الشاعر العماني أبو مسلم البهلاني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ...
هذه نبذة بسيطة عن شاعر العلماء وعالم الشعراء
فضلية الشيخ أبو مسلم البهلاني -رحمة الله عليه-:
يحتل أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني (ت 1920م) مكانا مميزا بين شعراء عصره في (عمان)، فلقد لقي من الإعجاب الجماهيري ما لم يلقه سواه، فذاع شعره عبر وسائل مختلفة: مكتوبة ومسموعة، وتعددت المخطوطات التي تضم شعره : حتى بلغ عدد ما توصلنا اليه منها (17) مخطوطا، وهي نسبة مرتفعة في حد ذاتها، ونجزم - في الوقت ذاته - بوجود مخطوطات أخرى في مكتبات خاصة لم نستطع الحصول عليها لضنين أصحابها بها.
وكان ديوان أبي مسلم البهلاني أول ديوان عماني يأخذ طريقه الى المطبعة، إذ تم طبعه عام (1928م)، وهذا على خلاف ما جزم به عبدالله الطائي في كتابه "الأدب المعاصر في الخليج " من أن ديوان سعيد المجيزي هو أول ديوان عماني يطبع، وطبع هذا الأخير ط م (1917م) أي بعد طبع ديوان أبي مسلم بتسع سنوات، وقد توالت طبعات ديوان البهلاني بعد ذلك ثلاث مرات خلال الأعوام التالية (1957 م، 1980م، 1986م).
ولم يكن هذا الاحتفاء بالشاعر متصورا على ابناء جيله، فقد امتد بعد ذلك لدى الأجيال اللاحقة، التي استخدمت معطيات العصر الحديث لنقل قصائد البهلاني الوطنية، وقدمت الاشرطة السمعية فرصة غالية لمن يريد أن يستمع الى تلك القصائد ل أي وقت، وهي مسجلة بأصوات مشهورة بجمال إلقاثها حسب الطريقة العمانية المشهورة في التغني بالشعر، ومن بين هؤلاء الشداة : سالم الحارثي وموسى الرواحي ومحمد الغاربي.
وقد يتساءل المرء عن سبب هذا الاحتفاء الكبير بشعر البهلاني، والاجابة عل ذلك تحيلنا الى استحضار حالة العالم العربي في تلك الفترة (أي خلال القرن 19 وبداية القرن 20)، وصحوة الروح القومية المنادية باسقاط الاستعمار الغربي، وهي حالة تنسحب عل عمان بشكل أو بآخر، وكان شعر البهلاني هو ذلك النذير والمنبه الداعي الى جمع الكلمة ونبذ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لذا فقد وجد العمانيون في شعر أبي مسلم توصيفا لمواطن أدوائهم، وتعبيرا عن الآمال التي يطمحون الى تحقيقها، وكانت قصائده تتري الى الزعماء العمانيين - رغم وجوده في افريقيا الشرقية - ليتكاثفوا يدا واحدة حول الامام سالم بن راشد الخروصي (13 19م - 1919م).
كما يشكل أبو مسلم البهلاني نموذجا جيدا للشخصية النهضوية متعددة الاهتمامات، فقد كان فقيها مشاركا بمؤلفه الضخم "نثار الجوهر" وقاضيا مبرزا احتل رئاسة هذا السلك، الى جانب ذلك قام البهلاني بتحرير أول صحيفة عمانية.، هي صحيفة (النجاح 1911م)، التي فتحت المجال أمام مشاركات عمانية عديدة، فظهرت عل خطي لم النجاح) الصحف التالية : (الكفاح، 1928م) و(الفلق 1929م) والنهضة، 1951م لم و (المرشد عام 1953م لم و(زنجبار،...)
إن تلك الاهتمامات عل اختلاف مناشطها تجمعها روح البهلاني الاصلاحية، التي تجرب وسائل متنوعة لايصال صوتها ويظل الشعر بينها أقوى ملكات البهلاني،والأداة الفاعلة لايصال صوته الاستنهاضي، بما ضمه هذا الشعر من مقومات فنية ضمنت سيرورته وبما فتحه البهلاني من آفاق جديدة تبعته فيها مجموعة من الشعراء العمانيين بعده، ونشير هنا الى ظهور مدرسة شعرية يمكن ان نطلق عليها «مدرسة البهلاني» فقد كانت دعوة البهلاني الوطنية وكذلك مشاركاته الشعرية الخارجية واستلهامه التراث الشعري في أزهى عصوره أبوابا عديدة تدفعنا الى اعتبار البهلاني رائدا للشعر العماني الحديث.
المعارضة قنطرة الريادة :
ما مدى تمثل أبي مسلم البهلاني (ت 1920م) للتراث الشعري؟ كيف تعامل معه ؟ هل أكتفى باجتراره ؟ أم استطاع امتصاصه، وتوظيفه توظيفا خلاقا؟ ما هي المكانة الشعرية التي حققها أبو مسلم ؟ وما مدى تأثيره على من جاء بعده من الشعراء العمانيين ؟
يضع عباس محمود العقاد أربع مراحل ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة وهذه المراحل هي:
"أولها": دور التقليد الضعيف، أو التقليد للتقليد.
و«ثانيها»: دور التقليد المحكم أو التقليد الذي للمقلد فيه شيء من الفضل، وشيء من القدرة.
و"ثالثها" : الابتكار الناشىء عن شعور بالحرية القومية.
و"رابعها": الابتكار الناشىء من استقلال الشخصية أو شعور بالحريه االفرديه ". (1)
ومكانة أبي مسلم البهلاني من تلك الأدوار تقع في الدور الثالث، وهو بذلك يلتقي مع الدور الذي قام به محمود سامي البارودي (ت 1907م) في النهوض بالشعر العربي، وانتشاله من هوة التقليد التي سقط فيها، وذلك بالعودة الى النماذج الشعرية ابان عصور الازدهار الأدبي، وكانت المعارضات من أبرز القناطر التي عبرت بالشعر الى دور الاجادة الخلاقة، وهنا سؤال يفرض نفسه، ألم تظهر المعارضات الشعرية عند الشعراء العمانيين قبل أبي مسلم ؟ وما الذي منع تلك المعارضات من تحقيق النهضة الشعرية في (عمان)؟ والحقيقة أن المعارضات ظهرت لدى الشعراء السابقين على أبي مسلم، لاسيما شعراء عصر النباهنة، كسليمان بن سليمان النبهاني (ت 915 هد/ 1509م) (وأبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي الستالي من شعراء القرن السابع الهجري لم وغيرهما، إلا أننا لا نجد في علك المعارضات بروز الصوت الخاص بالشاعر، وذلك الامتصاص المطلوب، حتى تكون المعارضة جزءا من نسيج الشاعر، يستعين بها كلما أراد التعبير عن تجربته الذاتية، بل إننا نجد أولئك الشعراء يقعون تحت سيطرة النصوص التي يعارضونها، وذلك كما يبدو من النموذج التالي للنبهاني، أحد أشهر شعرائهم والذي يقول معارضا أبا العلاء المعري:
الا في سبيل المجد ما أنا صانع
نفرع وضرار ومعط ومانع
أعندي وقد أحرزت كل جميلة
يذعر جار أو يدعر وادع (2)
بينمايقول أبو العلاءالمعري:
الا في سبيل المجد أنا في فاعل
عفاف واقدام وحزم ونائل
أعندي وقد مارست كل خفية
يصدق واش أو يخيب سائل (3)
ورغملجوءالنبهاني الى قافية مغايرة، إلا أن ذلك لم يحقق استقلالا لقصيدته، وهكذا اكتفىشعراءتلك الفترة باجترار تجارب سابقيهم وأسلوبهم، وظلت مهمة الشاعر المعارض مهمةتوليفية. واذا عدنا الى أبي مسلم البهلاني، نجده يحسن توظيف النصوص الشعريةالتراثية،ويتمكن في معارضتهلتلك النصوص من خلق أجوائه الخاصة، والتعبير عن تجربتهالذاتية. لدرجة أن النص المعارض يسجل غيابا ملحوظا، ما عدا بقاء شكله الموسيقي الذييحيلبطرف خفي الى القصيدة الأول المعارضة - وذلك أمر سنوضحه لاحقا. من هنا ندرك أندورأبي مسلم البهلاني دور ريادي في البعث الشعري في (عمان)، ولن نتجنى على الحقيقةإذاقرنا دوره بدور محمود سامي البارودي آت 1907م) وعلى الرغم من عدم توافر الأدلةلديناعلى أي علاقة كانت بينه وأبي مسلم، غير أننا نستطيع افتراض نوع من الصلةالأدبية،فقد كان أبو مسلم متابعا لما يدور في (القاهرة) من أحداث (4)، والى جانبدورهمافي البعث الشعري فقد انشغلا بقضايا أوطانهما، وفضح المكائد والألاعيب التيكانيحركها الاستعمار، يقول عمر الدسوقي عن شخصية البارودي في شعره السياسي: "ومنالأغراضالقديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة، وظهرت فيها شخصيته مجلية تفصحعننفسه الأبية المتمردة على الظلم والطغيان، المحبة للعدالة والشوري والمساواة بينالناس" (5)،أليست هذه النفس الأبية المتمردة عل الظلم والطغيان هي النفس التييقابلهاالقاريء لشبر أبي مسلم، لاسيما في مقصورته وعلى الأخص عندما يقول:
وأصبح استقلالكم فريسة
بين كلاب النار يا أسد الشرى
أليس عارا أن نعيش أمة
مثل اللقا أو غرضا لمن رمى
يلفنا الخزى الى أو كاره
ويحكم النذل علينا ما يرى (6)
إن الانشغال بالهم السياسي والاجتماعي للوطن هو الذي فجر عند الشاعرين روح الابتكار، فهل لنا أن نؤكد ثانية على ما ذهبنا اليه في بداية الحديث : هن وضع أبي مسلم البهلاني في الدور الثالث من السلم الذي اقترحه عباس محمود العقاد، للمراحل التي ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة.
ونقترح لبيان الكيفية التي تعامل بها أبو مسلم مع التراث الشعري المحاور التالية :
1- رصد القصائد المعارضة والمعارضة.
2- اختيار نموذجين ودراستهما.
3- دراسة مستويات التضمين.
رصد القصائد المعارَضة والمعارضة:
يقدم لنا الجدول التالي بيانا بمعارضات أبي مسلم البهلاني، موضحا فيه أهم البيانات المتعلقة بالقصيدتين المعارضة والمعارضة :
1- تتمدد المساحة الزمنية لمجالات النصوص المعارضة بدءا من القناص مع قصيدة الفرزدق (ت 772م) العينية، وال القناص مع قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1870م) غير أن الملاحظ هو غياب النصوص التي تنتمي الى العصر الجاهلي، وان كان ذلك لا يعني غيابها الكامل، فهي تتواجد بشكل أقل كثافة كما يكشف عنها (التضمين)، الذي يعكس مدى تماهي النصوص القديمة مع النص المنتج لأبي مسلم البهلاني.
2- كذلك يكشف الجدول السابق عن عدم انتقائية القصائد المعارضة. وعدم التقيد بالفرض الأصلي لها، فقد عارض أبو مسلم شاعرا متحررا كأبي نواس الحسن بن هانىء (ت 814م)، وعارض شاعرا ملتزما كابن الفارض عمر بن أبي الحسن (ت 1234م) وهو في معارضتيه لم يتقيد بمشاكلة الموضوعات المعارضة.
3- حازت قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (1287هـ/ 1870م) أولوية خاصة فقد عارضها أبو مسلم ثلاث مرات مما يعكس مدى عكوف أبي مسلم على شعر الخليلي وتمثله له، فقد كانت تجربته الحياتية مثالا له حاول أن يقتفيه، ودعا الى الاطروحات نفسها التي نادى الخليلي بها، وهو في هذه المعارضات أكثر التحاما بالنص المعارض أو النص الأول – اذا افترضنا أن ثمة نص أول هناك – فقد حافظ ليس فقط على الموضوع (ديني – استنهاضي) بل على وحدة الأفكار ووحدة ترتيبها، لهذا كانت معارضته تخميسا مما يعزز قوة الترابط بين النصين.
4- لم تكن معارضات أبي مسلم الأخرى تكشف عن مصدرها، فلا تشير الى اسم الشاعر المعارض أو الى قصيدته، وانما يلفت نظر الدارس - بصورة أولى - ذلك التشاكل في البناء الموسيقي بين قصائد أبي مسلم والقصائد التي عارضها، فقد كان أبو مسلم يخلق لنفسه عوالمه الخاصة التي تفرضها تجربته الشعرية، ولا يبقى إلا ذلك التناظر الشكلي الموسيقي، والا بعض المقاطع أو التراكيب المهاجرة عن النص الأول، كما حرص الشاعر على تأكيد تلك المجاوزة للقصائد المعارضة بزيادة عدد أبيات قصائده على نظيراتها من القصائد المعارضة، فعلى سبيل المثال تبلغ مقصورة ابن أريد ( 250) بيتا، بينما بلغت مقصورة أبي مسلم (398) بيتا وكذلك بلغت قصيدة أبي الفتح البستي النونية (59) بيتا، بينما بلغت نونية أبي مسلم (382) بيتا.
وسوف نحاول تعزيز فكرتنا حول مدى امتصاص أبي مسلم للتراث الشعري ومقدرته على إعادة توظيفا دون أن يعني ذلك مسخا أو سلخا له، واذا كان الظرف الحالي لا يمكننا من دراسة المعارضات جميعها فليس أقل من أن ندرس نموذجا منها، يمكن أن يقدم لنا تصورا عن مدى تمثل أبي مسلم للتراث الشعري العربي، وطريقته في إعادة توظيفه ويجيب على التساؤلات التي طرحناها في بداية هذه الدراسة.
دراسة نموذجين:
تمثل قصائد أبي مسلم استقلالا عن القصائد المعارضة، وتصلح المقصورة لبيان ذلك الاستقلال كما يصلح غيرها، وقد عارض بها أبو مسلم مقصورة ابن أريد الحسن بن محمد بن أريد (ت933م) والتي تحتل مكانة متميزة في ديوان الشعر العربي، فلقد عارضها كثير من الشعراء، الذين أخذوا باتساق بنائها الفني الداخلي، إذ جعل لها محورا واحدا هو شخصية الشاعر ذاتها (31)، وقد عارضها أبو مسلمبمقصورة حملت دعوته الوطنية، التي استنهض بها مواطنيه في «عمان » و(زنجبار) وحثهم على القيام ضد الاستعمار، وعدم الخنوع له.
على مستوى الغرضين يبرز لنا مدى تباعدهما، وانفلات أبي مسلم من اسار موضوع المقصورة الأولى، وامعانا في إبراز مدى استقلالية النص المعارض عن النص المعارض نقترح دراسة المقصورتين عبر وسيلتين :
أ - الموازنة بين موضوع فرعي مشترك ورد في كلتا القصيدتين.
ب - تتبع مقاطع النص المعارض، وابراز مدى سيطرة مقاطع النص المعارض عليه.
وبالطبع فإن الحركات الرئيسية المشكلة للقصيدتين تختلفان تمام الاختلاف، الا إننا نجد موضوعات جزئية عالجها النصان، وهي:
1- البكاء على المشيب.
2- طيف الأحباب.
3- عتاب الدهر.
4- الجديدان يبليان.
5- وصف اليعملات.
6- وصف الخيل.
7- وصف الفارس.
8- وصف السيف.
9- وصف الفرس.
10- وصف الذات.
11- البرق.
12- الحكمة.
وقد وقع اختيارنا على دراسة موضوع (وصف الذات). على اعتبار أنه الأكثر كثفا عن الهموم الذاتية لكلا الشاعرين.
أ - موضوع "وصف الذات" مشترك بين مقصورتي ابن أريد وأبي مسلم :
- ابن أريد يصف نفسه :
56- لست اذا ما بهظتني غمرة
ممن يقول بلغ السيل الزبى
57- وان ثوت تحت ضلوعي زفرة
تملا ما بين الرجا الى الرجا
58- نهنهتها مكظومة حتى يرى
مخضوضعا منها الذي كان طغى
159- ولا أقول إن عرتني نكبة
قول القنوط انقد في البطن السلا
160- قد مارست مني الخطوب مارسا
يساور الهول إذا الهول علا
161- لي التواء إن معادي التوى
ولي استواء إن موالي استوى
162- طعمي شري للعدو تارة
والراح والأري لمن ودي ابتغى
163- لدن إذا لوينت سهل معطفي
ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا
164- يعتصم الحلم بجنبي حبوتي
إذا رياح الطيش طارت بالحبى
165- لا يطيبني طمع مدنس
إذا استمال طمع أو أطبي
166- وقد علت بي رتبا تجارب
أشفين بي منها على سبل النهى
167- إن أمرر خيف لإفراط الأذى
لم يخش مني نزق ولا أذى
168- من غيرها وهن ولكني امرؤ
أصون عرضا لم يدنسه الطخا (32)
- أبو مسلم يصف نفسه:
81- إني أصون صفحتي مقتنعا
بما يطيف من علالات الحسي
82- أنبو والهرب أواري ساعيا
عن مشرب أشربه عل القذى
83- يحمي الكريم عرضه ويحتمي
أن يرد الآجن من كل الركي
85- ولا أقامي طمعا مقاردا
ولست ولاجا بأسواه القمي
86- كي لا ترى عين خسيس موقفي
ببابه منتظرا منه الجدا
93- آليت لا تطو يدي يد امرىء
يسفلها اللؤم ويطغيها الفنى
98- ولا أبات شاكها من حسد
قد هيأ الله لكل ما كفى
105- ما سرني من الثراء وفره
ان كان بين اللؤم والحرص نما
106- إذا نفته هكذا وهكذا
صنائع في أهلها فقد زكى
117- لست على الحمد من الأمر إذا
غالطته خلابة فيما أتى
118- آتيه نصا فإذا خادعني
فوضتها الله يقضي ما قضى
120- ان وسع الدهر احتمال عاجز
فهو سلاحي وتلادي المجتبى
124- وإنني الحتف على لئامه
انكأ في حلوقهم من الشجي
125- أذود عن حريتي بحقها
وأجهد النصر لحر مبتلى
126- وانني لا أعرف الحد لما
أسطيع أن أنجزه من العلى (33)
تكونت مقطوعة ابن دريد من (13) بيتا في 3 فصول، ابتدأها بنفي الضعف وقلة الاحتمال عنه، وأنه يكظم زفرته الحرى تحت ضلوعه فقد مارس الخطوب واعتادها، وهذا الفصل ورد في الأبيات (156 – 160).
وفي الفصل الثاني: الأبيات من ( 161 - 164) يتحدث الشاعر عن طريقته في التعامل مع الآخرين فهو سهل لين مع من يواليه، صعب ملتو مع من يعاديه، وقد أبرز ذلك في صورتين متقابلتين، تستمدان الجانب التذوقي في تعزيز فاعليتهما، الصورة الأولى أن طعمه كالحنظل «الشرى» في المرارة، ولا يستلذ طعم الحنظل أحد، ويقابل هذه الصورة المنفرة صورة مغرية فهو كالراح أو العمل في استلطاف أصحابه له، وهي صورة أملاها عليه ما عرف عنه من ميله الى الشراب واكثاره له.
ويتصل الفصل الثالث : الأبيات من ( 165 - 168) بنظرته الى المال فلا يستميله اليه طمع، إذ أن التجارب صقلته، ثم يختم هذا الفصل بما يمكن أن يعاد الى الفصل الثاني، فهو يتحدث عن طريقته في التعامل مع الآخرين وكيف أنه لا يفرط في الأذى.
تكونت مقطوعة أبي مسلم من (15) بيتا في (4) فصول، والملاحظة الأولى التي نسجلها هنا تكمن في طريقة من طرائق أبي مسلم في التعبير، والتي تتمثل في الاستطراد لتوضيح فكرة ما، فتكشف الفراغات التي تركناها ذلك، وقد حذفنا الأبيات التالية أرقامها: ( 84، 87،- 92، 94، 97. 99، 104، 107-116، 119، 121- 123)، فقد حذفنا (29) بيتا مما رأيناه استطرادا لتوضيح الفكرة نفسها، وذلك ما لم نجده عند ابن أريد، فلم نحذف شيئا من مقطوعته وان كنا قد وجدنا أمرا آخر هو عودته الى تأكيد بعض الأفكار - كما سبق وأوضحنا.
ابتدأ أبو مسلم الفصل الأول بالحديث عن عزة نفسه، في الأبيات (18-83) فهو يكتفي بالقليل من القوت صيانة لماء وجها عن السؤال، وهو يترك الماء إذا أصابه قذى من شدة حاجته اليه، وهذا يذكرنا بقول المتنبي:
وأصدى فلا أبدي الى الماء حاجة
وللشمس فوق اليأملات لعاب (34)
فعزة نفس الشاعرين تجعلهما يستغنيان حتى عن الماء اذا ما نغصه منغص.
يمثل الفصل الثاني الأبيات ( 85-06 1) ويدور حول نظرته الى المال فهو لا يرده شيئا ذد بال، حتى لا يسقطه ذلك في التذلل الى من عنده المال منتظرا جداه، واذا ما حصل على المال فلن يضن به دون أن ينفقه في الوجوه التي تضمن له البقاء الحقيقي، وهو خلود الذكر الحسن، وهو معنى ورد عند ابن دريد في بيت ينفي فيه الطمع عن نفسه، وقد فصل أبو مسلم فيه وأبرز موقفه من المال.
وفي الفصل الثالث (117 - 118) يتحدث الشاعر عن منهجه في التعامل مع الأمور والقائم على المباشرة والوضوح، وقد أبرز بذلك جانبا غير الجانب الذي تحدث عنه ابن دريد، أما الفصل الرابع ( 120 - 122) فهو جوهر موضوع الموازنة اذ يتصل باعتداده بنفسه، فهو الحتف على اللثام، يذود عن حريته، وينصر المبتلين، وهو ماء القصيدة القائمة على الاستنهاض. ففي تصويره لنفسه في هذا المستوى من البطولة يقدم نموذجا يحاول قارئه المتوقع أن يمثله، وقد ورد هذا الفصل عن ابن أريد في بداية المقطوعة بصيغة النفي، ومن غير أن يصل الأمر عنده الى طلب الحرية ونصرة المعقدين، وذلك يتصل بالباعث الأول لقصيدة ابن دريد، والذي اختلف - حتما - عما هو عند أبي مسلم، فقد صور ابن دريد عذاب مهاجر جنوبي يواجه الشدائد وحيدا.
من خلال الموازنة السابقة نخلص الى أن أبا مسلم لم يبق في اسار أفكار القصيدة المعارضة، وحتى حينما اخترنا موضوعا فرعيا، ورد في كلا القصيدتين وجدنا ذلك الاختلاف الظاهر على مستوى الإنكار المطروحة، وعلى مستوى الصياغة، فقد ظهرت شخصية أبي مسلم ونظرته الحياتية الخاصة، بعيدا عن أفكار ابن أريد وأطروحاته بما تمليها عليه شخصيته المتحررة، وقد وجدنا أبا مسلميعرض لتفصيلات وأفكار لم يعرض لها سلفه، كما اكتشفناه يستظهر فضاءات أخرى، كما في اشارتنا الى استلهامه بيت أبي الطيب المتنبي، وكل ذلك يعني أن اشتراك الشاعرين وفي موضوع واحد هو (الحديث عن النفس) لم يستتبع نسخا أو سلخا لأفكار القصيدة الأولى، وانما هو من قبيل المعاني الانسانية المشتركة الملقاة في الطريق على حد تعبير الجاحظ. وللتأكد من مدى مصداقية النتيجة التي توصلنا اليها سوف نقوم بدراسة مقاطع كلا المقصورتين.
ب- تناص المقاطع
من خلال المقطوعة السابقة لم نجد أبا مسلم البهلاني يستخدم مقاطع المقصورة المعارضة فلم نعثر على مقطع أعيد استخدامه مما يؤكد ضعف السيطرة التي مارستها القصيدة المعارضة على القصيدة المعارضة، واذا ما أغرانا ذلك بتتبع مقصورة أبي مسلم بصورة عامة، فإننا نجده يستخدم ستة مقاطع فقط مما ورد في المقصورة المعارضة، على مدار المقصورة بأكملها.
وقد أثرت تلك المقاطع على بنية البيت إذ قامت بنقل بعض الكلمات المجاورة لها، وفقا لقانون (العلاقات السياقية)، أو علاقات المجاورة حسب رأي جاكوبسون (35)، فعندما يأتي المقطع (المنتضى) فإنه يستتبع معه لفظ (السيف):
ابن دريد - واحترم الوضاح من دون التي
أملها سيف الحمام المنتضى (36)
أبو مسلم - إن هزك الممنى هز طرده
أو هزك الهول فسيفا منتضى (37)
ولكن على صعيد المعنى يستقل بيت أبي مسلم - فالفاعلية هي وظيفة (السيف المنتضى) عند ابن دريد، أما عند أبي مسلم فدور (السيف المنتضى) دور مجازي يقوم على علاقة التشبيه، فكأنه يقول لمن يخاطبه (كن كأنك سيف منتضى مضاء وعزما).
وفي موضع آخر كان الشاعران أكثر تقاربا، فقد جاء المقطع (الزبى) واستتبعته جملة (بلغ السيل):
ابن دريد - لست إذا ما بهظتني غمرة
ممن يقول بلغ السيل الزبى (38)
أبو مسلم - جاس البلاء بالبلاد طاميا
فبز حتى بلغ السيل الزبى (39)
ويبدو لنا أن ذلك التقارب ليس بفعل تأثير القصيدة الأولى على الثانية، بل لأن القصيدتين توظفان مثلا سائرا، يضرب في شدة الأمر وبلوغه مبلغا فظيعا، إذن فذلك التقارب ناتج عن وحدة المصدر الذي استقى منه الشاعران بيتيهما.
4- التضمين: خصب الثقافة الشعرية.
يعالج (التناص) ظواهر عديدة من بينها (التضمين) وهو حسب تعريف أسامه بن منقذ : "هو أن يتضمن البيت كلمات من بيت آخر" (أ)، وهو صورة من صور التعامل مع التراث الشعري الى جانب المعارضة.
ويحفل شعر أبي مسلم البهلاني بالكثير من الأبيات المضمنة، والتي تحيل الى مدى خصب ثقافته الأدبية، فتلك الإحالات تهاجر عبر فضاء واسع، ينتظم العصور الأدبية وذلك ما سوف تزيده الأمثلة القادمة وضوحا - كذلك فإن تلك التضمينات تشير الى مخزون متعدد المشارب فنجد الأمثال والحكم والشواهد النحوية.
وبموازنة ظاهرة (التضمين) مع ظاهرة المعارضة نجد أن الأولى لم تحقق الاصالة والامتصاص نفسيهما اللذين رأيناهما في المعارضة، ولكنها حاولت المراوحة بين الاستعادة الباردة لقالب الصيغة السابقة، وبين الامتصاص الواعي للمعاني القديمة، واعادة توظيفها بعد أن يتم صقلها ضمن التجربة الشعرية لأبي مسلم، وهكذا فإن النماذج التي بين أيدينا يمكن أن تعالج في قسمين :
أ – اجترار صيغ الذاكرة
وفيه تبدو ظاهرة التضمين باردة الفعالية، فتدخل العبارات القديمة دخول الشاهد أو المرجع، دون أن تمتزج ببنية البيت، فغالبا ما تظهر كشطر كامل وضع بين معقوفتين، امعانا في إظهار الاستقلالية من ذلك قوله :
سائرا بالجد حتى نلته
"كل من سار على الدرب وصل " (41)
والشطرالثاني مثل سائر، نظماابنالوردي إذ يقول:
لا تقل قد ذهبت أربابه
كل من سار على الدرب وصل (42)
وقداستعادهأبو مسلم بالصياغة ذاتها، ولم يتصرف في تحوير بنيته، والا لقيل أنه منالمعانيالملقاة في الطريق - حسب الجاحظ، وقد ورد البيت في رثاء الشيخ نور الدينالسالميالذي سار على درب الجد فناله، وذلك إنه كل من سار على الدرب لابد أن يصل،وقدجاء المثل مدعما لوصول السالمي الى الجد والمجد وقد تهاجر أحيانا «صيغ الذاكرة» عن الثقافة النحوية يقول أبو مسلم:
لبست تقوى الله خوف المقت
"من لان ذا بنت فهذا بنتي" (43)
والشطر الثاني نظر فيه الى شاهد من شواهد شرح ألفية ابن مالك.
ويبدو لنا أن أبا مسلم نظر الى الشعر القديم نظرة تقدير، فهو عنده يمثل الفحولة أو النموذج الذي يحاول الوصول اليه ومن هذه النظرة اكتسب الشعر القديم مكانته عند أبي مسلم، فأورده كمؤكد على ما يقول، ولم يتجاسر عليه - ليس هذا الحكم على طول الخط - بالتغيير أو التصرف في الصياغة.
ب- محاولة الامتصاص.
وهي على قلتها تحاول أن تمنح البيت المضمن حركة، لما فيها من التمثل، ومحاولة سبك المعنى القديم في صياغة جديدة، وتجذيره ضمن أفكار القصيدة ذاتها، فلا يبدو منفصلا باستقلاليته، وانما يظهر مرتبط الوشائج بأبيات القصيدة، وهذا يذكر بمقدرة أبي مسلم على هضم التراث الشعري وامتصاصه ثم إعادة إنتاجه، وفقا لرؤية خاصة.
وفي الاشارة الى التاريخ القديم للنبي "ص" وهو في ظلال الجنة، ثم هبوطه الأرض مع آدم وزوجه حينما بدت لهما، سوأتهما، فطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة (44)، قام ابو مسلم بتحوير مجال استخدام هذه الفكرة، إذ أوردها في إطار مديح السيد حمود بن محمد البوسعيدي:
وترقبه العلياء من قبل آدم
الى أن بدا كالنور من حضرة القدس
وعمت نفوس الكون منه بشائر
فكانت مقام الحس من عالم الحس
فبشرى سرير الملك أم مليكه
تنزل منه منزل الروح في النفس (45)
ويقولالعباس بن عبدالمطلب:
من قبلها طبت في البلاد وفي
مستودع حيث يخسف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر
انت ولا مضغه ولا علق (46)
والجامع بين الأبيات السابقة هي أنها تثبت للممدوح قيمة معينة هي قيمة القدم، مما يعني أصالة المعدن، وقد قام أبو مسلم بتوظيفها ونقلها من مجال المديح النبوي الخالص أو من المجال الصوفي - إذ وظفها الصوفية فيما بعد - الى مجال المديح البشري، كما أظهر استقلالية مستوى الصياغة فلا يكاد الدارس يلتفت الى ذلك الأصل الا بعد مداومة النظر.
ومن المعاني التي طرقها الشعراء ما يدور حول عدم جدوى الجهد الفردي إذا لم تسعفه إرادة الجماعة، يقول أبو مسلم :
أيهدم ألف ما بنى الفرد منكم
وكيف بناء الفرد والألف هادم (47)
وقولنظر فيه الى قولالشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه
اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
لو ألف بان خلفهم هادم كفى
فكيف ببان خلفه الالف هادم (48)
وهنا نرى أن الشطر الثاني لبيت أبي مسلم يستقي من البيتين معناه، وقد سبكه أبو مسلم ضمن فكرته الخاصة التي وردت في إطار عتابه لمواطنيه على تقاعسهم، وقد صاغه أبو مسلم بأسلوب الاستفهام الانكاري لتعزيز فاعليته.
- تأثير ابي مسلم على الشعراء العمانيين:
ملأ شعر أبي مسلم البهلاني المنتديات الأدبية في (عمان) ولم يترك ظرفا سياسيا الا وكان له فيه رأي، وقد سار شعره عند العام والخاص، وكانت له فاعلية كبيرة في تحريك الأحداث.
ووجد شعره تقديرا كبيرا لدى الشعراء المعاصرين له، كما ترسم خطاه من جاء بعده من الشعراء، أما الشعراء المعاصرون له فقد سلموا له بالسبق، يقول عبدالله بن محمد الطائي: "وعاصر أبو مسلمعددا من الشعراء البارزين منهم خميس بن سليم، والمر بن سالم، ومحمد بن شيخان، فتمكن من أن يكون المؤثر الأول والشاعر المحلي رغم ازدهار محيطه الأدبي" (49)، ذلك لأن شعره لامس أهم قضيتين في حياة العمانيين في تلك الفترة وهما :
أ - البحث عن الحرية الوطنية.
ب- اللجوء الى الزهد الديني.
إن ريادة أبي مسلم للشعر العربي في (عمان) تتحقق من خلال عودته الى النماذج المشرقة في شعرنا القديم، وكذلك من خلال ما اكتسبه شعره من واقعية ومشاركة لهموم الناس، والتعبير عما لحقهم من ضيم.
والحقيقة أن محاولات العودة الى الماضي بدأت منذ الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ/1870م) وكذلك التعبير عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية، غير أن أدوات الشيخ سعيد الخليلي الشعرية لم تبلغ – نضجا وموهبة – مبلغ ملكة أبي مسلم فقصائده في فتوحات الامام عزان بن قيس (1836 – 1871م / 1252هـ 1278هـ) تقترب من اللغة النثرية، كما يبدو في النموذج التالي :
فحصن نتوف لم يمنع ولا
حصن سيق وهو في الجبل الكؤود
وبيت سليط أسلمه ولم
يغن عنه البني من حجر مشيد
وخلي الجامع الحصن الذي كا
ن بيتا للعبادة والسجود (50)
أماشعر الشيخ سعيد الخليليالدينيفهو أكثر قوة وايحاء، واحساسا بالألم الذي يعصر كل مسلم غيور على وطنهوشعبه،لذا فإن ابتهالاته الى الله عكست صدق توجهه، يقول الشيخ سعيد:
الى مالك الملك العظيم اقتداره
الى من له الاملاك خير عبيد
وقوفا على أبوابه منه راجيا
قيام حظوظي في العلا وجدودي (51)
وقد تبنى أبو مسلم فكر شيخه الخليلي، فاسعفته مقدرته الشعرية على تحقيق الريادة الحقيقية للبعث الشعري في (عمان)، فدور الشيخ سعيد الخليلي هو دور المثير، الذي أرسل الشرارة الأولى، أما أبومسلم فقد تسلم الريادة وناضل عنها لتبقى عالية، وكان حظ الشيخ الخليلي أن تتحقق أطروحاته المذهبية والسياسية بتنصيب الامام عزان بن قيس البوسعيدي الامامة عام (1285هـ/ 1896م) أما أبومسلم فقد أسهم في الحث على وحدة الصف، ولم الشمل حول الامام سالم بن راشد الخروصي (ت 1338هـ/ 1919م)، كما رسخ رؤى استلهمها الشعراء من بعده، واقتفوا أثره، ومن أبرز الأسماء الشعرية التي تأثرت به :
1- عبد الرحمن بن ناصر بن عامر الريامي (1954م).
2- أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (1959م).
3- هلال بن بدر البوسعيدي (1965م).
4- سالم بن سليمان بن سالم البهلاني (1982م).
5- عبدالله بن علي الخليلي (معاصر).
أما أبرز المجالات التي أسهم فيها أبو مسلم إسهاما فعالا، وتبعه فيها من جاء بعده :
1- امتصاص التراث الشعري.
2- تبني الدعوة الوطنية.
3- الإلحاح على الشعر الديني.
4- المشاركة في الأحداث الخارجية.
وقد رأينا أن عودته الى التراث الشعري - عبر معارضته - تختلف عن عودة من سبقه، فهي عودة هضم وتمثل، دون أن تكون سلخا لذلك التراث، وقد عارض الشعراء بعده من سبقوهم، ولعل هذا الاتجاه يبرز بشكل واضح لدى هلال بن بدر البوسعيدي. فقد عارض أبا تمام بقصيدته البائية التي مطلعها:
أكثرت في القول بل أكثرت و الخطب
أقلل فديتك وأعمل يا أخا العرب (52)
وعارضدالية المتنبي بقصيدةمطلعها:
إشراق وجهك للعروبة عيد
فاهنأ بدهرك إنه لسعيد (53)
وكذلكسار الشيخ عبدالله بن عليبنسعيد الخليلي على نهج أبي مسلم في معارضة القدماء، فعارض مقصورة ابن دريدبمقصورةأولها:
يا ساري البرق يهلهل السما
يخط اسطارا كلألاء السنا (54)
كماعارضنونية ابن زيد ون بقصيدةمطلعها:
قم عانق الحسن والثمه رياحينا
وداعب الزهو جوريا ونسرينا (55)
وقدتلقفالشعراء العمانيون دعوة أبي مسلم الوطنية، لاسيما مع استمرار نفوذ الاستعماروبسطسيطرته، ومن بين أولئك الشعراء أبو سلام سليمان بن سعيد الكندي، وقد نظم قصيدةفيكشف الدسائس الأجنبية (بعمان) من هذه القصيدة:
عمان انهضي واستنهني الشرق والغرب
ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا
عمان انهضي واستعرضي كل باسل
كمي يجيد الطعن والرمي والضربا
عمان انهضي إن رب لك همنا
طلاب العلا ما نبتغي غيره كسبا (56)
ومن ضمن شعراء الاتجاه الوطني يأتي اسم عبدالله الطائي ل ت 1977م) الذي أشار في مقالة له عن أبي مسلم الى هذه الناحية الوطنية إذ يقول : "ولم يكن من هم أبي مسلم العيش فقط بل كان صاحب همم عالية، كان لا يفكر إلا في وطنه، ولذلك نجد شعره حافلا بالوطنيات وثابا بالحماس ففضل أن يترك بلاده ويرحل الى زنجبار بافريقية الشرقية حيث يستطيع أن يعيش في جو من الحرية ويرسل شعره دعوة صارخة باليقظة والنهضة " (57)، ومن غير شك فإن اقامه ابي مسلم و (زنجبار) أطلعته على أفكار زعماء الاصلاح المسلمين، وهكذا اتخذ أبو مسلم من صحيفته (النجاح 1911م) منبرا لأفكاره الإصلاحية.
ويشكل الشعر الديني جانبا مهما من الجوانب التي عالجها الشعراء العمانيون، وكتبوا في أهم محاورها، كتمجيد الذات الالهية أو المديح النبوي أو الشعر الصوفي، ولأبي مسلم ديوان كامل في هذا الفن أسماه : (النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني)، وهو عبارة عن ملحمة دينية، وقد مزج شعره الديني بهموم عصره، فكشف عن الأوضاع المتردية على المستويات الاجتماعية والسياسية، ويلتقي معه في هذا الاتجاه نظراؤه من ينتسبون الى المدرسة نفسها كأبي سلام الكندي والشيخ عبدالله الخليلي، وان كان أبو مسلم أكثرهم مشاركة عبر تأليفه الدينية.
ولم تقتصر مشاركات أبي مسلم الشعرية فيما يدور في وطنه من أحداث، بل كان اهتمامه بما يقع في العالم الاسلامي عامة، كمشاركته بقصيدة في مؤتمر الصلح الذي أشرف عليه رياض باشا، وقد شارك الشعراء بعده في الأحداث السياسية للعالم العربي، كمشارك ت هلال بن بدر البوسعيدي في الأحداث التي عصفت (بفلسطين) (58)، وبذلك انفتح الشاعر العماني على هموم أخيه العربي، ملغيا القطرية الضيقة، ومتواصلا مع أبناء الوطن العربي الواحد.





رد مع اقتباس