قائمة المستخدمين المشار إليهم

النتائج 1 إلى 10 من 111

الموضوع: أنـــت لـــي ،، (مؤلمــــــــــــــه)

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    متذوق وكاتب قصص وروايات بالسبلة العُمانية الصورة الرمزية القيصـــــر
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,965
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة روح الحلا1 مشاهدة المشاركة
    واصل استاذي متابعين للنهاية..
    يسلمووووو أسعدني مرورك ،،
    هَمَيَ ذبَحَنَيَ وًّأنَتَ مَاَ تَرَحَمَ اَلَحَاَلَ

    أقَوًّلَكَ مَهَمَوًّمَ تَقَوًّلَ اَلَلَهَ يَعَيَنَك ،،

  2. #2
    متذوق وكاتب قصص وروايات بالسبلة العُمانية الصورة الرمزية القيصـــــر
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,965
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    تكملة الجزء السابق

    ابتسمت رغد ابتسامة رضا وامتنان...
    وفارقتها تلك الليلة والبسمة ملتصقة بوجهها...
    ذهبت إلى البيت ليلا... وكان أمامي فتاة أخرى أنتظر أن تلتصق ابتسامة ما بوجهها هي الأخرى!
    بعد أن أوصلت الخالة إلى المستشفى دخلت إلى مكتبي, فإذا بأروى توافيني بعد دقيقة...
    كان جليا على وجهها أنها ترغب في الحديث معي... طلبت منها أن تجلس...
    وجلست على المقعد المجاور لها... انتظرت حديثها... ومرت بضع ثوان وبعض التردد مسيطر عليها ثم نطقت أخيرا:
    "هل اشتريت التذاكر؟"
    تنهدت باستياء... فقد كانت فكرة السفر هي آخر ما أنتظر الحديث عنه...
    ونحن في مثل هذه الظروف... ثم قلت:
    "ليس بعد".
    فقالت أروى متشككة:
    "لكنك لم تنس أمرها أليس كذلك؟"
    نظرت إلي نظرة مركزة فأجبتها:
    "لا لم أنس... ولكن... دعي رغد تخرج من المستشفى أولا على الأقل".
    ومررت أصابعي في شعري وزفرت بضيق...
    إشارة مني إلى أنه ليس بالوقت المناسب لحديث كهذا...
    راقبتني أروى قليلا وربما لم تفهم إشارتي وسألتني:
    "تبدو قلقا جدا... هل ابنة عمك بخير؟"
    انقبضت عضلات فكي لدى سماع سؤالها ثم أرخيتها وأجبت:
    "نعم".
    فإذا بأروى تقول مدافعة:
    "وليد... اسمعني... أنا لم أدفع بها من أعلى السلم".
    حدقت بها مستغربا... ثم أطلقت بصري للفراغ وقلت:
    "أعرف".
    فصمتت أروى ثم قالت:
    "كنت أظن أنك فهمت شيئا خطأ... ماحصل هو أننا تشاجرنا وانثنينا لالتقاط شيء من على العتبات فانزلقت قدم رغد وأمسكت بي فوقعنا سوية".
    أثارت جملتها اهتمامي... فأنا حتى الآن لا أعرف تفاصيل ما حصل وتحاشيت سؤال رغد ومن سؤال أروى...
    التفت إليها وقلت باهتمام:
    "ولأجل ماذا تشاجرتما؟؟"
    التزمت أروى جانب الصمت ثم سألتني:
    "ألم تخبرك؟"
    أجبت:
    "لم أسألها... ولن أفعل على الأقل في الوقت الراهن...
    لا أريد أن تنفعل بشكل أو بآخر... أريد أن تتحسن نفسيتها قبل أي شيء... لكن أخبريني أنتِ؟"
    ترددت أروى ثم عقدت العزم وقالت:
    "إنه هاتفك".
    استغربت:
    "عفواً؟؟!"
    فتابعت أروى:
    "أنت نسيته في مكتبك... وكان يرن... وأرادت هي حمله إليك فطلبت منها إعطائي إياه فرفضت وأصرت على حمله إليك بنفسها...
    كنا على الدرج... وحينما حاولت أخذه منها وقع على العتبات..."
    وتوقفت. صمت لحظة أستوعب فيها ما قيل... ثم سألت:
    "ثم ماذا؟؟"
    فتابعت:
    "أردنا إلتقاطه فوقعنا..."
    قلت:
    "أهذا كل شيء!؟"
    غير مصدق... أن يكون سبب حادث فظيع ومؤلم هو شيء بهذه التفاهة...
    ولما رأيت أروى تومىء برأسها (نعم) تملكني الغضب...
    قلت تلقائيا:
    "هكذا إذن... أردت نزع الهاتف من يدها فكسرتها".
    اندهشت أروى من تعقيبي وقالت:
    "قلت لك إنه وقع للأسفل وأردنا التقاطه".
    وقفت مستاءً وقلت:
    " أنا لم أنسه في المكتب أصلاً... بل أنا من أعطاها إياه تلك الليلة ولم يكن هناك داعٍ لأن تتدخلي لاستعادته".
    عبس وجه أروى وقالت مستنكرة:
    "وليد! لقد كنتَ نائما في غرفتك... أردت إعادته إليك ليوقظك وقت الصلاة كالمعتاد... وهي أرادت أن تفعل هذا بنفسها".
    قلت بشيء من العصبية:
    "ولماذا اعترضتها؟؟ أمن أجل شيء بهذه التفاهة تتسببان بحادث بهذا الحجم؟؟
    لقد تكسرت عظامها وها هي طريحة الفراش كالمعاقة... كنت أعتقد أن شجاركما قام على أمر شأنا...
    تقولين من أجل هاتف؟؟! ألا تخفين عني شيئا أكبر يا أروى؟؟"
    هنا وقفت أروى بانفعال وهتفت بغضب:
    ليس من أجل الهاتف... وأنا ليس لدي ما أخفيه عنك, مثلما تفعل أنت...
    ولا أسمح بأن تتجاوز هي حدودها... كيف كنت تتوقع مني أن أتصرف؟؟ أأتركها تذهب إليك وأنا واقفة أتفرج؟؟
    هل نسيت إنني أنا زوجتك وأقرب الناس إليك وليست هي".
    اندهشت... فتحت فمي لأنطق مستنكرا:
    "أروى"
    غير أنها لم تدعني أتم جملتي بل قاطعتني مباشرة وبانفعال:
    "ماذا يا وليد؟ ماذا؟؟ ما الذي ستجرؤ على قوله الآن؟؟ إنني أنا زوجتك لا هي...
    وأنا من يحق لها الاقتراب منك ومن خصوصياتك... لا هي...
    أنا من يجب أن تضعها في اعتبارك الأول... ومن يجب أن تصرف عليها عواطفك وحبك... لا هي
    وليد... إنني لا أحظى بعلاقة أكثر دفئا وعاطفة منها... وطوال تلك الشهور وأنا أفسر مواقفك بأنها من باب المسؤولية والأمانة...
    وأتقبلها وبسعة صدر بل وبإعجاب... والآن... أكتشف أن الحقيقة قد تخطت ذلك...
    إنك تحبها هي... ألست كذلك يا وليد؟؟"
    حملقت في أروى في دهشة من كلامها... وعجز عن الرد...
    وإذا بها تهتف في وجهي مستمرة بانفعال:
    "لماذا لا ترد؟ أي حقائق تخفي عني بعد يا وليد؟؟ ماذا سأكتشف عنك أيضا؟؟
    لماذا أتيت إلى مزرعتي أصلا؟؟ لماذا ظرت في حياتي؟؟ لماذا تزوجتني؟؟"
    صعقني كلام أروى فانفضت يداي ثم إذا بهما تطبقان على ذراعيها وإذا بي أهتف بعصبية:
    "أروى... هل فقدت صوابك؟؟"
    أروى دفعت بيدي بعيدا عنها وهي تقول:
    "اتركني... لماذا تزوجتني إن كنت تحبها هي؟؟ ماذا تخفي عني بعد؟؟
    ما الذي تخططان له من خلفي؟؟...
    ماذا... ماذا كنتما تفعلان عند النافذة؟؟قل".
    قلت مستاءً:
    "أي نافذة وأي هذيان؟؟"
    قالت مندفعة وهي تشير بيدها إلى نافذة الغرفة:
    "هنا... ضحكاتك كانت تحترق الأبواب... وأراكما واقفين جنبا إلى جنب عند النافذة والأضواء مطفأة...
    هل كنتما تتبادلان كلمات الحب وتضحكان علي؟؟"
    وفهمت أنها تعني يوم الجمعة الماضي... عندما وقفت رغد تستمع للأذان عند النافذة في غرفة مكتبي وقدمت إلى جوارها...
    لم أتحمل جنونها الفظيع هذا... فقبضت على يدها بشدة وهتفت في وجهها:
    "حسبك... تماديت يا أروى؟؟ هل جننت؟؟"
    فصرخت:
    "وكيف تريد مني ألا أجن وأنا أكتشف أن زوجي خائن...؟؟
    يظهر النبالة والشهامة مع ابنة عمه بينما في الخفاء يتبادلان الحب والصور ويستغفلاني؟؟"
    هنا فقدت السيطرة على أعصابي وضغطت على يدها بقوة أوشكت معها على عصرها في قبضتي...
    وصرخت وأنا أعض على أسناني:
    " إياك... إياك أن تكرري الكلمة ثانية... أتسمعين؟؟
    وإياك... ثم إياك... أن تقحمي رغد في هذا... لا علاقة لها بشي... فهمت؟؟
    ولا أسمح بأن تتحدثي عنها هكذا... ولا تجعلي أفكاركِ تقودكِ إلى الجحيم..."
    وتابعت:
    "أكون خائنا لو كنت عرفتها بعد زواجي منك... لكن... لكن حبهها نشأ في صدري منذ طفولتي... ولا أسمح... بأن تصفيه بالخيانة...
    إنه أكبر من أن... تفهميه... أو يفهمه أي أحد... وسواءً عرفت أو لم تعرفي...
    وأعجبك أو لم يعجبك... فإن شيئا لن يتغير... وما في قلبي سأحمله إلى قبري...
    وأنا أتحمل أي شيء في هذه الدنيا... أي شيء... إلا أن يصيب صغيرتي الأذى أو الإساءة...
    بأي شكل... ومن أي شخص... مهما كان... أعرفت هذا الآن؟؟"
    وأطلقت سراح يدها وابتعدت عنها وسددت ركلة عشوائية إلى المقعد...
    أروى بقيت تنظر إلي برهة... ثم تصم أذنيها وكأنها تريد أن تحول دون تكرر
    صدى كلامي بينهما...
    ثم إذا بها تهتف:
    "كيف... أمكنك... فعل هذا بي!؟"
    ثم تهرول بسرعة خارجة من الغرفة...
    بقيت واقفا على النار وجبت في الغرقة بضع خطوات عشوائية حتى استقررت أخيرا
    على مقعدي خلف المكتب...
    ركزت مرفقي على طاولة المكتب وأسندت رأسي على كفي بمرارة...
    ما الذي فعلته؟؟
    ما الذي قلته؟؟
    ما الذي أصابك يا وليد؟؟ وما الذي ينتظرك؟؟
    درت في دوامة الأفكار حتى داهمني الدوار والغثيان وشعرت بألم حاد في معدتي...
    رفعت رأسي عن كفي وهممت بالتفتيش عن أقراص المعدة التي أتناولها عند الحاجة والتي أضع بعضها في أدراج مكتبي...
    لفت انتباهي وجود مجموعة من الأوراق على المكتب, يعلوها قلم رصاص...
    تركت يدي الدرج واتجهت إلى الأوراق عفويا... أزحت القلم ورأيت الورقة الأولى بيضاء خالية إلا من تجعيد خفيف...
    تصفحت ما يليها... ودهشت لما رأيت...!!
    أتعرفون ماذا رأيت؟؟
    شيئا سيدهشكم مثلي ويلقي بكم في بئر الحيرة...
    على تلك الأوراق كانت هناك صور مرسومة بقلم الرصاص...
    لوجه شخص مألوف جدا... كان ينظر إلى إحدى النواحي وقد على وجهه تعبير القلق...
    ملامحه كانت مرسومة بدقة عجيبة وكأنها خرجت من أصل الواقع مباشرة... وأكثر ما يثير الدهشة...
    هو وجود انكسار بسيط على أنفه الطويل... مشابه تماما للانكسار الذي يعلو أنفي أنا!
    قلبت الورقة بعد الأخرى... والدماء تتصاعد إلى وجهي... والدهشة تملأ عيني...
    كان وجهي أنا... مرسوما على أكثر من ورقة... رسما هيكليا بسيطا وغير مكتمل... بقلم الرصاص...
    هذه رسمات رغد...
    تذكرت... إنني في ليلة الحادث, كنت قد تركتها في مكتبي مع هاتفي... لتنقل الصور التي التقطناها في النزهة إلى الحاسوب...
    الصور... الهاتف... الحاسوب...!
    أخذت أفتش في هاتفي وحاسوبي عن تلك الصور... لم أعثر عليها في الهاتف...
    لكنني وجدتها في الحاسوب...
    أتدرون ماذا وجدت بين الصور؟؟
    صورة لي!
    صورة وأنا أنظر إلى البحر... وعلى وجهي أمارات القلق...
    مطابقا تماما لتلك التي وجدتها مرسومة على الورق...
    رغد...
    رغد...
    آه... يا حبيبتي...





    ********************

    اليوم سأجرب السير على عكازي...
    الطبيب والنعالجة الطبيعية والممرضة والسيدة ليندا جميعهم يقفون إلى جانبي وأنا أحاول النهوض مستندة على العكاز...
    أخصائية العلاج الطبيعي أجرت لرجلي تمارين تحريك بسيطة قبل قليل, وشرحت لي وللسيدة لينداكيفيتها... كانت سهلة ولكنها هيجت بعض الألم في قدمي ولذلك أنا متخوفة من استخدام العكاز...
    الطبيب كان يكرر عبارات التشجيع... ويطمئنني بأن رجلي بخير...
    لكنني قلقة وخاشية أن أصيب رجلي بالعرج... وأنتهي عرجاء... تثير شفقة الآخرين...
    ولأن إصابتي شملت يدي اليمنى أيضا فإن استخدام العكاز لم يكن بالأمر السهل...
    ولاقيت صعوبة في تثبيته والارتكاز عليه...
    المحاولات الأولى لم تككن ناجحة ولم تثر في نفسي إلا القلق والكآبة...
    وفيما أنا أخطو خطواتي البطيئة الثقيلة تعثرت بعباءتي وكدت أنزلق لولا أن تداركتني أيدي من حولي.
    "لا أريد أن أستخدم هذا".
    قلت بذلك بغيظ مشيرة إلى العكاز... شاعرة بنفور منه ورفض كلي لاستخدامه...
    اخصائية العلاج الطبيعي حاولت تشجيعي وحثي على إعادة المحاولة...
    كانوا جميعا مسترسلين في تحريضهم لي على السير وتصوير الأمر بالمهمة السهلة فيما هي شاقة بدنيا ونفسيا...
    "لا أستطيع".
    صرحت... فعقبوا جميعا:
    "بلى تستطيعين... هيا حاولي مجددا... ستنجحين هذه المرة".
    أخيرا وافقت كارهة على المحاولة وسرت خطوتين أجر فيهما رجلي من خلفي وأكاد أتعثر بملابسي...
    "هيا... أحسنت... واصلي..."
    يشجعوني وأنا أكاد أنهار من التوتر...
    هنا سمعت طرقا على الباب والذي كان نصف مغلق وجاء صوت وليد يحييّ.
    ثم رأيته يدخل الغرفة وينظر إلينا... كان يحمل حاسوبه المحمول وكيساً ما.
    عندما نظر إلي هتفت مستنجدة:
    "وليد..."
    وألقيت بالعكاز جانبا ومددت يدي إليه... طالبة الدعم...
    وليد وضع ما كان في يده جانبا وأسرع نحوي وما إن بلغني حتى ألقيت بثقل جسدي عليه
    هو بدلا من العكاز وأنا أقول:
    "لا أستطيع... لا أريد أن أمشي بالعكاز.. لا أريد".
    ربت وليد على يدي المجبرة وقال:
    "اهدئي رغد... ماذا حصل؟؟"
    قلت مستغيثة:
    "قل لهم ألا يضغطوا علي... لا أريد هذا العكاز...
    قدمي تؤلمني... لن أستخدمه ثانية... أرجوك أخرجني من هنا".
    تنقل وليد ببصره على الطاقم الطبي وقال مخاطبا الطبيب:
    "ما الأمر يا دكتور؟"
    الطبيب أجاب:
    "لا شيء. إتها خائفة من استخدام العكاز ونحن نحاول تشجيعها".
    أبدى وليد تعبيرات الضيق على وجهه وقال:
    "لكننا لم نتفق على هذا".
    استغرب الطبيب وسأل:
    "على ماذا؟"
    رد وليد:
    "على بدء التمارين... لا أحب أن تقرروا شيئا دون إبلاغي...
    ولا أقبل أن تضغطوا على الفتاة في شيء".
    نظر الطبيب وأخصائية العلاج الطبيعي إلى بعضهما البعض, نظرات ذات مغزى,
    ثم التقطت الأخيرة العكاز الملقي على الأرض وقالت:
    "حسنا... سنحاول مع العكاز لاحقا... لكن يجب الاستمرار على تمارين الرجل".
    التفت وليد إلي وقال:
    "سنعود إلى السرير".
    وسرت متعمدة عليه إلى أن جلست باسترخاء على سريري...
    "كيف تشعرين؟"
    سألني وليد فأجبت منفعلة:
    "أنا لن أمشي بهذا العكاز... إما أن أسير على قدمي كالسابق أو سأبقى في سريري للأبد".
    وليد رد:
    "هوني عليكِ..."
    كتمت خوفي وصمت...
    غادر الطاقم الطبي وتبعهما وليد ثم عاد بعد بضع دقائق... ابتسم وقال:
    "أحضرت لك بعض المجلات لتطلعي عليها".
    وقرب إلي الكيس الذي أحضره معه...
    نظرة إله بامتنان وقلت:
    "ولكن يا وليد أنا أريد الخروج من هنا... دعنا نعود للبيت".
    وليد ارتسم بعض القلق على وجهه ثم قال:
    " من الأفضل أن تبقي لأيام أخرى بعد... ريثما تتحسن إصابتك وتتدربين على السير على العكاز أكثر".
    قلت:
    "لن أحاول ثانية".
    بدأ القلق يتفاقم على وجه وليد فقلت:
    "أرجوك... أنا لا أريد البقاء هنا".
    السيدة ليندا تدخلت قائلة:
    "شرحت لنا أخصائية العلاج الطبيعي كيفية التمارين وسأتولى العناية بها في المنزل...
    فإذا كان الطبيب يوافق فمن الخير لنا المغادرة يا بني".
    وليد لم يظهر تأييدا ولا أعرف لم يريد لي البقاء في المستشفى أكثر...
    رغم الإرباك الذي سببه الأمر في عمله وفي وضعنا بشكل عام...
    إضافة إلى تكاليف المستشفى الباهضة...
    قال:
    "لثلاثة أيام أخرى على الأقل".
    وكان الإصرار مغلفا بالرجاء ينبع من عينيه... فقلت باستلام:
    "ثلاثة فقط".
    ابتسم وليد ثم التفت إلى السيدة ليندا وخاطبها:
    "هيا بنا الآن إلى المنزل ياخالتي... وكان الله في عونك هذه الليلة أيضا".
    وكالعادة بعد اصطحابها للمنزل عاد وليد وبقى برفقتي طوال ساعات الزيارة...
    وكان يشغل نفسه بانجاز أعماله في حاسوبه الخاص, بينما كنت أنا أتصفح المجلات التي جلبها لي وبين لحظة وأخرى ألقي نظرة على الساعة...
    النهار غدا طويلا... وشعرت بالملل... وراودتني فكرة الاتصال بنهلة والتي لم أهاتفها منذ أيام ولم أعلمها عما حصل معي...
    "وليد".
    ناديته وقد كان مركزا في الشاشة فالتفت إلي:
    "نعم؟"
    قلت:
    "من فضلك هلا ناولتني الهاتف؟"
    وأشرت إلى المنضدة المجاورة حيث كان الهاتف موضوعا على الوصول إليه.
    أقبل وليد وناولني الهاتف وسألني عفويا:
    "بمن ستتصلين؟"
    أجبت:
    "ببيت خالتي".
    وليد أمسك بالهاتف وأبعده عني... نظرت إليه باستغراب فرد على استغرابي بسؤال:
    "هل سبق وأن أخبرتيهم؟"
    أجبت:
    "لا".
    وليد أعاد الهاتف إلى المنضدة وقال:
    "جيد. لا داعي لأن تقلقيهم الآن".
    تعجبت وسألت:
    "ألا تريد مني الاتصال بهم؟"
    قال:
    "أرجوك لاتفعلي رغد".
    ازداد عجبي وسألت:
    "لماذا؟؟"
    وليد شد على قبضتيه وعلاه التوتر ثم قال:
    "تعرفين... إن ذلك سيسبب لهم القلق وأنت لا تزالين في المستشفى... الحمدلله أنك بخير ولا داعي لإشغال بالهم عليك".
    إنني أوافي نهلة بتفاصيل سخيفة عن حياتي اليومية فهل يعقل ألا أخبرها عن حادثة كهذه؟
    قلت:
    "سأطمئنهم إلى أنني بخير وسأغادر قريبا".
    وليد حرك رأسه اعتراضا.
    قلت:
    "لكن..."
    وتكلم وليد بنبرة شديدة الرجاء:
    "أرجوك يا رغد... لا تخبريهم بشيء... أرجوك".
    ورغم أنني لم أفهم موقف وليد غير أنني أذعنت لطلبه ولم أتصل بعائلة خالتي ولم أطلعهم على شيء مما حصل إلى أن التقينا فيما بعد...
    ومضت الأيام الأخيرة... وأخيرا غادرت المستشفى...
    كاد وليد قد أعد إحدى غرف الطابق السفلي لأقيم فيها مؤقتا...
    ولأن منزلنا كبير وموحش ومليء بالعتبات والدرجات, فقد اختار لي أقرب غرفة إلى المطبخ وإلى غرفة المعيشة السفلية والتي استقلها هو بدوره للمبيت قريبا مني.
    كنتقد تدربت على السير بالعكاز مضطرة... المهمة شاقة وتحركي بطيء وثقيل... لكنني عدمت حلا آخر...
    أخذت أتنقل بالعكاز في غرفة نومي وفي الجوار بحذر ومشقة وغالبا ما أعتمد على الآخرين لجلب الأشياء إلي.
    وليد والسيدة ليندا والخادمة تناوبوا على رعايتي وملازمتي معظم الأوقات.
    أما الدخيلة الشقراء فلم أر وجهها الملون مُذ زارتني في المستشفى بعد الحادث...
    وليد أصر على إقامة حفلة عشاء صغيرة دعونا إليها المقربين احتفالا بخروجي من المستشفى.
    الفكرة لم تعجبني لأنني بالتأكيد سأضطر لمجالسة الشقراء مع الضيوف. لكنني رضخت للأمر من أجل وليد.
    ما كان أطيبه وأكرمه... طوال فترة بقائي في المستشفى...
    أول ضيفة وصلت كانت صديقتي مرح مع والدتها وشقيقتيها وقد استقبلتهن السيدة ليندا وقادتهن إلى غرفة الضيوف حيث أجلس.
    أمطرتني الثلاث بالتحيات والتهنئات على خروجي من المستشفى وأهدينني سلة حلويات رائعة.
    "ولكن أين هي السيدة أروى؟ نتوق للتعرف إليها".
    قالت ذلك مرح بكل عفوية وهي تجهل أن مجرد ذكر اسم هذه الدخيلة يثير غيضي...
    السيدة ليندا ردت مبتسمة:
    "إنها في الجوار... سوف أستدعيها".
    وذهبت لاستدعائها.
    مرح قالت مازحة:
    "أتحرق شوقا لرؤية مالكة المصنع وصاحبة الملايين! يقول أبي أنها كانت تعيش في مزرعة حياة عادية!"
    أم عارف- والدة مرح- زجرت مرح على تعليقها ولكن مرح ابتسمت وقالت:
    "هيا أمي! هذه رغد صديقتي المقربة وهي تعرف أنني أحب المزاح! ألا تبدو حكاية السيدة أروى أشبه بالأساطير؟؟"
    لحظات وإذا بالشقراء تهل علينا...
    قامت الثلاث وحيينها بحرارة وعبرن عن سرورهن الشديد بالتعرف إليها ولهفتهن المسبقة للقائها...
    وكان جليا عليهن الانبهار بها... نعم فهي جميلة بدرجة آسرة للنظر وقد تزينت هذه الأمسية بشكل متقن جدا...
    إنني أمهر منها في فن المساحيق والألوان... لكني الآن قابعة في مكاني بجبيرتي وعكازي...
    وبدون أي زينة... ولا أثير سوى شفقة الأخرين...
    بمجرد حلولها, سرقت الشقراء كل الأضواء بعيدا عني... أنا من كان يفترض أن تكون هذه الحفلة قد أقيمت من أجلها!
    وعندما أتت أم سيف وأم فادي كذلك انضمتا إليهن.
    وحتى على المائدة, كن يأكلن بسرور وعفوية ويمتدحن الأطباق اللذيذة واليد الماهرة التي أعدتها...
    فيما كنت أنا المعاقة بالكاد ألمس الطعام بيدي اليسرى...
    وعوضا عن أن تبهجني هذه الحفلة كما يفترض زادتني غيضا ونفورا من الدخيلة.
    التزمت جانب الهدوء معظم الوقت لشعوري بأنني لا أملك شيئا أمام ما تملكه الشقراء مما يثير اهتمام وإعجاب الآخرين...
    وعندما قامت الدخيلة برفع الأطباق الرئيسية إذا بمرح والتي كانت جالسة إلى جواري
    تقترب مني وتهمس في أذني:
    "زوجة أبيكِ مذهلة! جذابة مثله! كم هما ثنائي رائع".
    ولو لم أتمالك نفسي لأفرغت ما في معدتي من شدة الغيظ...
    بعد أن خرج الضيوف, أويت مباشرة إلى غرفتي والنار تحرق صدري وتفحمه...
    ولم أجد من حولي ما أفرغ فيه غضبي ولا من أبثه همي أو أعبر له عما يختلج داخلي...
    فأخذت أبكي بحرقة... وأردت أن أكسر الجبيرة وأحطم العكاز اللذين لم يزيداني إلا بؤسا...
    ومن شدة غيظي رميت بالعكاز بعيدا بقوة فارتطم بطاولة على مقربة وأحدث بعض الجلبة...
    طرق الباب وسمعت وليد يخاطبني:
    "هذا أنا يا رغد... هل انت بخير؟؟"
    قلت:
    "نعم. لا تقلق".
    قال:
    "هل تحتاجين إلى شيء؟"
    أجبت:
    "كلا... شكرا".
    فقال:
    "إذن تصبحين على خير".
    وأحسست به يبتعد...
    شعرت برغبة مفاجئة في التحدث معه... أردت النهوض ولكن عكازي كان بعيدا...
    ناديته لكنه لم يسمعني... زحفت على الأرض إلى أن وصلت إلى عكازي...
    ثم ارتديت حجابي على عجل وسرت نحو الباب...
    ذهبت إلى غرفة المعيشة المجاورة حيث يبات هو حاليا... وكان الباب مفتوحا ويكشف ما في الداخل...
    إلى الجدار المقابل لفتحة الباب كانت أروى تسند ظهرها وقد مددت إحدى يديها إلى خصرها بينما يقف وليد أمامها مباشرة وذراعاه ممدودتان إلى الأمام ومسندتان إلى ذات الجدار مشكلتين طوقا حولها...
    حين وقع بصري على منظرهما شعرت بالشلل المفاجىء وترنحت بعكازي...
    بسرعة استدرت للوراء وخطوت خطوتين بالعكاز مبتعدة عن الصدمة... ولأنني شعرت بالشلل فقد رميت ثقلي كاملا على العكاز الذي انزلق فوق الأرضية الملساء وأوقعني فجأة...
    تأوهت ألما... ولم أستطع النهوض ليس من شدة الإصابة بل من العشي الذي أصاب عيني من منظر الاثنين...
    لمحت وليد يقبل نحوي قلقا ويجثو بقربي وهو يقول:
    "أأنت بخير؟"
    بخير...؟ لا! أنا لست بخير... لست بخير... لست بخير...
    هب وليد لمساعدتي على النهوض فقلت زاجرة:
    "دعني من فضلك".
    ومددت يدي إلى العكاز وأقمته عموديا على الأرض وحاولت النهوض...
    غير أنني لم أستطع...
    كانت أطرافي ترتجف وأعصابي منهارة وعجزة عن شد قبضتي على العكاز فانزلق مجددا...
    قال وليد:
    "دعيني أساعدك".
    لكنني رددت باقتضاب:
    "قلت دعني وشأني... سأنهض بمفردي".
    وأعدت الاستناد إلى العكازوانهرت أرضا...
    وليد حينما رأى ذلك مد ذراعيه ورفعني عن الأرض...
    قلت بغضب:
    "ماذا تفعل؟ كلا... أنزلني..."
    قال وليد بانفعال:
    "ستكسرين بقبة أطرافك إن تركتك هكذا".
    وسار بي رغما عني إلى أن أوصلني إلى غرفتي ووضعني على السرير.
    قلت ثائرة:
    "لا أريد مساعدة من أحد... دعوني وشأني".
    وليد نظر إلي باستغراب واستهجان معا وقال:
    "ماذا جرى لك يا رغد؟ ما غيرك هكذا فجأة؟"
    قلت بغضب:
    "ليس من شأنك... إياك أن تكررها ثانية... من تظن نفسكك؟؟"
    وليد حملق بي مندهشا:
    "رغد!! أتهذين؟؟"
    صرخت:
    "نعم أهذي... أنا مجنونة... ماذا يهمك في ذلك؟؟"
    أطرق وليد برأسه ثم قال مستاء:
    "الظاهر أنني تسرعت حين أحضرتك من المستشفى... أنت لاتزالين متعبة".
    استفزتني جملته... فصرخت:
    "متعبة ومجنونة وعرجاء... ثم ماذا؟ هل اكتشفت حقيقة ما أكون الآن؟"
    تنفس وليد نفسا عميقا ثم أولاني ظهره وغادر.
    ناديت بغضب:
    "إلى أين تذهب؟ عد إلى هنان".
    لكنه اختفى... ثم فجأة ظهر يحمل العكاز وأتى به إلى جانبي...
    لما رأيت العكاز قربي مباشرة ثار جنوني... أخذت العكاز ورميت به بقوة بعيدا فارتطم بنفس الطاولة وأحدث ذات الجلبة... وليد وقف بجواري يراقب بصمت...
    قلت بحدة:
    "لا أريد هذا ولن أستخدمه ثانية... هل فهمت؟"
    لم يتحرك ولم يقل شيئا... فاشتططت غضبا من بروده وصرخت:
    "لا تعده إلي ثانية... مفهوم؟؟"
    وليد وقف يسمعني وينظر إلي ولا يرد!
    أردت منه أن يقول شيئا.. أن يغضب... أن يتشاجر معي أو يواسيني... أن يبدي أي ردة فعل تفيد بأنه يسمعني ولكنه لم يحرك ساكنا.
    قلت بتهيج:
    "لماذا لا ترد؟"
    وليد حدق بي لحظة ثم قال:
    "هل انتهيت الآن؟"
    حملقنا ببعضنا لفترة ثم استدار وليد بقصد المغادرة.
    هتفت بسرعة:
    "انتظر".
    استدار إلي بنفاذ صبر وقال بضيق بالغ:
    "ماذا بعد؟"
    ولما أحسست بضيقه هدأت فجأة وشعرت بالذنب...
    صمت برهة متراجعة, وقبضت على ما أفلت من أعصابي... ثم قلت وقد تحول صوتي بغتة إلى السكينة:
    "إلى أين تذهب".
    رد وليد بانفعال:
    "إلى قعر الجحيم.. هل يهمك هذا؟"
    وأراد أن يخرج فناديته مجددا :
    "وليد".
    التفت إلي بطول بال وزفر زفرة قوية من صدره وقال باقتضاب:
    "نعم؟"
    إنه غاضب بالفعل...
    يا أنت!.. يا من تقف هناك تشتعل غضبا.. يا من تدعي أنك ذاهب إلى قعر الجحيم...
    إنك أنت جحيمي! اقترب وابتعد مني في آن واحد... فأنا أفقد توازني في كلا الوضعين...
    ولاشيء يحرقني ويزيدني سعيرا وجنونا أكثر من رؤيتك إلى جانب الشقراء الدخيلة...
    "نعم يا رغد هل هناك شيء آخر؟؟"
    قال وليد ذلك لما استبطأ ردي ورأى ترددي...
    "رغد؟؟!!"
    قال مستغربا ومستاءً... فقلت منكسرة:
    "أنا... آسفة".
    ومن التعبيرات التي تجلت على وجهه أدركت أنه لم يكن يتوقع أسفي أو ينتظره...
    قلت:
    "لا تغضب مني".
    حملق بي وليد في صمت ثم ضغط بإصبعه على المنطقة بين حاجبيه ثم قال:
    "لست غاضبا... لكنني تعب من تقلبات مزاجك هذه يا رغد..."
    ثم تابع بصوت راج:
    "أعطيني فترة نقاهة أرخي فيها أعصابي المشدودة قبل أن تنقطع".
    فسرت الإرخاء الذي يقصده على أنه أروى... فهيجني المعنى وقلت منفلتة من جديد:
    "وأعصابك هذه لا تسترخي إلا مع الشقراء؟"
    نظر إلي بتعجب وتابعت:
    "أما أما.. فأعصابي لن تستريح ومزاجي لن يصفو إلا إذا أرسلتها للمزرعة وأبعدتها عني نهائيا".
    مرر وليد أصابع في شعره كما يفعل عندما يتوتر... ثم زفر:
    "يا صبر أيوب".
    وأحسست بالجملة تطعن قلبي.. فقلت ثائرة:
    "يلزمك صبر بحجم المحيط إن كنت ستبقيها أمام عيني تصول وتجول...
    وأنا معاقة بهذا الشكل.. لتتحمل النتائج.. قلت لك أنني أكرهها ولا أريد رؤية وجهها ثانية...
    إنها حتى لم تفكر في الاعتذار عما سببته لي... بل لا بد أنها فرحة بإصابتي وتشمت بي..
    وأنا أفضل الموت حرقا على أن أراها تجول أمام ناظري بكل حرية".
    ربما بالغت بالتعبير عن غيظي الشديد أمام وليد... هو وضع يديه على صدغيه ثم هتف بقوة:
    "حاضر... حاضر يا رغد... حاضر... سأرسلها إلى المزرعة وأخلصك من كل هذا... أفعل أي شيء لأجلك... ماذا تأمرين بعد؟ فقط أريحيني..."
    وضرب الباب بقبضته بقوة وانصرف...

    *************
    وعدت إلى غرفة المعيشة والمجاورة لغرفة رغد فوجدت أروى لا تزال هناك...
    واقفة عند الباب وتستمع إلى شجارنا...
    لم تتحدث بل ألقت علي نظرة خيبة سريعة ثم غادرت المكان...
    قبل قليل كنت أحاول مصالحتها وتوضيح بعض الأمور العالقة منذ أيام...
    إننا متخاصمان والجو مربوك للغاية وكلما حاولت التقرب منها صدتني بجملة: (أعدني إلى المزرعة).
    أحاول بذل جهودي لإقناعها بالعدول عن الفكرة حاليا ولكن...
    وإن كان هناك شعرة أمل واحدة فإن رغد بكلامها الأخير هذا... قطعتها...
    رغد كانت بصحة مقبولة مُذ غادرت المستشفى وتقبلت بعد جهد فكرة السير على العكاز...
    والأمور سارت على نحو مرضٍ إلى أن انتهت حفلت العشاء الصغيرة التي أقمتها إحتفالا بسلامتها...
    وأعتقد... بل أنا على يقين من أن سبب تدهورها المفاجىء هو مقابلة أروى...
    إن علي ألا أقف مكتوف اليدين وأترك الفتاة تتخبط وتنهار من جديد... في السابق كانت تنشغل في الجامعة وفي الدراسة...
    أما وهي حبيسة الجبيرة والمنزل... فإن اصطدامها بأروى سيسبب كارثة نفسية لها...
    ولأن الوضع لم يكن ليطاق البتة فقد انتهى قراري إلى أن اشتري تذاكر السفر عاجلا...
    "لا بأس.. فنحن أعددنا أمتعتنا منذ أيام يا بني وسنضيف ما يلزم".
    أجابتني الخالة حين أخبرتها بعد أن عدت من شركة الطيران في اليوم التالي...
    قلت:
    "جيد. وهلا ساعدت رغد في تجهيز أمتعتها؟"
    "بكل تأكيد".
    سألت:
    "بالمناسبة هل هي مستيقضة؟"
    فأننا لم أرها أو أعرف عنها شيئا منذ البارحة... ولا أعرف بأي مزاج استيقضت هذا الصباح!
    ردت الخالة:
    "نعم. انهت حمامها وطعامها قبل قليل فقد رأيت الخادمة تخرج بالأطباق من غرفتها".
    قلت:
    "إذن رجاء أعلميها بأنني أود التحدث معها".
    وسبقتني الخالة إلى غرفة رغد لتعلمها بقدومي, ثم رأيتها تخرج وتقول:
    "تفضل".
    البارحة كانت فتاتي غير طبيعية وأظنني أنا أيضا لم أسيطر على أعصابي كما ينبغي...
    لكن أنا حتى لو غضبت من رغد وتقلبات مزاجها يتغلب خوفي عليها وحبي لها على أي شعور آخر ويعيدني إليها ملهوفا...
    أشتاق وأعود إليها حتى لو لم أكن أجد لديها ما يغذي شوقي...
    إنها المحور التي تدور حوله أحاسيسي ومشاعري واهتماماتي... وأمور حياتي كلها...
    وقفت عن الباب وطرقته... وسمعتها تأذن لي بالدخول...
    لا أعرف لماذا هذه المره تسارعت نبضات قلبي وساورني التوتر... أكثر من المعتاد...
    رغد كانت جالسة على المقعد أمام المرآة... ونظرت إلي من خلال المرآة فازداد توتري ثم حييتها بصوت خافت, وهي ردت بهدوء.
    سألتها:
    "كيف أنت هذا الصباح؟"
    متمنيا أن تكون إجابتها مطمئنة شكلا ومضمونا.
    فردت:
    "الحمدلله".
    وهي لا تزال تخاطبني عبر المرآة...
    عقبت:
    "الحمدلله".
    ولمحت العكاز إلى جوارها فسألت:
    "هل قمت بالتمارين؟"
    فردت:
    "نعم".
    "وكيف تشعرين؟"
    "بتحسن خفيف".
    ابتهجت وقلت:
    "عظيم... ستتحسنين بسرعة إن شاء الله وتستغنين عن هذا قريبا".
    وأشرت إلى العكاز...
    رغد نظرت إلى العكاز ثم إلي عبر المرآة نظرة تشكك وقلقوسألت:
    "أحقا؟ أخشى أنني لا أستطيع الاستغناء عنه أبدا".
    قلت بسرعة:
    "ما هذا الكلام؟ غير صحيح".
    وبدا على وجهها قلق أكبر وقالت:
    "أو ربما يظل في قدمي شيء من العرج الأبدي".
    قلت معترضا:
    "كلا".
    لكنها كانت شديدة القلق... بل إن أكبر مخاوفها كما استنتجت هو أن تنتهي إصابتها بالعرج لا سمح الله...
    قلت مشجعا:
    "لقد أكد الطبيب أنه أمر مؤقت إلى أن يشفى التمزق ويزول الورم وينجبر الكسر... لا تخافي صغيرتي".
    تعلقت عينا رغد بسراب كلماتي الأخيرة... ثم إذا بها تستدير نحوي لتواجه نظراتي مباشرة...
    وتقول:
    "وليد... فيما لو... لو لا قدر الله أصبحت عرجاء أو معاقة...فــ.. هل... ستظل تهتم بي؟"
    فوجئت من سؤالها الغريب... والذي أجهل المغزى الحقيقي من ورائه... وكانت تنتظر مني الإجابة من لهفة نظراتها إلي...
    أي سؤال هذا يا رغد...!؟
    قلت:
    "لا تفكري هكذا يا رغد بالله عليك... أنا متفائل جدا وبإذن الله سيعود كل شي على ما كان".
    لكنها عادت تسأل:
    "لكن لو لا قدر الله لم أشف تماما... هل ستظل تعتني بي؟"
    ومن الرجاء الذي قرأته في عينيها فهمت مقدار تشوقها لسماع إجابة مطمئنة...
    آه يا رغد! أوتسألين؟؟ أيساورك أي شك تجاهي أهميتك وأولويتك أنت في حياتي..؟
    قلت:
    "وحتى لو بلغت المائتين من العمر وأصبحت عاجزة عن كل شيء... سأظل أعتني بك دوما يا صغيرتي".
    رأيت الابتسامة تشق طريقها إلى وجهها... كأنها شمس أشرقت في سماء نقية... ثم قالت:
    "شكرا لك".
    ابتسمت بسرور وراحة وقلت:
    "على الرحب والسعة".
    رغد كررت:
    "أنا عاجزة عن شكرك على كل ماتفعله من أحلي.."
    قاطعتها مداعبا:
    "وهل ينتظر الآباء شكرا على رعايتة بناتهم؟"
    رغد نظرت إلى الأرض ثم إلي وقالت:
    "ولكنك ستكون في المائتين وعشر سنين من عمرك... أشك في أنك ستكون قادرا على حملي!"
    ضحكت ثم قلت:
    "لاتستهيني بقدراتي".
    ثم أضفت:
    "حسنا! سأريك!"
    وعلى غير توقع منها مددت يدي أسفل الكرسي الذي تجلس هي فوقه ورفعتهما سويا!
    رغد هتفت متعجبة:
    "أوه... ماذا تفعل؟!"
    قلت:
    "سأحملك إلى الطابق العلوي لتعدي حقيبة سفرك... ستساعدك الخالة".
    ولم أدع لها الفرصة للاعتراض وحملتها إلى غرفتها في الطابق العلوي واستدعيت خالتي والخادمة لمساعدتها... وذهبت لأعد حقيبتي أيضا...

    *************

    موعد سفرنا مساء اليوم... ولأنه سيكون سفر قصيرا فأنا لم أجهز في حقيبتي الكثير من الحاجيات.
    وكنت اتمنى لو أنني لا أضطر للسفر وأنا بهذه الحالة, ولكن وليد لم يجد بدا من أن يسافر بنا نحن الثلاث ثم يعود بي...
    الساعة الآن الثالثة فجرا... تصورا أنني مستيقضة حتى الآن... يحول الأرق الفظيع دون استسلامي لسلطان النوم...!
    وليد أخبرني بأنه سيأخذني إلى بيت خالتي لأقضي عندهم بضعة أيام... وأنا لم أخبر عائلة خالتي عن قدومي إليهم ولا عن إصابتي, بطلب من وليد نفسه.
    سوف نترك الشقراء والسيدة ليندا في المزرعة... ونعود أنا ووليد إلى البيت!
    ألا يكفي هذا سببا لجعلي أتأرق طوال الليل؟؟
    هذا إضافة إلى تفكيري الدائم بإصابتي وخوفي من أنأنتهي عرجاء... أو تفقد يدي مهارتها في الرسم...
    الرسم!
    على ذكر الرسم تذكرت شيئا مهما فهببت جالسة فجأة...
    "لوحاتي!"
    هتفت أخاطب نفسي... كيف يعقل أن تكون رسماتي الأخيرة قد غابت عن ذهني هكذا..؟!
    نهضت عن سريري وأضأت المصابيح وجلت ببصري فيما حولي مفتشة عن الأوراق التي رسمت وجه وليد ليلة النزهة...
    "يا ألهي... أين يمكن أن تكون؟؟"
    فقد كانت في يدي عندما وقعت من أعلى الدرج ولا أعرف ما حل بها بعد ذلك...
    ربما الشقراء أزالتها وتخلصت منها... أو ربما السيدة ليندا جمعتها ووضعتها في مكان ما... أو ربما وليد بالصدفة شاهدها... رباه!!
    ولم أستطع مقاومة رغبتي الملحة في العثور عليها تلك الساعة.
    فتشت تفتيشا سطحيا في الأماكن التي افترضت أن يمكن أن يكون قد نقلها إليها....
    ولم أعثر على شيء للآن... وحان دور غرفة مكتب وليد!
    البيت يخيم عليه السكون والظلام... وحقيقة يبدو مرعبا... وأنا أتحرك ببطء وبحذر وببعض الخوف... إلى أن دخلت غرفة المكتب...
    كانت الغرفة غارقة في الظلام الدامس, أشعلت المصابيح وألقيت نظرة على ما حولي واستقر بي العزم على أن أبدأ بتفتيش مكتب وليد...
    "ربما يكون أحدهم قد جلبها إلى هنا! لكني أخشى أن يكونوا قد ألقوا بها في سلة المهملات".
    قلت مخاطبة نفسي... وتأملت المكتب والأرفف العديدة والأوراق الكثيرة من حولي... وشعرت بالتقاعس... كيف يمكنني البحث بين كل هذه الأشياء؟؟
    اقتربت من المكتب ولم ألحظ ما يسترعي الاهتمام على سطحه, فجلست على الكرسي خلفه وفتحت أول الأدراج وفتشت ما بداخله ثم تنقلت بين البقية واحدا تلو الآخر...
    وفيما أنا أفعل ذلك فجأة سمعت صوتا مقبلا من ناحية الباب فجفلت وتسمرت في مكاني...
    انكتمت أنفاسي من الفزع وتلاحقت نبضات قلبي... وكاد شعر رأسي يقف من الذعر...!
    " رغد"!"
    لقد كان صوت وليد!
    سحبت يدي من الدرج الذي كنت أفتشه ووضعتها تلقائيا على صدري وأطلقت نفسا طويلا...
    وليد تأملني وهو واقف عند فتحة الباب ويده ممسكة بمقبضه ووجهه يكسوه الاستغراب والقلق...
    "ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت!!؟؟"
    نبعت قطيرات من العرق على جبيني من شدة فزعي وازدردت ريقي وتأتأت ولم أحر جوابا...
    ولما رأى اضطرابي قال:
    "هل أفزعتك؟؟"
    أومأت برأسي (نعم) فأقبل نحوي حتى صار جواري وهو محملق بي باستغراب وحيرة...
    ثم قال:
    "أتبحثين عن شيء؟؟"
    جمعت بعض الكلمات المبعثرة على لساني وقلت:
    "أممم لا... أعني... لا شيء... لقد كنت..."
    ولم أستطع التتمة...
    وليد مد يدم وأمسك بيدي اليمنى المجبرة بلطف وقال:
    "هوني عليك... هذا أنا ليس إلا!"
    وبعد أن هدأت أنفاسي من فزعها وانتظمت خفقات قلبي ولاحظ وليد استرخائي قال:
    "حسنا... عم كنت تبحثين؟؟"
    شعرت بالخجل ولم أجرؤ على إجابته... ماذا أقول له؟!..
    سحب وليد يده عن جبيرتي وانثنى أمامي ومد يده إلى أحد الأدراج واستخرج منه شيئا وضعه على المكتب مباشرة أمامي قائلا:
    "عن هذه؟؟"
    وإذا بها الأوراق التي كنت أفتش عنها ومعها قلمي الرصاصي...
    تسلقت الدماء الحمراء أوداجي ورشت على وجهي صبغا شديد الاحمرار...
    وسكنت عن أي كلام وأي حركة..
    وليد بقي واقفا يراقب تقلبات لوني ولا أعرف ماذا كان يقول في نفسه...
    وأخيرا قال:
    "لم لم تنتظري حتى الصباح أو تطلبيها مني؟"
    حينهها نطقت بارتباك:
    "أأأ... طرأت... في بالي الآن".
    وليد عاد ومد يده وأخذ الأوراق من جديد وقال:
    "هلمي بنا إلى النوم... ينتظرنا سفر ومشقة".
    وسار مبتعدا... والأوراق في يده!
    هتفت:
    "لوحاتي!"
    فالتفت إلي وليد... ثم أمال إحدى زاويتي فمه للأعلى وهو ينظر إلي نظرة قوية ويقول:
    "سآخذها إلى غرفتك! لا تخافي".
    وسبقني إلى غرفتي... تنفست الصعداء... ثم سرت خلفه بعكازي ببطء... وعند الباب تقابلنا وجها لوجه... هو يهم بالخروج وأنا أهم بالدخول...
    بالضبط في طريق خطوات بعضنا البعض لكن أيا منا لم يتنحى عن طريق الآخر...
    رفعت نظري إليه فإذا به ينظر إلي...بعمق وغموض... وجسده يحجب النور عني وظله يغطي جسدي... كالشجرة الخرافية الممتدة إلى السماء...
    حاولت أن أهرب من نظراته... وأن أبتعد عن طريقه... ولم أفلح...
    كنت كالأسيرة المقيدة المربوطة بإحكام إلى جذع الشجرة... ونظراته كانت قوية وثافبة...كتلك النظرات التي كانت معلقة في سقف غرفتي... في بيتنا المحروق... تراقبني وتخترقني كل حين...
    رأيت على طرف لسانه كلاما يوشك أن يقوله... أكاد أجزم بأن بعض الحروف قد تساقطت منه...
    لكن وليد زم شفتيه وعض على أسنانه وتنهد ثم قال أخيرا:
    "تصبحين على خير".
    وغادر الغرفة...
    .
    .
    .
    يتبع ،،
    هَمَيَ ذبَحَنَيَ وًّأنَتَ مَاَ تَرَحَمَ اَلَحَاَلَ

    أقَوًّلَكَ مَهَمَوًّمَ تَقَوًّلَ اَلَلَهَ يَعَيَنَك ،،

  3. #3
    متذوق وكاتب قصص وروايات بالسبلة العُمانية الصورة الرمزية القيصـــــر
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    5,965
    Mentioned
    1 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)
    تكملة الجزء السابق

    الانهيار الذي ألم بي لدى رؤية خالتي لم يكن بسبب رجلي ويدي.. بل بسبب الصورة الأخيرة التي لا تزال مبثوثة أما عيني.. للخطيبين المتعانقين بكل حمية وانسجام.. والتي لم تفلح رؤية خالتي وعائلتها في محوها عن بصري ذلك اليوم..
    أجرى معي أقاربي تحقيقا مطولا عن إصابتي وشرحت لهم تفاصيلها وأوضحت لهم أنه لا علاقة لوليد بالحادث وأن اللوم كله يقع على الشقراء..
    لم أكن أرى غيرها في عيني.. وأردت أن أحرق صورتها بأي شكل.. وبالغت في التعبير عن غضبي منها ومما حل بي بسببها..
    أما خالتي فقد كانت تضع باللوم على نفسها لأنها سمحت لي بالذهاب إلى المدينة الساحلية بعيدا عن عنايتها...
    وبعد أن استوعب أهلي الأمر وهدأت مشاعر غضبهم الأولية أخذت أسرد لهم بعض أخباري وأخبار الجامعة وحياتي اليومية في المنزل الكبير..
    وأخبرتهم كيف كان وليد يعتني بي... ويعاملني بكل لطف ومودة.. وكيف بقي مرابطا إلى جانبي فترة مكوثي في المستشفى.. وأشياء كثيرة كان وليد يقدمها لي بكل سخاء.. لم أشعر بافتقادها إلا الآن..
    والحديث عن وليد لم يعجب حسام الذي قال منفعلا:
    "أنت طيبة يا رغد... ولن تحكمي على ذلك المتوحش إلا بالطيب!"
    قلت مدافعة:
    "لماذا تنعته بالمتوحش يا حسام؟؟"
    قال:
    "هل نسيت كيف هاجمني ذلك اليوم؟ وكيف لطم شقيقه بقسوة أمام عيني يوم كنا في بيتكم يا رغد؟ وكيف جرك من يدك رغما عنك وأجبرك على السفر معه إلى الجنوب. إنه متوحش وهمجي كسائر المجرمين الــ.."
    غضبت كثيرا وقلت مندفعة مقاطعة:
    "لا تنعته بهذا.. لا أقبل منك... كيف تجرؤ؟؟"
    والجملة ضايقت حسام فانسحب من الغرفة التي كنا نجلس فيها..
    حل الصمت على الأجواء.. ثم تكلمت نهلة قائلة:
    "لا تكوني قاسية عليه يا رغد! إنه غاضب لأجلك".
    وأضافت سارة:
    ""يحبك كثيرا".
    التفت إلى هذه الأخيرة فرأيتها تبتسم ابتسامة شديدة الغباء.. كعادتها.. تجاهلتها وجملتها كما تجاهلتها خالتي ونهلة..
    خالتي قالت بعد ذلك:
    "على كل يا رغد.. ها قد عدت ولن أدعك تغادرين ثانية".
    ألتفت إلى خالتي نظرة متوجسة فقابلتني بنظرة شديدة الإصرار وقالت:
    "إلى هنا ويكفي..سنحل هذه المسألة جذريا اليوم قبل الغد".
    ورأيتها تضبط حجابها وتتجه نحو الباب فقلت بقلق:
    "إلى أين خالتي؟"
    قالت بحزم:
    "سأذهب لأتحدث مع وليد.."
    وخرجت مباشرة وتبعتها سارة دون ترك فرصة لي لأي ردة فعل...
    نظرت إلى نهلة في توتر وقلت:
    "ماذا ستفعل؟؟"
    أجابت نهلة:
    "لا أعرف!ربما ستتشاجر مع ابن عمك!"
    قلت مستهجنة:
    "لماذا كلكم متحاملون على وليد؟ قلت لكم إنه ليس مذنبا في شي".
    قالت نهلة:
    "تدافعين عنه لأنك تحبينه يا رغد..لكنه في الواقع رجل متسلط وقاسٍ ومكابر.. إننا جميعا في هذا المنزل لا نرتاح له..."
    قلت بعصبية:
    "إنكم جميعا لا تعرفون شيئا..تصدرون حكما ظالما على شخص لم تعاشروه... أرجوك يا نهلة الحفي بخالتي واطلبي منها الحضور إلى هنا فورا".
    لم تتحرك نهلة فقلت:
    "هيا يجب أن أعرف أولا ما الذي تخطط له"ز
    ولم تتحرك نهلة بالسرعة المطلوبة.. غادرت الغرفة, وعادت بعد دقيقتين.. وما إن رأيتها بادرتها بالسؤال:
    "هل لحقت بها؟"
    قالت:
    "نعم, وهي الآن في غرفة الضيوف".
    صحت بعصبية:
    "تبا! ولماذا لم توقفيها؟ لا بد أنها الآن تتشاجر مع وليد".
    نظرت إلي نهلة نظرة استنكار ثم قالت:
    "لا تخافي على مشاعر ابن عمك!... إنه ليس هنا".
    قلت مستغربة:
    "ليس هنا؟؟"
    قالت:
    "غادر منذ زمن.. يبدو أنه قد رحل فور إنهاء فنجان قهوته!"

    *************************

    إنني تجرعته جرعة كدت أغص بها.. بسبب النظرات التي تقدح شررا من حولي... مصوبا نحوي..
    صحيح أن أبا حسام قدم الاعتذار عما قالته زوجته لي.. لكن ذلك لم يخفف عني شيئا.. وبحياتي لم أقف أمام شخص يدعو علي علنا وبهذا الشكل.. وأكثر ما خيبني هو موقف رغد البارد..
    نعم كنت أتوقع أن يثور أقاربها علي ولكن ليس بهذا الشكل..
    سامحهم الله...
    وصلت إلى شقة شقيقي سامر أخيرا.. ولم أكن قد اتصلت به.. وأردت أن أفاجئه بحضوري...
    قرعت الجرس وغطيت بإصبعي عدسة الباب لئلا يراني..
    قرعت ثانية وثالثة وما من مجيب! لكنني كنت قد رأيت سيارته في المواقف.. ولا شك أنه في الشقة..
    أخيرا سمعت صوتا منخفضا يسأل:
    "من هناك؟"
    لم أتبين ماهية الصوت.. فطرقت الباب لعله يعاود الحديث.. فكرر الصوت بنبرة حذرة:
    "من الطارق؟"
    نعم إنه صوت شقيقي.
    قلت:
    "شخص يريد معانقتك فورا.. افتح الباب".
    وبدا كأن أخي لم يميز صوتي.. ثم رأيت الباب ينفتح بحذر.. ورأيت رأس أخي يطل منه أخيرا..
    اندهشت ملامحه كثيرا وانفغر فاهه.. لكن دهشتي أنا كانت أكبر!
    "وليد!"
    قال والعجب يعلوه..
    قلت:
    "بشحمه ولحمه!"
    لم يفتح سامر الباب وظل محملقا بي لثوان...
    قلت:
    "هل أبدو شبحا؟"
    هنا بدأ سامر يبتسم وفتح الباب ومد ذراعيه لمعانقتي..
    "إنني أكاد لا أصدق عيني! فاجأتني يا رجل".
    ابتسمت وقلت:
    "بل أنا المندهش يا أخي.."
    وأشرت بإصبعي إلى عينه اليمنى وقلت:
    "اختفت الندبة تماما! تبدو وسيما للغاية".
    سامر ضحك وهو يمسك بيدي ويقودني إلى الداخل..
    تذكرون أن جفني عين سامر اليمنى قد أصيبا بحرق بالجمر عندما كان طفلا صغيرا.. وأن عينه تشوهت وأصبحت نصف مغلقه وقبيحة المنظر.. وكان أبي رحمه الله يود إخضاعه لجراحة تجميلية غير أن أوضاعنا المادية في تلك الفترة كانت سيئة..
    في لقائنا الأخير كان سامر قد بدأ علاج الندبة والآن عالج حركة الجفن وما لم يقق الناظر إليها جيدا فإنه لن يكتشف وجود أي أثر أو فرق بين عينيه..
    الحمد لله..
    في داخل الشقة وجدت ضيوفا لأخي.. عرفنا سامر إلى بعضنا البعض, وبعد حديث قصير استأذن الضيوف وغادروا...
    قلت:
    "أرجو ألا تكون زيارتي قد أتت في وقت غير ملائم".
    قال سامر:
    "ماذا تقول يا أخي! إنهم رفقائي في العمل.. نلتقي في كل وقت.. لا تأبه لهم".
    ابتسمت فقال سامر:
    "لكنك فاجأتني! ما سر هذه الزيارة غير المتوقعة؟"
    قلت مداعبا:
    "اشتقت لعينك اليمنى فجئت أتفقدها".
    ضحك سامر ثم قال:
    "بجد وليد.. لِمَ لم تبلغني لأستقبلك في المطار؟"
    أجبت:
    "أردت أن أقتحم عليك الشقة!"
    وضحكت ثم أضفت:
    "في الحقيقة كنا قادمين إلى المزرعة.. فأتيت لأزورك".
    سامر ابتسم ابتسامة خفيفة ثم سأل:
    "و... ورغد؟"
    قلت بعفوية:
    "تركتها في بيت خالتها".
    شيء من التردد ظهر عليه ثم قال:
    "لِمَ لم تحضرها معك؟ أعني أننا لم نسمع من بعضنا منذ شهور".
    آه يا سامر... أتريد القول إنك اشتقت إليها؟؟
    إنني أسوأ شخص لتبدي لهفتك عليها أمامه!
    وربما أحس سامر ببعض الأفكار تدور في رأسي فقال مغيرا الدفة:
    "كيف سارت أموركم المدينة الساحلية؟ وما أحبار نسبائك؟"
    أجبت:
    "الحمد لله.. وهم يبلغونك السلام".
    "سلمهم الله.. ماذا عن أقارب رغد؟"
    قلت:
    "أتيت من منزلهم.. الجميع بخير".
    قال:
    "لم أتصل بهم منذ فترة! ما أخبار حسام؟ هل التحق بالمعهد كما كان يخطط؟"
    أجبت:
    "لا أعرف فأنا لم أطل البقاء لديهم ولم أسمع آخر أخبارهم".
    ثم أضفت:
    "مررت لدقائق مصطحبا رغد".
    عاد ذلك التوتر الخفي إلى وجه أخي وتجرأ وسأل:
    "وكيف هي؟ وكيف تعايشت مع خطيبتك في المنزل؟؟"
    استغربت السؤال كثيرا.. ولماذا تسأل عن تعايشها مع خطيبتي؟؟ وهل تعلم بأن بينهما شيئا؟؟
    قلت:
    "مع خطيبتي؟"
    رفع سامر كتفيه وحاجبيه وقال:
    "آه نعم.. فهي كانت.. أعني أنها لم تكن.. منسجمة معها في السابق... آمل أن يكون الوضع قد تغير!!"
    رباه!
    هل تعرف أنت يا سامر عن توتر العلاقة بين الفتاتين؟ لا بد أن رغد كانت توافيك بالأخبار..!
    قلت راغبا في التأكد:
    "هل.. تتصل بك رغد؟؟"
    بهت سامر واندهش من سؤال ورد مباشرة:
    لا لا!... لم أتحدث معها منذ كنتما معي في الشقة".
    كان ذلك قبل شهور.. عندما مرضت ولازمت فراش شقيقي ليوم وليلة.. هنا في الشقة.. بعد حادث السيارة.. ولكنني لم أعرف أن رغد كانت قد أبلغته آنذاك عن علاقتها المتوترة مع أروى.. حتى أنني لم أكن أعير ذلك التوتر اهتماما حقيقيا آنذاك..
    قلت:
    "حسنا.. يبدو أنك تعرف أن العلاقة بينهما مضطربة".
    ظهر الاهتمام على وجه أخي.. وتابعت:
    "لا تزال كذلك".
    سأل أخي بقلق:
    "إذن كيف كانتا تتعملان مها هناك؟"
    قلت:
    "بتنافر متبادل... خصوصا في الآونة الأخيرة".
    ثم أضفت:
    "والآن هما متخاصمتان تماما".
    قال سامر:
    "توقعت هذا".
    أثار حيرتي وفضولي.. فسألت:
    "عفوا؟؟"
    ارتبك سامر ثم أوضح:
    "أعني.. أن رغد لا تتكيف بسهولة مع أحد.. من الصعب جدا أن تكسب صداقتها.."
    لم أعلق فتابع سامر:
    "إنها حذرة جدا في اختيار من ترغب في منحهم صداقتها.. ولا تتأقلم مع من هم خارج إطار سنها أو اهتماماتها أو مجالها الفكري.."
    سامر!
    هل تريد أن تفهمني أنك تعرف رغد خير مني؟؟
    بالطبع تعرف.. فأنت بقيت قريبا منها طوال السنين التي حرمت أنا فيها منها.. وكبرت وتطورت شخصيتها أمام عينيك...
    وأصبحت أقرب الناس إليك ألصقهم بك..!
    أما أنا فلم أصل للدائرةالتي بارتباطك الشرعي أنت بها..أمكنك تخطيها...
    تأملت شقيقي.. في أعماق عينيه كانت المرارة تتكلم.. إنه يتحدث عن الفتاة التي كانت خطيبته لما يقرب من أربع سنين... والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من الزواج به..
    تأملت لأجله.. لكن..
    يا سامر.. ألم تجد في هذه الدنيا غير حبيبتي أنا.. كي تعلق قلبك بها؟؟
    إن رغد.. منذ أن حلت بعائلتنا قبل 15 عاما وأكثر.. أصبحت لي..
    قلت:
    "على كل.. ستظل في بيت خالتها لعدة أيام.. يمكنك زيارتهم وتفقد أحوالها وقت تشاء".
    استغرب سامر وقال:
    "عدة أيام؟؟ غريب! ماذا عن الجامعة. أهي مجازة؟؟"
    صمت قليلا ثم قلت:
    "إنها... في إجازة مرضية طويلة.. فهي.. مصابة بكسور في قدمها ويدها".

    ***************************

    مر يوم وأنا أقيم باسترخاء في بيت خالتي.. وفر لي أفراد العائلة سبل الراحة وتفانوا في رعايتي والاهتمام بي..
    غير أن ذلك لم يخلصني من التفكير المستمر في وليد... خصوصا وأنه لم يتصل للسؤال عني حتى الآن..
    تراقبني نهلة وأنا ممسكة بهاتفي المحمول في تردد... أأتصل أم لا؟
    "هل يصعب عليك الاتصال بيدك اليسرى؟ دعيني أساعدك".
    قالت ذلك نهلة بخبث.. فهي تدرك ما الذي يدور برأسي..
    قلت مستسلمة:
    "الغريب أنه لم يخبرني قبل مغادرته ولم يتصل ليتفقد أحوالي.. في المنزل كان يتفقدني ألف مرة في اليوم والآن نسيني!؟ لا سلام ولا كلام ولا خبر... لا أعرف إن كان قد ذهب إلى سامر أم عاد إلى الشقراء".
    وتذكرت صورتها الأخيرة فامتقع وجهي... ثم تذكرت حديثها الأخير معي صباح الأمس.. فأبعدت الهاتف عني..
    لاحظت نهلة حركتي الأخيرة فقالت:
    "جيد! لا تتصلي.. واختبري مدى قدرتك على تحمل بعده".
    قلت:
    "لا أتحمل.. لا يمكنني تخيل حياتي بدونه! سأموت إذا ابتعد عني".
    رفعت نهلة حاجبيها ونظرت إلى السقف استنكارا..
    قلت مدافعة عن كلامي ومؤكدة له:
    "إذا تخلى عني فسوف أموت فورا.. صدقيني... لا أستغني عنه يوما ولا ساعة... والدخيلة البغيضة.. اللصة.. تطلب مني الخروج من حياته.. تريد الاستحواذ عليه لوحدها.. تظن أنها أقرب وأحق به مني".
    هبطت نهلة ببصرها من السقف علي وعلقت:
    "وهي على صواب يا رغد!"
    توترت وكدت أصرخ.. حتى أنت يا نهلة؟؟ حتى أنت؟؟
    قلت بعصبية:
    "كلا.."
    ردت نهلة مباشرة وبشيء من القسوة:
    "يا رغد... لمَ لا تستفيقين من أحلامك الخرافية؟؟ ما الجدوى من حب رجل متزوج؟ إنك تهدرين عواطفك سدى".
    أحست نهلة بأنها قست علي.. فأقبلت نحوي وأمسكت بيدي اليسرى وقالت مواسية:
    "أنا قلقة عليك.. وأفكر بعقلانية.. لقد مضت فترة طويلة.. وأنت لا تزالين تحلمين بالمستحيل.. تعذبين نفسك.. انظري إلى أين وصلت؟"
    وهي تشير إلى عكازي..
    ثم تابعت:
    "آن الآوان لتستفيقي.. اتركي الرجل وخطيبته يواصلان مشوارهما.. بسلام.. وانتبهي أنت لنفسك.. والتفتي للشخص الذي ينتظر منك الإشارة ليغمرك بكل الحب والحنان اللذين تحتاجينهما".
    نظرنا أنا ونهلة لبعضنا نظرة طويلة... عميقة... وأنا أشعر بأن الدنيا كلها تتخلى عني وتقف في صف أروى..
    فجأة رن هاتفي المحمول فسحبت يدي بسرعة من بين يديها وأخذت الهاتف وأجبت حتى قبل أن ألقي نظرة على اسم المتصل..
    سمعت نهلة تقول باستنكار:
    "أنت حالة ميؤوس منها!"
    لم أعرها امتماما وتحدثت عبر الهاتف بلهفة:
    "نعم مرحبا".
    متوقعة أن يكون وليد..
    لكنه لم يكن!
    لقد كان.. سامر!
    سألني عن أحوالي.. وعن إصابتي وحمد الله على سلامتي.. ودار بيننا حديث قصير علمت من خلاله أن وليد سيظل معه بضعة أيام..
    ثم قال فجأة:
    "هل يمكنني أن أزوركم الليلة؟"
    اشتعل وجهي احمرار من الحرج.. تعثرت في كلامي ولكنني أوصلت إليه:
    "بالطبع.. أهلا بك.. سأخبر خالتي بهذا".
    وبعد أن أنهينا المكالمة نظرة إلى نهلة فرأيتها تحملق بي بخبث!
    قلت:
    "إنه ليس وليد بل سامر".
    عادت تنظر إلى السقف...
    قلت:
    "ويريد أن يحضر لزيارتنا الليلة".
    نظرت إلي بخبث وقالت:
    "تعنين لزيارتك".
    تنهدت وقلت وبريق الأمل يشع في عيني:
    "وبالطبع سيأتي وليد معه.. سأطلب من خالتي أن تعتذر إليه".
    وفيما بعد تحدثت مع خالتي ووعدتني بأن تتحدث مع وليد بهدوء وتعتذر عما قالته يوم أمس...
    وعندما حل المساء.. وعند الثامنة والنصف قرع جرس المنزل..
    انتظرت إلى أن جاء حسام ليخبرني:
    "يرغب ابن عمك في إلقاء التحية عليك".
    قلت بشوق يكاد يفضحني:
    "هل حضر وليد؟"
    نظر حسام إلى نهلة الجالسة بقربي.. ثم إلي وقال:
    "لم أعن هذا الـــ.."
    وانتبه لنفسه ولم يتم.. ثم قال:
    "أعني سامر".
    قلت بخيبة أمل:
    "وحده؟"
    أجاب:
    "والاي معه الآن.. تعالي لتحييه".
    نظرت إلى نهلة ففهمتني..
    قمت ورافقت حسام إلى غرفة الضيوف.. حيث كان سامر يجالس خالتي وزوجها..
    ما أن رآني حتى وقف ونظر إلى العكاز وعلت تعبيرات وجهه علامات المفاجأة والألم..
    أما أنا فقد دهشت للتغير الجديد في مظهر عينه...
    "مرحبا سامر.. كيف حالك".
    بادرت في تحيته فرد والقلق يغلف نظراته وصوته:
    "مرحبا رغد.. كيف حالك أنت؟ سلامتك ألف سلامة".
    قلت:
    "سلمك الله. الحمد لله إصابتي في تحسن.. تفضل بالجلوس".
    وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث نحن الخمسة ساعة من الزمن ثم استأذن سامر للمغادرة..
    قبل انصرافه أعطاني ظرفا قال لي أنه من وليد... وسألني عما إذا كنت بحاجة لشيء فشكرته وودعته على أن نبقى على اتصال...
    أما الظرف فقد كان كما توقعت يحوي مبلغا من النقود...

    ********************************
    إنها النقود التي كانت في محفظتي ونسيت تسليمها لرغد بعد أن أصابني الإرباك وأنا أراها جالسة على عتبة المنزل في المزرعة...
    لم أرغب في الذهاب.. لذا تركت شقيقي يخرج لزيارتها وتسليمها النقود بنفسه.. وبقيت وحيدا في شقته..
    كما أنني أيضا لم أرغب في الاتصال لا بها ولا بأروى.. وآثرت البقاء بعيدا عن كليهما لبعض الوقت..
    باشرت بتنظيم الحاجيات القليلة التي حملتها معي.. وعندما فتحت خزانة الملابس الخاصة بشقيقي فوجئت برؤية فساتين نسائية معلقة آخر الصف...
    أصابتني الدهشة والحيرة.. وتملكني الفضول لإلقاء نظرة على بقية الخزانة والأدراج.
    لن تصدقوا أنني وجدت خاتم خطوبة سامر الفضي موضوعا في أحد الأدراج مع مجموعة من علب الهدايا والمجوهرات...
    وكان أحد الأدرلج مقفلا والله الأعلم.. ما الذي يخبئه شقيقي فيه...
    أخذت أعبث بالخاتم في يدي وأنا شارد التفكير.. وشاعر بقلق شديد على سامر..
    وفكرت في الألم الذي يعانيه وفي الصدمة التي ستصيبه إن أنا تزوجت رغد..
    إنها نفس المشاعر التي عانيت مرارتها حين اكتشفت ارتباطه هو بها..تجربة قاسية جدا لا أريد لشقيقي الوحيد أن يخوضها..
    وأضافة إلى عشرات المشاغل والهموم التي تثقل صدري وتزدحم في رأسي, أضفت اليوم هما جديدا... اسمه سامر..
    ولم أدر يومها.. أنه الهم الذي سيحتل المركز الأول في قائمة المصاعب التي لا يزال القدر يخبئها لي في المستقبل القريب..

    *****************************

    مرت أيام وأنا في بيت خالتي لا هم لي سوى التفكير الملي بما قالته الشقراء لي آخر مرة... حالتي النفسية لم تكن جيدة وقد لاحظ ذلك أفراد العائلة.
    "والآن يا رغد.. ما الذي يشغل بالك لهذا الحد؟ إننا جميعا قلقون عليك".
    كان هذا سؤال خالتي والتي كانت تلحظ شرودي... أجبت:
    "لا شيء خالتي.."
    قالت غير مصدقة:
    "لا شيء؟"
    أجبت مدعية:
    "إنني.. قلقة بشأن.. أعني بشأن الجامعة وغيابي عنها".
    ولا أدري إن بدا كلامي مقنعا أم لا, غير أنه لم يقنع نهلة الجالسة معنا... بطبيعة الحال.
    قالت خالتي:
    "الجامعة والجامعة! دعك منها يا رغد.. وانسي أمرها".
    حدقت في خالتي بتعجب! فقالت:
    "لست بحاجة إليها ولا أرى داع لها أصلا".
    قلت مندهشة:
    "خالتي! كيف تقولين هذا؟"
    قالت:
    "لو لا إلحاحك ما كنت وافقت على الذهاب مع ابن عمك للجنوب من أجل الدراسة.. اصرفي نظرا عنها أو التحقي بالمعهد مثل حسام".
    قلت محتجة:
    "ولماذا أفعل ذلك؟ أنا مسرورة بدراستي وناجحة بل ومتفوقة فيها".
    وأضفت:
    "ثم أن وليد قد دفع تكاليف الدراسة لهذا العام كاملة... وهو مبلغ طائل لن نضيعه هباء".
    قالت:
    "وماذا عن السنوات التالية؟"
    قلت:
    "سيدفعها أيضا".
    قالت معترضة:
    "ولماذا يكبل نفسه كل هذا العناء؟ الجامعات الأهلية مكلفة جدا".
    قلت:
    "لكن وليد ثري جدا.. ومصاريف دراستي لا تساوي شيئا أمام كل ما يحصل عليه".
    قالت خالتي:
    "لا نريد أن نكلف الرجل فوق هذا.."
    قلت متعجبة:
    "ماذا تعنين؟ إنه الوصي علي!"
    قالت خالتي:
    "هنا مربط الفرس..."
    ولم أفهم ما تعنيه.. ثم قلت:
    "على كل نحن ننتظر حضوره حتى نضع النقاط على الحروف".
    وحالما انصرفت خالتي سألت نهلة:
    "ما الذي تعنيه خالتي وماذا تقصد؟؟"
    نهلة ردت:
    "هذه المرة.. أمي جادة جدا بشأن إقامتك معنا بشكل دائم يا رغد!"
    قلت مندهشة:
    "والجامعة؟؟ ووليد؟؟"
    قالت:
    "آن الآوان... للتحرر منهما!"
    في ذلك اليوم لم أطق صبرا... واتصلت بوليد... أخيرا...
    وكأنني أكلمه للمرة الأولى في حياتي... لا أعرف لماذا ارتبكت وتسارعت نبضات قلبي..
    وفور سماعي لصوته.. انصهرت كما تنصهر الشمعة... دمعة دمعة!
    "كيف أنت؟ ولماذا لا تتصل بي؟"
    تجرأت وسألته بعتاب.. إذ إنه لم يهاتفني ولا مرة مذ أحضرني إلى هنا.. وكأنني عبء ما كاد أنه تخلص منه!
    وليد قال:
    "لم أشأ إزعاجك.. وأعلم أن أقاربك يعتنون بك جيدا".
    حتى وإن! أنت أبي بالوصاية.. أليس من واجبك السؤال عني كل يوم؟
    قلت:
    "ومتى ستحضر؟"
    قال:
    "هل هناك شيء؟؟"
    قلت:
    "لا لا... لا تقلق.. إنما قصدت.. متى سيتعين علينا العودة؟"
    لم يجبني مباشرة ثم قال:
    "لا يزال أمامنا بعض الوقت.. موعدك في المستشفى لم يحن".
    هكذا إذن! لن تأتي لرؤيتي إلا يوم السفر أم ماذا؟؟
    قلت:
    "إن خالتي ترغب في الحديث معك".
    قال:
    "حسنا..."
    قلت:
    "لا أعني على الهاتف.. تود أن تأتي للعشاء عندنا.. والتحدث".
    قال:
    "لا بأس.. لنقل بعد يومين؟ فأنا في الطريق إلى المزرعة الآن".
    فوجئت.. وخذلتني جملته الأخيرة.. ذاهب إلى المزرعة ولم تفكر بالمرور بي؟؟
    قلت:
    "هكذا إذن؟ حسنا لن أشغلك وأنت تقود السيارة.. رافقتك السلامة".

    ****************************
    كنت أنتظر إشارة من أروى لأعود للمزرعة ونعود لمناقشة الخلافات الأخيرة الحاصلة بيننا..
    والأيام التي قضيتها مع شقيقي بعيدا عن أي مشاكل كانت كافية لإرخاء الشد الحاصل في أعصابي. فكرتك كانت نافعة يا أروى.. أعترف بهذا.
    اتصلت بي البارحة وأخبرتني أنها ترغب في مقابلتي..
    منذ ارتباطنا وأروى أمامي يوميا لم يفصلها عني غير الشهر الأسود الذي تلا مقتل واليّ رحمهما الله والذي قضيته مع سامر ورغد بعيدا عنها..
    أما رغد فمنذ أن التحقت برعايتي لم أفترق عنا غير الأيام التي سبقت رحيلنا الأخير إلى الجنوب.
    والحديث القصير معها عبر الهاتف جعلني أشتعل شوقا لرؤيتها والاطمئنان على وضعها وصحتها.. ولو لم ابتعدت كثيرا.. لربما سلك بي شوقي الطريق إليها..
    الاستقبال الذي استقبلتني به أروى كان باردا.. على عكس الطريقة التي ودعتني بها.. واخترنا الغرفة الخارجية الملاصقة للمنزل, والتي كنت أقيم فيها فيما مضى.. مكانا لحديثنا المطول..
    أروى ظهرت أكثر هدوءا وتماسكا مما كانت عليه خلال الآونة الأخيرة.. ولم تتعمد الإطالة في المقدمات بل قالت مباشرة:
    "كما قلنا.. يجب أن نضع نهاية لكل المشاكل والخلافات الحاصلة بيننا نحن الثلاثة".
    تعنيني أنا وهي ورغد..
    قلت:
    "وهل وجدت حلا مناسبا؟"
    بدا الجد يعلو قسمات وجهها وأخذت نفسا عميقا ثم قالت:
    "نعم.. وهو.. بيدك أنت يا وليد".
    شعرت بالفضول والحيرة.. لم أفهم ما الذي عنته فسألتها:
    "بيدي أنا؟ ما هو؟"
    قالت:
    "يجب أن تكون مستعدا له".
    ازدادت حيرتي وقلت:
    "بالطبع فأنا أريد بالفعل أن نتجنب التصادم مستقبلا وإلى الأبد... إذا كان الحل بيدي فأنا لن أتردد.. لكن ماذا تقصدين؟"
    هنا توقفت أروى عن الكلام وكأنها تستجنع قواها لتنطق بالجملة التالية.. تلك الجملة التي من قوتها.. كاد سقف الغرفة أن ينهار على رأسي..
    "وليد.. عليك أن تختار.. مع أينا تريد العيش... إما أنا.. أو رغد".
    وقوع سقف بهذا الحجم على رأس موقوت مسبقا.. لا يسبب التكسر والتهشم فقط.. بل ويفجره إلى شظايا تنطلق مخترقة الفضاء إلى ما لانهاية..
    تسمرت على وضعي مذهولا.. أشد ذهولا من الذهول ذاته.. أحاول أن أترجم اللغة العجيبة التي التقطتها أذناي منطلقة من لسان أروى..
    لم أتحدث فأنا لم أعد أملك رأسا يدير حركة لساني..
    أرووى بعد الجمود الذي رأته علي قالت:
    "وليد.. صدقني.. الحياة بوجودنا معا نحن الثلاثة مستحيلة.. لقد فكرت مليا طوال الأيام الماضية.. مرارا وتكرارا.. ولم أجد لمشكلتنا مخرجا غير هذا.. لن نستمر واقفين على فوهة البركان.. أنا ورغد لا يمكن أن نجتمع تحت سقف واحد بعد الآن.. أبدا يا وليد".
    أي سقف؟ وهل أبقيت في المنزل أية أسقف؟ لقد أوقعتها كلها على رأسي يا أروى...
    فعن أي سقف تتحدثين؟؟
    أخيرا استطعت النطق:
    "ما الذي تهذين به؟"
    توترت أروى.. وقالت:
    "هذا هو الواقع... أنا وابنة عمك يستحيل عيشنا سوية في سلام.. لا تتحمل إحدانا وجود الثانية أبدا.. إما أن تعيش معي.. أو تعيش معها.. يجب أن تختار".
    صرخت:
    "أروى... هل جننت؟"
    صاحت أروى:
    "بل هذا هو عين الصواب.. إنني سأجن فعلا إن بقيت مع ابنة عمك في بيت واحد".
    انفعلت وثرت فجأة.. وهببت واقفا أضرب كفي الأيسر بقبضتي اليمنى...
    وقفت أروى وقالت:
    "أرجوك أن تحافظ على هدوئك لنتابع النقاش".
    صرخت بعصبية:
    "أحافظ على هدوئي؟ كيف تريدين مني البقاء هادئا بعد هذا الجنون الذي تفوهت به؟ إنني لم أتوقع أن تكوني أنت كارهة لرغد لهذا الحد أبدا".
    قالت منفعلة:
    "وأما لم أقل إنني أكرهها".
    قاطعتها:
    "وبم تترجمين موقفك هذا؟"
    أجابت:
    "إنه حل وليس موقف.. واحدة منا فقط ستعود وتبقى معك.. وعلى الأخرى أن تظل هنا... هذا من أجل راحتنا جميعا".
    قلت غاضبا:
    "من أجل راحة من؟؟ تريدين مني أن أتخلى عن رعاية ابنة عمي وتقولين راحتنا جميعا؟؟"
    هتفت أروى:
    "أنا لم أقل تخل عنها".
    قلت ثائرا:
    "وما تفسيرك إذن لتركي لها هنا؟"
    قالت:
    "ولم أقل اتركها هي... قلت إنك من يجب عليه أن يختار.. إما أنا أو هي".
    وقفت مأخوذا بأعماق أكبر وأغزر.. لكلام أروى..
    قلت:
    "أروى... بربك... ماذا تعنين؟؟"
    رمقتني بنظرات ملؤها المعاني...
    سألت:
    "تعنين.. أن أعود معها هي.. وأتركك هنا؟"
    رفعت أروى رأسها بشموخ وقالت:
    "إن قررت اختيارها هي".
    اندهشت وقلت:
    "لا بد أن شيئا ما قد ألم بعقلك يا أروى".
    لم تعلق فتابعت:
    "إلا إذا كنت... تعنين لفترة محددة.. ريثما تهدأ الأوضاع".
    قالت بثقة:
    "لا... بل أعني للأبد.."
    صعقت وسألت غير مصدق:
    "وأنت؟"
    قالت وعضلات وجهها قد خذلتها وبدأت بالنهيار:
    "لن أعيش معك ما دامت رغد تحت ولايتك.."
    من ذهولي لم أعرف كيف أرد.. رفعت يدي وأمسكت بعضديها ونظرت إلى عينيها بجدية ثم قلت:
    " هل تعنين ما تتفوهين به يا أروى؟؟"
    أجابت وأول دمعة تنزلق بين رموشها:
    "أعيه وأعنيه تماما يا وليد.. لن لأستمر معك.. ما بقيت ابنة عمك تحت رعايتك.. إن أردت لحياتنا أن تستمر معا.. تنازل عن وصايتها.. وأبعدها عنا".
    أطرقت برأسي رفضا لتصديق ما أسمع.. وضغطت على عضدي أروى وقلت:
    "كلا.. أنت لا تعنين ما تقولين يا أروى.. لا شك أنني أحلم".
    أروى عصرت عينيها وتدفقت الدموع بغزارة منهمرة منهما.
    هززتها وقلت:
    "كلميني يا أروى.. أخبريني بأنك تهذين.."
    أروى فجأة رمت برأسها على صدري وانفجرت باكية وهي تزفر:
    "لا أتحمل هذا... ارحمني وليد.. لا يمكن لقلبي أن يتحمل العيش مع فتاة أعرف أنك تحبها.. ما الذي تخطط له بشأنها؟؟ كم أنت قاس علي..."
    وانهارت أروى في بكاء طويل حارق..
    لم أحرك ساكنا.. وانتظرت حتى أفرغت دموعها في ملابسي.. وبكاءها بين ضلوعي..
    بعدها أبعدت رأسها عن صدري ونظرت إلي..
    "ماذا قررت؟"
    سألتني ونظرتها متعلقة بعيني...
    فلم أرد.. فنادتني:
    "وليد... أنا.. أم هي؟"
    عضضت على أسناني توترا ثم قلت:
    "سأعتبر نفسي لم أسمع شيئا اليوم".
    قالت بحنق:
    "وليد.. لا تهرب من سؤالي".
    رددت بحدة:
    "إنه ليس سؤالا يا أروى... إنه الجنون.. يبدو أنك لم تسترخي بما فيه الكفاية بعد..
    سأتركك لتراجعي حساباتك الحمقاء هذه ثانية".
    وتركتها وغادرت الغرفة..
    في المزرعة وجدت العم إلياس والخالة ليندا يعملان مع بقية العمال في حرث بقعة من الأرض..
    قلت مخاطبا الخالة:
    "خالتي.. دعي عنك هذا أرجوك".
    فقالت بسرور:
    "إنني أستمتع بحرث الأرض يا بني.. ثم إنه تمرين جيد لتنشيط القلب".
    قلت:
    "بل هو شاق على مرضى القلب.. أرجوك توقفي".
    واقتربت منها وانتزعت الأداة من بين يديها وطلبت منها الذهاب للراحة..
    كانت أشعة الشمس لا تزال ساطعة بقوة والجو اليوم أكثر حرارة مما كان عليه الأسبوع الماضي..
    شمرت عن ساعدي وأمسكت بالمعول وجعلت أضرب الأرض بقوة.. وكلما تذكرت كلام أروى ضربتها بقوة أكبر وأكبر.. وكأنها السؤولة عن دوامة المشاكل التي أعيشها.. كأن بيني وبينها ثأر كبير...
    عملت بهمة لا تتناسب والحالة المزاجية المتعكرة التي تسيطر علي.. ومرت الساعات واختفى قرص الشمس خلف ستار الأفق.. الذي خبأ بحرص شديد.. ما ستشرق به شمس الصباح التالة..
    كان الإعياء قد نال من عضلاتي والعرق قد أغرق جسدي حينما ألقيت بالمعول جانبا واستلقيت على الرمال ألتقط أنفاسي..
    تنفست بعمق شديد وأنا شارد التفكير.. أنظر إلى السماء وقد بدأ الظلام يلونها بلون الحداد الكئيب...
    أمام عيني كنت أرى كلمات أروى تتراقص مع أوراق الشجر.. ذات اليمين وذات الشمال.. وتسبب لي دوارا..
    أغمضت عيني لأحول دون رؤية أي شبء.. فأنا هذه اللحظة لا أريد لأي مؤثر خارجي أن يغزو تفكيري..
    شعرت بشيء يسري على ذراعي.. حركت يدي فأحسست بحبات الرمل تعلق بي..جذبت نفسا فخيل إلي أنني أشم رائحة دخان السجائر.. وسمعت أصوات أشخاص كثر ينمنمون..
    فتحت عيني بسرعة.. وهببت جالسا..لمحت حشرة تسير على ذراعي فأبعدتها ونفضت التراب عن يدي.. وتلفت يمنة ويسرة أبحث عن مصدر الرائحة والصوت..
    لقد كنت واهما.. إنني في المزرعة الآن.. ولست في السجن..
    لا اعرف لماذا عادت بي الذكريات إلى الزنزانة.. وتوهمت أنني أنام على الفراش الخشبي القذر.. تعلق بي حبات الرمل والغبار.. وتسير الحشرات على جسدي.. وتحشو رائحة السجائر والعرق تجويف أنفي..
    كلا كلا!...
    وقفت منتفضا وأنا أطرد الذكرى البشعة من مخيلتي... مددت أطرافي الأربعة إلى أقصاها.. وتنفست نفسا عميقا وزفرت باسترخاء... ثم أجريت تمارين إرخاء سريعة.. دخلت بعدها إلى المنزل..
    تحاشيت الالتقاء بأروى وتعمدت عدم الظهور في أماكن تواجدها.. وأبقيت موضوعنا معلقا لحين إشعار آخر..
    .
    .
    .
    يتبع ،،
    هَمَيَ ذبَحَنَيَ وًّأنَتَ مَاَ تَرَحَمَ اَلَحَاَلَ

    أقَوًّلَكَ مَهَمَوًّمَ تَقَوًّلَ اَلَلَهَ يَعَيَنَك ،،

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الحقوق محفوظة للسبلة العمانية 2020
  • أستضافة وتصميم الشروق للأستضافة ش.م.م