إيمان الحوسنية
يقدِّم الدكتور غسان عبد الخالق بحثه بعنوان "مستقبل اللغة العربية في ظل صراع الحضارات"، والذي يحاول فيه تسليط الضوء على مستقبل اللغة العربية في ظل صراع الحضارات، وكيف يُمكننا النهوض باللغة العربية ومواجهة ما تتعرَّض له من صعوبات، وقد ابتدأ المقال بمقدمة صغيرة، يوضِّح فيها العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر أو اللفظ والمعنى وكيف أنهما غير مفصَّلين، وأن اللفظ ليس إلا انعكاسا للمعنى الباطني أو الفكر، ومن ثمَّ تطرَّق إلى الحديث حول ما توليه منظمة اليونسكو من اهتمام في مسألة حفظ وتطوير اللغات الحية بوجه عام واللغات الرئيسية في العالم بوجه خاص، وكيف أن مسألة حفظ اللغة وتطويرها باتت تتصدر أوليات الكثير من الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وذكر بعض الأمثلة على هذه الدول، ومن ثمَّ تطرَّق إلى الحديث عن اللغة العربية في ظل صراع الحضارات، وذكر أنَّ نسبة الناطقين باللغة الإنجليزية قد هبطتْ على مستوى العالم في مقابل صعود بعض اللغات؛ ومن بينها: اللغة العربية، وماله من أثر في توزيع القوة العالمية مستقبلا؛ وذلك أنَّ "التحولات في توزيع القوة العالمية تؤدي عادة إلى تحولات في استخدام اللغات", وأنَّ الشعوب القوية هي التي تفرضُ لغتها على الآخرين؛ وبالتالي تفرضُ هويتها الاجتماعية وحضارتها؛ فاللغة والهوية مرتبطان، وهما يكمِّلان بعضهما البعض, كما هو حاصل الآن فيما يتعلق باللغة الإنجليزية، وهي اللغة الرئيسية في العالم؛ لكونها لغة الأقوى، وكيف استطاعتْ فرض هُويتها عن طريق اللغة، وأنهى الدكتور غسان بحثه بالتشديد على أنَّ مستقبل اللغة العربية منوط أولا وأخيرا بتغيير الصورة النمطية لمدرس اللغة العربية، والقيام بإعادة تأهيله، وقد ذكر بعض النقاط المتعلقة بكيفية بناء شخصية مدرس اللغة الغربية، لينتهي البحث عند هذه النقطة.
والآن، وبعد أن فرغتُ من تقديم ملخَّص بسيط عن البحث؛ فإنَّ لي بعض الملاحظات والانتقادات لما تفضل به الدكتور غسان، وسأستهلها بما ذكره في المقدمة من علاقة اللغة والفكر، فهو لم يوضح ما هي أدلته على ارتباط اللغة بالفكر، بل اكتفى بالسخرية ممن يفْصلون اللفظ عن المعنى، ووصف هذا الرأي بأنه ساذج؛ حيث قال: "وهو ما يرفع تلقائيا أغلوطة الفصل بين اللفظ والمعنى، ويجعل منها مَحْضَ ثنائية صورية تسوغ ذلك التصوُّر الساذج للغة على أنها محض وسيلة أو حامل أو وعاء للموضوعات والثقافات والأفكار".
وفي الحقيقة أنَّ جدلية اللغة والفكر منذ القدم إلى الآن، لا يزال البحث فيها مستمرا، وإنَّ المسألة فيها آراء واختلافات، وليستْ قطعية، حتى يصف الدكتور غسان الرأي الآخر بالسذاجة دون تقديم الأدلة الكافية على ذلك أو حتى توضيح أنها مسألة جدلية وليستْ محسومة، ومن هذا المنطلق يقول الدكتور حامد كاظم من كلية اللغات في جامعة بغداد "وإذا كانت الدراسات القديمة لم تتفق في تصورها للعلاقة بين اللغة والفكر؛ فإنَّ تصوُّر هذه العلاقة في الدراسات اللغوية المعاصرة أصبح أكثر تعقيدا بسبب تطور الدراسات في علم اللغة وتشعُّب علومها؛ فاللغة في الدراسات المعاصرة -من حيث حقيقتها- تتصل بالمكونات الأربعة للإنسان؛ وهي: الميدان الفيزيقي، والميدان العضوي، والميدان النفسي، والميدان الروحي، وهذه الصفة المعقَّدة التي تتصف بها الظواهر اللغوية تجعل التحديد الدقيق للظواهر التي يشتغل بها علم اللغة أمرا بالغ الصعوبة".
... إنَّ الدراسات اللغوية المعاصرة -كما يقول الدكتور حامد- قدَّمت آراء عديدة، توضِّح علاقة اللغة والفكر؛ لعل أهمها يكمن في نظريتين رئيسيتين؛ هما: استقلال الفكر عن اللغة مع وجود تلاحم بينهما وعلاقة تكاملية، والنظرية الثانية هي: نظرية العزل؛ أي أنَّ اللغة هي وعاء للفكر؛ وبالتالي فإنَّ اللغة معزولة عن الفكر؛ وبالتالي فكان من الأفضل لو استخدم الدكتور غسان لغة موضوعية في حديثه عن هذا الأمر بعيدا عن إطلاق الأحكام المسبقة.
وكذلك فيما يتعلق بقوله بأن مستقبل اللغة العربية منوط أولا وأخيرا بتغيير الصورة النمطية لمدرس اللغة العربية وإعادة تأهيله، فإنَّه يتبادر إلى ذهني عدة أسئلة، وهي: هل يكفي تغيير الصورة النمطية للمدرس لإنقاذ اللغة العربية وجعلها الهدف الأول والأخير؟ وماذا عن مدى استيعاب اللغة العربية للمصطلحات الحديثة في العلوم المختلفة؟ وهل الخلل من اللغة العربية ذاتها أم هو قصور منا؟ وهذا يجعلني أعود لأحد المقالات المهمة للباحث التربوي بن داود المرزاقي؛ حيث تحدَّث فيه عن أحد الأسباب الرئيسية التي من شأنها النهوض باللغة العربية، وهي مسألة اللغة والاصطلاح؛ حيث يعرِّف المرزاقي الاصطلاح بأنه "اتفاق العلماء على ألفاظ العلم"؛ حيث إنَّ المصطلح يكون دقيقا وعلميا، ولكننا نرى في حياتنا اليومية، وجود نوع من القطيعة بين اللغة العادية أو لغة العامة، وبين لغة العلماء؛ حيث يكثر استخدام المجازات والإيحاء وربما التضخيم وحتى المغالطات، والتي تؤدي بدورها إلى أخطاء فكرية، بينما لغة العلم تهتم بالمصطلح بدقة. والجدير بالذكر أنَّ العناية بالمصطلح ليست وليدة الساعة، بل لقد اهتم المسلمون في العصور الوسطى بمسألة المصطلح اهتماما شديدا، وحينما قاموا بنقل العلوم المختلفة من الحضارة اليونانية وغيرها؛ فإنَّهم لم يكتفوا فقط بالنقل والترجمة، بل ابتكروا مصطلحات علمية مختلفة تواكب الحضارة في ذلك القرن، وهذا يجعلنا نستبعد أن يكون الخلل من اللغة العربية ذاتها؛ فقد أثبتت على مدى عصور طويلة، قدرتها على التجديد والابتكار والاشتقاق ومواكبة العصر، ولكن الخلل والقصور يكمن فينا نحن أبناء هذا القرن، فقد اكتفينا بنقل العلوم المختلفة، ولكننا لم نقرُّنها باهتمام جاد، فيما يتعلق بابتكار مصطلحات علمية، مشتقة من لغتنا العربية؛ لذلك فإنه من الطبيعي أن تدرس بعض المناهج العلمية باللغة الإنجليزية؛ لذلك فإنني أرى أن الدكتور غسان عبدالخالق لم يُولي هذه المسألة -لدى حديثه عن عوامل نهضة اللغة العربية- ذلك الاهتمام، في حين أنني أراها مسألة مهمة جدا، بل أكتفي بطرح حلول ثانوية، وجعلها الهدف الأسمى.
وأخيرا.. فإنَّ مسألة النهوض باللغة العربية، لابد أن تكون من سلم أولوياتنا؛ لكون اللغة هي انعكاسا لهوية حضارة بأكملها، ولقد تنبهت لذلك العديد من دول العالم؛ فأولتها اهتماما وميزانية من الدولة مخصَّصة فقط للنهوض باللغة.




رد مع اقتباس