غرس الإبرة الوريدية في أحد عروقها... و لمحتْ الندبة القديمة فيها فسألتني :

    " و ما هذا أيضا ؟ "

    قلتُ غير مكترث:

    " حرق قديم...لا علاقة له بالحادث "

    و بمجرد أن انتهتْ الممرضة من حقن رغد بالعقار المسكن للألم عبر الوريد، عادتْ رغد و مدتْ يدها إليّ و تشبثتْ بي...

    " لا تقلقي صغيرتي... سيزول الألم الآن "

    قلتُ مشجعا و أنا أرى الامتقاع الشديد على وجهها المتألم الباكي...
    و مضتْ بضع دقائق غير أن رغد لم تشعر بتحسن

    " ألم يختفِ الألم ؟ "

    سألتها فقالتْ و هي تتلوى و تهز رأسها:

    " تؤلمني يا وليد... تؤلمني كثيرا جدا "

    خاطبتُ الممرضة :

    " متى يبدأ مفعول هذا الدواء ؟ أليس لديكم دواءٌ أقوى ؟؟ "

    الطبيب أمر الممرضة بحقن رغد بدواء آخر فحقنته في قارورة المصل المغذي و جعلته يسري بسرعة إلى وريدها...

    قلتُ مخاطبا الطبيب :

    " هل هذا أجدى ؟ "

    قال :

    " فعال جدا "

    قلتُ :

    " إنه ألم فظيع يا دكتور... هل تظن أن عظامها انكسرتْ ؟ "

    أجاب :

    " يجب أن أفحصها و أجري تصويرا للعظام قبل أن أتأكد "

    بعد قليل... بدأتْ جفون رغد تنسدل على عينيها... و صمتتْ عن الصراخ... و ارتختْ قبضتها المتشبثة بي...

    نظرتُ إلى الطبيب بقلق فقال :

    " هذا من تأثير المخدّر... ستغفو قليلا "

    ثم باشر فحص رجل رغد و أعاد تفحص يدها اليمنى... و بقية أطرافها... و عندما انتهى من ذلك، أمر بتصوير عظام رجلَي رغد و يديها و حتى جمجمتها تصويرا شاملا...

    " طمئني أيها الطبيب رجاء ً ... هل اتضح شيء من الفحص ؟؟ "

    نظر إليّ الطبيب نظرة غريبة ثم سألني و هو يتكلم بصوتٍ منخفض:

    " قل لي... هل حقا وقعتْ على درجات السلم ؟ "

    استغربتُ سؤاله و بدا لي و كأنه يشك في شيء فأجبتُ :

    " نعم... هذا ما حصل"

    قال الطبيب :

    " كيف ؟ "

    قلتُ :

    " لا أعرف فأنا لم أشاهد الحادث... و لكن لماذا تسأل ؟ "

    قال :

    " فقط أردتُ التأكد... فوجهها مكدوم بشكل يوحي إلى أنها تعرضتْ للضرب! و ربما يكون الأمر ليس مجرد حادث "

    أثار كلام الطبيب جنوني و غضبي فرددتُ منفعلا :

    " و هل تظن أننا ضربناها ثم رميناها من أعلى الدرج مثلا ؟ "

    لم يعقّب الطبيب فقلتُ :

    " وجهها متورم نتيجة شيء آخر لا علاقة له بالحادث "

    تبادل الطبيب و الممرضة النظرات ذات المغزى ثم طلب منها اصطحاب رغد إلى قسم الأشعة.

    و لأنني كنتُ هلعا على رغد عاودتُ سؤاله :

    " أرجوك أخبرني... هل تبين شيء بالفحص لا قدّر الله ؟ "

    رد صريحا :

    " لا أخفي عليك... يبدو أن الإصابة في الكاحل بالغة لحد ما... أشك في حدوث تمزق في الأربطة "

    ماذا ؟؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟؟ تمزّق ؟ كاحل ؟؟ رغد ... !!

    تابع الطبيب :

    " الظاهر أن قدمها قد التوتْ فجأة و بشدّة أثناء الوقوع... و لديها تورم و رض شديد في منطقة الساق... قد تكون ساقها تعرضت لضربة قوية بحافة العتبة... أما يدها اليمنى فأتوقع أنها كُسِرتْ "

    كسر؟؟ تمزق ؟؟ التواء؟؟ تورم؟؟ رض ؟؟ما كل هذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟
    شعرتُ بعتمة مفاجئة في عيني ّ و بالشلل في أعصابي... يبدو أنني كنتُ سأنهار لولا أن الطبيب أسندني و أقعدني على كرسي مجاور... وضعتُ يدي على رأسي شاعرا بصداع مباغت و فظيع... كأن أحد الشرايين قد انفجر في رأسي من هول ما سمعتُ...
    الطبيب ثرثر ببعض جمل مواسية لم أسمع منها شيئا... بقيتُ على هذه الحال حتى أقبلتْ الممرضات يجررن سرير رغد و يحملن معهن صور الأشعة...
    الطبيب أخذ الأفلام و راح يتأملها على المصباح الخاص... و ذهبتُ أنا قرب رغد حتى توارينا خلف الستار...
    الصغيرة كانت نائمة و بقايا الدمع مبللة رموشها... تمزق قلبي عليها و أمسكتُ بيدها اليسرى و ضغطتُ بقوّة...
    كلا يا رغد !
    لا تقولي أن هذا ما حدث؟ أنتِ بخير أليس كذلك؟؟ ربما أنا أحلم... ربما هو كابوس صنعه خوفي المستمر عليك و جنوني بك !
    رباه...
    بعد ثوان ٍ تركتُ رغد و ذهبتُ إلى حيث كان الطبيب مع مجموعة أخرى من الأطباء يتفحصون الأشعة و يتناقشون بشأنها. وقفتُ إلى جانبهم و كأني واحدٌ منهم... أصغي بكل اهتمام لكل كلمة تتفوه بها ألسنتهم، و لا أفقه منها شيئا...
    أخيرا التفتََ الطبيب ذاته إليّ فقلتُ بسرعة:

    " خير؟؟ طمئني أرجوك ؟ "

    قال الطبيب و هو يحاول تهوين الأمر:

    " كما توقعتُ... يوجد كسر في أحد عظام اليد اليمنى... و شرخ في أحد عظام الرجل اليسرى و هناك انزلاق في مفصل الكاحل سببه تمزق الأربطة "
    و لما رأى الطبيب الهلع يكتسح وجهي أكثر من ذي قبل، أمسك بكتفي و قال:

    " بقية الأشعة لم توضح شيئا... الإصابة فقط في اليد اليمنى و الرجل اليسرى، أما الكدمات الأخرى فهي سطحية "

    ازدرتُ ريقي واستجمعتُ شظايا قوتي و قلتُ غير مصدّق:

    " أنتً... متأكّد ؟ "

    قال :

    " نعم. جميعنا متفقون على هذا "

    و هو يشير إلى الأطباء ممن معنا...

    قلتُ و صوتي بالكاد يخرج من حنجرتي واهنا :

    " و... هل ... سيشفى كل ذلك ؟ "

    قال :

    " نعم إن شاء الله. لكن... ستلزمها عملية جراحية... و بعدها ستظل مجبّرة لبعض الوقت "
    صُعِقتُ !! لا ! مستحيل !
    عملية ؟؟ جبيرة ؟؟ أو كلا ! كلا !
    كدتُ أهتف ( كلا ) بانفعال... لكنني رفعتُ يدي إلى فمي أكتم الصرخة... قهرا...
    الطبيب أحس بمعاناتي و حاول تشجيعي و تهوين الأمر... لكن أي كارثة حلّتْ على قلبي يمكن تهوينها بالكلمات ؟؟

    قلتُ بلا صوت:

    " تقول ... عملية ؟ "

    رد مؤكدا :

    " نعم. ضرورية لإنقاذ الكسور من العواقب غير الحميدة "

    أغمضتُ عيني و تأوهتُ من أثر الصدمة... و قلبي فاقد السيطرة على ضرباته... و لما لاحظ الطبيب حالتي سألني بتعاطف :

    " هل أنت شقيقها ؟ "

    فرددتُ و أنا غير واع ٍ لما أقول:

    " نعم.. "

    قال :

    " و أين والدها ؟ "

    قلتُ :

    " أنا "

    تعجب الطبيب و سأل :

    " عفوا ؟ "

    قلتُ :

    " لقد مات... كلُهم ماتوا... أنا أبوها الآن... يا صغيرتي "

    و أحشائي تتمزق مرارة... أنا لا أصدق أن هذا قد حصل... رغد صغيرتي الحبيبة... مهجة قلبي و الروح التي تحركني... تخضع لعملية؟؟
    وقفتُ و سرتُ نحو سرير رغد بترنح... يظن الناظر إليّ أنني أنا من تحطمتْ عظامه و انزلقتْ مفاصله و تمزّقتْ أربطته و ما عاد بقادر على دعم هيكله...
    اقتربتُ منها... أمسكتُ بيدها اليسرى... شددتُ عليها... اعتصرني الألم... و اشتعلتْ النار في معدتي...و أذابتْ أحشائي...
    الطبيب لحق بي و أقبل إليّ يشجعني بكلمات لو تكررتْ ألف مرة ما فلحتْ في لمّ ذرتين من قلبي المبعثر...

    قال أخيرا :

    " علينا إتمام بعض الإجراءات الورقية اللازمة قبل أخذها لغرفة العمليات "

    الكلمة فطرتْ قلبي لنصفين و دهستْ كل ٍ على حدة...
    التفتُ إليه أخيرا و قلتُ متشبثا بالوهم:

    " ألا يمكن علاجها بشكل آخر؟؟ أرجوك... إنها صغيرة و لا تتحمّل أي شيء... كيف تخضع لعملية؟؟ لا تتحمل... "

    و كان الطبيب صبورا و متفهما و عاد يواسيني...

    " لا تقلق لهذا الحد... عالجنا إصابات مشابهة و شفيتْ بإذن الله... "

    لكن مواساته لم تخمد من حمم القلق شرارة واحدة.
    هنا أقبلتْ الممرضة تخاطبه قائلة :

    " أبلغنا أخصائي التخدير و غرفة العمليات جاهزة يا دكتور "

    الطبيب نظر إليّ و قال :

    " توكلنا على الله ؟ "

    نقلتُ بصري بينه و بين الممرضة ثم إلى رغد ...

    قلتُ :

    " صبرا... دعني استوعب ذلك... أنا مصدوم... "

    و أسندتُ رأسي إلى يدي محاولا التركيز.... ظلّ الطبيب و الممرضة واقفين بالجوار قليلا ثم تركاني لبعض الوقت، كي استوعب الموقف و أفكر... ثم عادا من جديد...

    قال الطبيب:

    " ماذا الآن؟ التأخير ليس من صالحها "

    ازدردتُ ريقي و أنا ألهث من القلق... ثمّ نظرتُ إلى رغد و قلتُ :

    " يجب أن تعرف ذلك أولا... "

    كنتُ لا أزال ممسكا بيدها، اقتربتُ منها أكثر و همستُ :

    " رغد "

    كررتُ ذلك بصوت ميّت... ولم تستجب، فضربتُ يدها بلطف و أنا مستمر في النداء...
    فتحتْ رغد عينيها و جالتْ فيما حولها و استقرتْ عليّ... كانت شبه نائمة من تأثير المخدر...

    قلتُ بلهفة :

    " صغيرتي..."

    و شددتُ على يدها... استجابتْ بأن نطقتْ باسمي

    قلتُ :

    " كيف تشعرين ؟ كيف الألم ؟؟ "

    قالتْ و هي بالكاد تستوعب سؤالي :

    " أفضل... أشعر به ... لكن أخف بكثير "

    قلتُ :

    " الحمد لله... سلامتكِ يا صغيرتي ألف سلامة... "

    قالتْ :

    " سلّمك الله... آه... أشعر بنعاس ٍ شديد جدا وليد... دعنا نعود للمنزل "

    لم أتمالك نفسي حينها و تأوهتُ بألم... آه يا صغيرتي... آه... رغد أحسّتْ بشيء... بدأتْ تستفيق و تدرك ما حولها

    قالت:

    " ما الأمر ؟؟ "

    لم أتكلّم ... فنظرتْ نحو الطبيب و الممرضة و اللذين قالا بصوت واحد:

    " حمدا لله على السلامة "

    ثم تقدّم الطبيب نحوها و بلطف حرّك يدها المصابة و قد زاد تورمها و احمرارها فأنتْ رغد.

    قال :

    " ألا زالتْ تؤلمك ؟ "

    أجابتْ :

    " نعم. لكن أخف بكثير من ذي قبل "

    قال :

    " هذا من تأثير المسكن القوي و لكن الألم سيعود أقوى ما لم نعالجها عاجلا. انظري... لقد تفاقم التورم بسرعة "

    رغد نظرتْ إلى يدها ثم إليّ بتساؤل... و لم أعرف بم أجيب و لا كيف أجيب...

    " وليد ؟؟ "

    ترددتُ ثم قلتُ :

    " يبدو...أن الإصابة جدية يا رغد... يقول الطبيب أن لديك كسور و أنكِ بحاجة إلى جراحة "

    و لو رأيتم مقدار الذعر الذي اكتسح وجه رغد... آه لو رأيتم !!
    جفلتْ جفول الموتى... ثم سحبتْ يدها من بين أصابعي و وضعتها على صدرها هلعا... و كتمتْ أنفاسها قليلا ثم صاحتْ :

    " ماذا !!؟؟ "

    حاولتُ تهدئتها و أنا الأحوج لمن يهدئني... كانت ردة فعلها الأولى مزيجا من الذعر... و الفزع... و الخوف... و الارتجاف... و النحيب... و الرفض... والبكاء...
    و انفعالات يعجز قلب وليد عن تحمّلها و شرحها...
    و كانتْ مشوشة التركيز و التفكير بسبب الدواء المخدر و لا أدري إن كانتْ قد استوعبتْ بالفعل الخبر و ما إذا كانتْ تقصد بإرادة ردود فعلها تلك، أم أن الأمر كان وهما صنعه المخدر...؟؟

    بعد أن هدأتْ قليلا و أنا ما أزال قربها أكرر:

    " ستكونين بخير...لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير بإذن الله"

    قالتْ و هي ممسكة بيدي :

    " وليد أرجوك.. لا تتركني وحدي "

    قلتُ مؤكدا بسرعة :

    " أبدا صغيرتي... سأبقى معكِ طوال الوقت و لن أبتعد عن باب غرفة العمليات مترا واحدا... اطمئني"

    نظرتْ رغد إليّ بتوسل... فكررتُ كلامي مؤكدا... حينها قالتْ :

    " هل نحن في الحقيقة؟؟ هل يحصل هذا فعلا؟؟ هل أنا مصابة و في المستشفى؟؟ "

    قلتُ بأسى :

    " نعم لكن هوّني عليك يا رغد بالله عليك... قطّعتِ نياط قلبي...أرجوكِ يكفي... الحمد لله على كل حال ... بلاء من الله يا صغيرتي... لا تجزعي..."

    ابتلعتْ رغد آخر صيحاتها و حبستْ دموعها و بدأتْ تتنفس بعمق و استسلام...
    و بعد قليل نظرتْ إليّ و قالتْ :

    " أشعر بنعاس شديد... ماذا حصل لي؟؟ عندما أصحو لا أريد أن أذكر من هذا الكابوس شيئا... أرجوك وليد "

    وأغمضتْ عينيها و غابتْ عن الوعي مباشرة...
    ناديتها بضع مرات فلم تجبْ... نظرتُ إلى الطبيب فأشار بإصبعه إلى المصل المغذي... ثم قال:

    " علينا الاستعجال الآن... "

    و بهذا ذهبتُ مفوضا أمري إلى الله و أتممتُ الإجراءات المطلوبة و من ثم تم نقل رغد إلى غرفة العمليات...
    بقيتُ واقفا على مقربة التهم الهواء في صدري التهاما...علّه يخمد الحريق المتأجج فيه...
    لم يكن معي هاتف و لم أشأ الابتعاد خطوة أخرى عن موقع رغد... وظللتُ في انتظار خروجها أذرع الممر ذهابا و جيئا و أنا أسير على الجمر المتقد... و لساني لا ينقطع عن التوسل إلى الله... إلى أن انتهتْ العملية بعد فترة و رأيتهم يخرجون السرير المتحرك إلى الممر...
    لم يكن الطبيب موجودا فلحقتُ بسرعة بالممرضات اللواتي كنّ يقدن السرير و ألقيتُ نظرة متفحصة على وجه رغد...
    كانت هناك قبعة زرقاء شبه شفافة تغطي شعرها و قارورتان من المصل الوريدي علّقتا على جانبيها تقطران السائل إلى جسمها...
    اقتربتُ منها و أنا أنادي باسمها ففتحتْ عينيها و لا أدري إن كانت رأتني أم لا... ثم أغمضتهما و نامتْ بسلام...
    سحبتُ الغطاء حتى غطيتُ رأسها كاملا... و سرتُ معها جنبا إلى جنب إلى أن أوصلتها الممرضات إلى إحدى الغرف... و هناك ساعدتُهن في رفعها إلى السرير الأبيض... و فيما نحن نحملها شاهدتُ الجبيرة تلف يدها و رجلها فكدتُ أصاب بالإغماء من مرارة المنظر...
    شعرتُ بتعب شديد... و كأنني حملتُ جبلا حديديا على ذراعي لعشر سنين... و تهالكتُ بسرعة على حافة السرير قرب رغد...
    و عندما همّتْ إحداهن بتغيير الغطاء أشرتُ إليها بألا تفعل... و طلبتُ منها أن تلف رأس رغد بوشاحها الأسود...

    " متى ستصحو ؟ "

    سألتُ بصوت ٍ متبعثر... فأجبنني :

    " عما قريب. لا تقلق. من الخير لها أن تبقى نائمة "

    سألتُ :

    " و أين الطيب ؟ "

    أجابتْ إحداهن :

    " سيجري عملية طارئة لمريض آخر الآن "

    بقيتْ إحدى الممرضات تفحص العلامات الحيوية لرغد و تدون ملاحظاتها لبضع دقائق ثم لحقتْ بزميلتيها خارج الغرفة...

    في هذه اللحظة، أنا و صغيرتي نجلس على السرير الأبيض... هي غائبة عن الوعي... و أنا غائب عن الروح... لا أحسّ بأي شيء مما حولي... إلا بصلابة الجبيرة التي أمد إليها بيدي أتحسسها غير مصدّق... لوجودها حول يد طفلتي الحبيبة....
    لا شيء تمنيته تلك الساعة أكثر من أن يوقظني أحدكم بسرعة و يخبرني بأنه كان مجرد كابوس...
    تلفتُ يمنة و يسرة... ربما بحثا عن أحدكم... و لم يكن من حولي أحد...
    لمحتُ هاتفا موضوعا على مقربة... و اشتغلتُ بعض خلايا دماغي المشلولة فأوحتْ إليّ بالاتصال بالمنزل...
    وقفتُ و تحركتُ و أنا أجوف من الروح... لا أعرف ما الذي يحركني؟ لا أشعر بأطرافي و لا أحس بثقلي على الأرض... و لا أدري أي ذاكرة تلك التي ذكرتني برقم هاتف منزلي!
    ظل الهاتف يرن فترة من الزمن... قبل أن أسمع أخيرا صوت أروى تجيب

    " وليد ! أخيرا اتصلت َ؟ أخبرني أين أنتما و كيف حالكما و ماذا عن رغد ؟؟ "

    عندما سمعتُ اسم رغد لم أتمالك نفسي...
    أجبتُ بانهيار و بصري مركز على رغد :

    " أجروا لها عملية... إنها ملفوفة بالجبائر... آه يا صغيرتي... منظرها يذيب الحجر... يا إلهي... "

    و أبعدتُ السماعة ... لم أشأ أن تسمع أروى ما زفره صدري...

    ثم قربتها و قلتُ :

    " سأتصل حينما تستفيق... نحن في مستشفى الساحل... ادعي الله لأجلها معي "

    و أنهيتُ المكالمة القصيرة و عدتُ إلى رغد...
    و لا زلتُ لله داعيا متضرعا حتى رأيتُ رغد تتحرك و تفتح عينيها ! تهلل وجهي و اقتربتُ منها أكثر و ناديتها بشغف :

    " رغد... صغيرتي... "

    و أضفتُ :

    " حمدا لله على سلامتك ِ أيتها الغالية... الحمد لله "

    رغد رفعتْ رأسها قليلا و نظرتْ نحو يدها و سألتْ :

    " هل... أجروا لي العملية ؟ "

    و قبل أن أجيب كانت قد حركتْ ذراعها الأيمن حتى صارتْ يدها أمام عينيها مباشرة... تحسستْ الجبيرة الصلبة باليد الأخرى... ثم نظرتْ إليّ ...
    ثم حاولتْ تحريك رجلها و علامات الفزع على وجهها... ثم سحبتْ اللحاف قليلا لتكشف عن قدمها المصابة و تحدق بها قليلا... و تعود لتنظر إليّ مجددا:

    " لا استطيع تحريك رجلي ! وليد... هل أصبتُ بالشلل ؟ أوه لا.... "

    إلى هنا و لا استطيع أن أتابع الوصف لكم... عما حلّ بالصغيرة آنذاك...
    لقد سبب وجودنا إرباكا شديدا في القسم... و خصوصا للممرضات اللواتي على رؤوسهن وقعتْ مهمة تهدئة هذه الفتاة الفزعة و رفع معنوياتها المحطمة...

    كان صراخها يعلو رغم ضعف بدنها... و كل صرخة و كل آهة و كل أنة... أطلقتها رغد... اخترقت قلبي قبل أن تصفع جدران الغرفة...

    بجنون ما مثله جنون... تشبثتْ بي و هي تصرخ:

    " أريد أمي "

    ربما لم تكن رغد تعي ما تقول بفعل المهدئات... أو ربما... الفزع أودى بعقلها... أو ربما يكون الشلل قد أصاب رجلها فعلا...!!
    عندما أتى الطبيب و أعطاها دواء ً مخدرا... بدأتْ تستسلم و هي تئن بين يديّ...
    الطبيب أكد مرارا و تكرارا أن شيئا لم يصب العصب و أن الأمر لا يتعدى تأثير البنج المؤقت... و أن ردة فعلها هذه شيء مألوف من بعض المرضى... لكن كلامه لم يمنحني ما يكفي من الطمأنينة...

    التفتُ إلى رغد التي كانتْ متمسكة بي بيدها اليسرى تطلب الدعم النفسي:

    " لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير... ألم تسمعي ما قال الطبيب ؟؟ إنها أزمة مؤقتة و ستستعيدين كامل صحتك و تعودين للحركة و للمشي طبيعيا كما في السابق..."

    رفعتْ رغد بصرها إليّ و قالتْ و هي تفقد جزء ً من وعيها:

    " هل ... سأصبح معاقة و عرجاء ؟ "

    هززتُ رأسي و قلتُ فورا:

    " كلا يا رغد... من قال ذلك ؟؟ لا تفكري هكذا أرجوك "

    قالتْ :

    " لكن كاحلي تمزّق... و عظامي انكسرت ! ربما لن أستعيدها ثانية! ماذا سيحل بي إن فقدتُهما للأبد؟ ألا يكفي ما فقدتُ يا وليد؟ ألا يكفي؟؟ "

    قلتُ منفعلا :

    " لا تقولي هذا... فداكِ كاحلي و عظامي و كل جسمي و روحي يا رغد ! ليتني أصِبتُ عوضا عنكِ يا صغيرتي الحبيبة "

    أمسكتُ برأسها.... كنتُ أوشك على أن أضمه إليّ بقوة... و جنون... نظرتُ إلى عينيها... فرأيتهما تدوران للأعلى و ينسدل جفناها العلويان ليغطياهما ببطء... بينما يظل فوها مفتوحا و آخر كلامها معلقا على طرف لسانها..
    .
    .
    .
    يتبع ،،
    هَمَيَ ذبَحَنَيَ وًّأنَتَ مَاَ تَرَحَمَ اَلَحَاَلَ

    أقَوًّلَكَ مَهَمَوًّمَ تَقَوًّلَ اَلَلَهَ يَعَيَنَك ،،

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الحقوق محفوظة للسبلة العمانية 2020
  • أستضافة وتصميم الشروق للأستضافة ش.م.م