الشيخ صالح
بن علي الحارثي



مولده ونشأته
ولد الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن صالح بن عيسى بن راشد الحارثي في حديقة مضوت بالمضيرب. وذلك في سنة 1250هـ، استشهد والده في معركة في بلدة سيوي (مدينة في الصومال وهي تابعة في الوقت الراهن لدولة كينيا) في أفريقيا أثناء قيادته أحد جيوش السلطان سعيد بن سلطان ضد القبائل الخارجة عن طوع السلطان. وكان جده أيضاً قد استشهد في معركة قادها في عهد السلطان السيد سعيد بن سلطان في شمال الشرقية، وذلك قبيل ولادته.
أما أمه فهي من السمرات وكان لها فضل في نبوغ الشيخ صالح إذ بذلت كل ما في وسعها لتربيته التربية الجسمية والذهنية الصحيحة ويذكر أنها وفرت له مربية معروفة بطلاقة اللسان وقوة البلاغة والمنطق.
تربّى على يده جده عيسى الذي كان رئيسا على قومه الحرث فتعلّم منه القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة غير أن جدّه توفي عنه وهو لا يزال في الثامنة من عمره.
وكان وهو في هذه السن يذهب بصحبة أخيه ناصر إلى مسقط لتهنئة السلطان سعيد بن سلطان (كلما قدم إلى أرض الوطن) حيث جرت العادة عند العمانيين بأن يقوم الشيوخ والزعماء بزيارة السلطان عندما يعود من زنجبار-. وأثناء إحدى المقابلات أراد السلطان أن يختبره فسأله أن يلبس بدلا من خنجره الفضي خنجرا مطليا بالذهب غير أنه رفض، ثمّ سأله عن اسمه فقال له اسمي عامر، فقال السلطان أنا اسميك صالح فوافق على هذا الاسم وأصبح اسمه صالح منذ ذلك الحين، ثم قال له: (أنتم أولاد علي بن ناصر، النار تخلّف رمادا) فأجابه على الفور: (نار الكرب تخلف رمادا غير أن نار السمر تخلّف جمرا) فاستغرب السلطان من إجابته وتنبأ له بمستقبل زاهر.
دراسته
درس في فترة طفولته القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية على يد نخبة من المعلمين في بلدة (القابل) وبعد أن نضج واتسعت مداركه، سعى رحمه الله إلى تطوير قدراته في المجالات السياسية والعسكرية، فبدأ يبحث عن الرجل المتمكن من هذا العلم، وبعد التقصي وجد ضالته المنشودة في الشيخ العلاّمة سعيد بن خلفان الخليلي المقيم في بلدة بوشر من أعمال مسقط، فشدّ الرحال إليه.
وقد ذكر لولده عيسى بن صالح وقائع المقابلة التي تمت بين الطرفين على النحو التالي (ذهبت إلى الشيخ طالبا للعلم، وهو يعرض عني، وبقيت أياما أتردد بين بيته ومسجده، فلما رآني صابرا أعطاني كتابا وقال: اقرأ هذا الكتاب فإذا فرغت منه فأتني به، وبلغني أنه قال: إن هذا الولد من بيت شرف فإن كان طلبه لله فلن يستنكف من معاملتي له وسيرجع، وإن كان طلبه للدنيا فلن يرجع لأنّه يرى في ذلك إهانة له) وأضاف: (لمّا رأى مني اجتهادا أقبل علي اقبالا كليا، وقربّني منه فنلت خيرا كثيرا).
ولما كان يتتلمذ على الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي كان الشيخ يسأله دائما عم أحلامه فيقول: (لم أر شيئا) وبعد فترة قال الشيخ صالح: (رأيت في المنام أنّك تَفلْتَ علي ببزاق) فقال الشيخ سعيد (قرِّب ركبتك من ركبتي) مفسرا هذه الرؤيا بأنّه سيكون خليفة له في العلم.
شجرة نسبه
ذكرت كتب التاريخ أنّ جده راشد بن سعيد كانت تؤول إليه رئاسة الحرث، وكان يسكن سفالة إبرا، وقد بذل جهدا لإحياء تراث عمان، فأمر بنسخ الكتب ، وكان قاضيا لإبرا حيث أمر ببناء مسجد فيها. وقد رزق ناصر الذي أكرمه الله بإنجاب الزعيم الإمام المحتسب صالح بن علي.

أولاده
(عيسى)
ولد في اليوم الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1290هـ وتوفي في اليوم السابع من شهر ربيع الآخر سنة 1365هـ على إثر وعكة صحية ألمّت به في الظاهر حيث ظلّ مريضا حتى وافته المنيّة، ومن الظاهر حمل على الأكتاف إلى القابل مسقط رأسه.
وقد رثاه شعراء عصره ومنهم جمعة بن سليم بن هاشل الحارثي ومما قال:
مضى في سبيل الله عيسى بن صالح
فطوبى له مستصحبا كل صالح
مضى بمصابيــح العلوم وبالهدى
وأخلاقه الغُرُّ التـي كالمصابح
كان الشيخ عيسى بن صالح قائدا حكيما وكان مؤمنا صابرا، يعد أكبر إخوته سنا. تقلّد الشيخ عيسى منصب المشيخة على قبيلة الحرث بعد وفاة والده وكان في البداية يرفض قبول المنصب لأنّ والده أوصاه ألا يقبل منصب المشيخة بعد وفاته، فأصّر عليه الشيخ السالمي وأصدر عليه حكما شرعيا باتفاق من أسرته على تقديمه ولم يثبت الوصيّة، فانصاع لحكمه.
انتهج الشيخ عيسى نفس سياسة والده، فقد كان وجيها ومحترما عند الناس، وكان سمح النفس جوادا كريما، حثّ العمانيين على الوحدة ونبذ الخلافات، من أهم إنجازاته التي تضاف إليه في التاريخ العماني توقيعه لصلح السيب والذي أدى إلى توقف المصادمات والمواجهات القبلية التي عانت منها عمان في ذلك الوقت.
من مؤلفاته (الرد العزيز في أحكام الدريز)، و (رسالة في منع الإسقاط بالجوائح)، كما ألف كتابا كبيرا يحتوي على مسائل متنوعة.
(عبد الله)
الابن الثاني للشيخ صالح، كان زعيما مهيبا وقائدا مظفرا، نبغ منذ صغره فقاد الجيوش في حياة والده، وحقق الانتصارات، وكان ينوب عن والده في الصلح بين القبائل، وبتوفيق من الله نجحت أغلب مساعيه.
وكان أيضا شاعرا لا يستهان به في ميدان الشعر، غير أنّه عاش عشرين عاما، وتوفي في السابع من ذي الحجة من سنة 1312هـ بعد مرض ألمّ به، فحزن والده على وفاته حزنا مريرا إلى درجة أنّه خرج للعيد من دون أن يغير ملابسه، وبينما هو في طريقه للمصلى عاد ثانية إلى بيته وهو يقول في نفسه (إذا سألك ربك لم خرجت لصلاة العيد دون زينة؟ أتقول له لأنك قتلت ولدي؟) واستغفر الله لذلك وغير ملابسه.
(أحمد)
كان مهابا مطيعا لوالده تحلى بجميل الصفات، توفي في الثامن من شهر محرم سنة 1322هـ ولم تَتَعَدّ سنة خمسا وعشرين عاما.
(علي)
كان سياسيا محنّكا، اتسم بالورع والتقوى، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، كان من أشد المساندين لسياسة الإمام سالم بن راشد الخروصي، وأصبح في مقدمة رجالاته والمبعوث الرسمي للالتقاء برجالات وزعماء القبائل، توفي وعمره خمس وثلاثون عاما وذلك عند شروق الشمس سنة 1337هـ، وكان مصابه فادحا في قلوب الناس.
زوجات الشيخ صالح بن علي الحارثي
تزوج الشيخ صالح خمس زوجات وكان زواجه من كل واحدة لها أسباب وواع، نلخصها في النقاط التالية:
1- الشجاعة والقوة التي يتمتع بها ولي أمر الفتاة.
2- الأخلاق الحميدة المتميزة التي يتصف بها نسبها.
3- العلاقات السياسية وتقوية الروابط مع القبائل المختلفة.
4- علاقة النسب التي تجمعه بها.
وزوجات الشيخ صالح كالتالي:
1- تزوج من امرأة حجرية ولم ينجب منها وقد بقيت معه أربع سنوات وكان قد تزوجها بتوجيه من الإمام عزّان بن قيس.
2- ثم تزوج سليمة بنت سعيد الصقري (وكان والدها عالما ورعا زاهدا في الدنيا ومن أعماله الوطنية أنه أجرى فلج عز من المنطقة الشرقية، كما كان زعيما على عشيرته)، بقيت مع الشيخ حتى وفاته، وقد أنجب منها الأمير عيسى وعزيزة وشمسة وعائشة. كانت سليمة امرأة حليمة وزاهدة تعرف قدر الناس وكان الشيخ صالح لا يستغني عنها وقد حصل بينهما سوء تفاهم، مما دعاها إلى أن تذهب إلى بيت والدها، فاضطر إلى أن يذهب لاسترضائها. كما كان لها الفضل في إنقاذه من الهلاك حين أهداه شخص عباءة مسمومة فأوجست منها ريبة ونصحته بأن لا يلبسها، وقد أخذ الشيخ بنصيحتها وقد جربت هذه العباءة على قطة فماتت وأصبحت هذه الواقعة يضرب بها المثل (أقطع من سم البشت).
3- ثم تزوج موزة بنت جبر بن سعود الجبرية والتي بقيت معه حتى استشهد، أنجبت موزة عبد الله وأحمد وفاطمة وخديجة.
4- ثم تزوج زهية بنت حميد الغفيلية التي أنجبت له عليا، وقد طلقها بعد فترة قصيرة. وكان زواجه منها من أجل تعزيز العلاقة مع والدها الذي كان زعيما محالفا لقبيلته.
5- ثم تزوج بنت عمّه شنونة بنت حميد بن عبد الله الحارثي التي لم تنجب منه وقد طلقها في وقت مبكِّر غير أن العلاقة بينهما لم تشبها شائبة وهو الذي كتب وصيتها.

أخلاق وشيم
كان رضوان الله عليه كريما لا يبالي في الإنفاق ليس له اهتمام في جمع المال وادخاره، وقد أهداه أحد أصحابه ألفي قرش فضّة فوزعها من فوره على من كان بقربه.
وبعد انتهاء إحدى الغزوات بقي لدى الشيخ سالم بن عمير المعمري (أمين الصندوق) ألف قرش فضة فأمره بأخذ ذلك المبلغ.
في زيارة له لبداية تذكّر أنّه لم يدفع زكاة خنجره خنجره التي كان يلبسها فخلعها في ذلك الحين وأعطاها لمستحق (واسمه البليشي) وكان رجلا فاضلا ومن ثقاة الحجريين فقبلها ثم ردها إليه فلم يقبلها منه الشيخ صالح. وقد بلغت هذه القضية الشيخ سعيد بن خلفان فقال: (والله لا أدري أيهما أفضل).
وقد كان من عادته أن يخرج بعد صلاة الظهر بالقرب من المسجد إلى أن يحين وقت صلاة العصر لحل مشاكل المتخاصمين وحين يقترب موعد آذان صلاة العصر لا يتوضأ ثانية، فأثار هذا الأمر انتباه الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي الذي يبقى مع بقية طلبة العلم لقراءة القرآن الكريم وقال: (سبحان الله أنا وزملائي في المسجد نتدارس القرآن وأمور الدين وتأتينا أصوات الشيخ صالح بارتفاع وانخفاض والناس من حوله ألا تزلف من كلمة تبطل وضوءه) فبقي ملازما له، إلى أن توصل إلى أنه لا يخرج كلمة من لسانه عن دائرة الحق أبدا.
كان مصدر رزقه الأموال التي يملكها في القابل كما كان يعتمد على الصدقات والزكاة التي ترد إلى بيت المال لأن الشيخ صالح محتسب منزلته منزلة الإمام وكذلك على المساعدات من بعض المؤيدين من زعماء القبائل وكبار الأغنياء أمثال السلطان حمد بن ثويني من زنجبار والسيد هلال بن أحمد البوسعيدي من أثرياء عمان، غير أنه يبقى أحيانا بلا قرش واحد، يذكر أن أحد الفقراء سأله قرضا فقال له (لو كان عندي مالا لما بقيت بين جدران القابل).
إمام محتسب
كان رحمه الله إماما محتسبا بمنزلة إمام الدفاع وهو منصب معروف في المذهب الإباضي، ولم يُرْوَ عنه أنه أقام حدا من الحدود ربما يعود ذلك إلى خطيرة ربما استوجبت إقامة الحد بخصوصها، حينما حاول رجلان من قطاع الطرق الهروب من السجن فأمر الجند بأن يطلقوا عليهما النار وقد تم ذلك بالفعل.
تعلقه بالنخل
كان مهتما بالنخيل، وفي كل صباح يتعهد مزارعه بالرعاية حتى في الأيام العصيبة يخرج وبيده آلة حديدية فيزرع ويقلِّم الأشجار ويأمر المزارعين بما تحتاج إليه النخلة من متابعة.
دعاؤه المفضّل
كان يحب هذا الدعاء ويردده في كل حين (اللهم نريد علوا في الآخرة ولا نريد فسادا) ولعلّه يشير إلى الآية الكريمة (إنما الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا).
التذوق
كان فلج القابل وإلى وقت قريب غير صالح للشرب وفيه شيء من الملوحة، وكان الشيخ صالح يستعذب ماءا من بئر تقع في شرق المضيرب تسمى بئر الحضاري فكان ينقل منها الماء إلى القابل على ظهور الإبل والحمير.
لا ينسى الصداقة
وكان الشيخ صالح لا ينسى أصدقاءه والمحسنين إليه ولا ينسى إخوته في الله.. يذكر أنه عندما كان في الصومال كانت تسكن بجواره عجوز طاعنة في السن وكانت متدينة تقوم قبل طلوع الفجر ويسمع الشيخ صوتها وهو يعلو بذكر الله ولما عاد إلى عمان أوصى لها بدراهم تحمل إليها بعد وفاته.
ومن آثاره الطيبة في الصومال بناؤه لمسجد في مقديشو لا يزال باقيا ويطلق عليه مسجد الشيخ صالح.
صلته بعلماء عصره
لقبّه علماء عصره (بذي الجناحين) ويقصدون بذلك الرئاسة في العلم والسيف، وكان علماء عصره يحترمونه ويقدرونه ويعتبرونه المرجع في حل المشكلات، وكان مجلسه عامرا بهم، ومن جانبه يبادلهم الاحترام ويزورهم أينما كانوا ويستفيد من علومهم ويستمع لنصائحهم وآرائهم.
ومن العلماء الذين التزموا بمجالسته الشيخ جمعة بن سعيد المغيري أحد أعيان المساكرة.
ومنهم أيضا الشيخ حمد بن سيف البوسعيدي وقد كان عالما فاضلا له فتاوٍ مهمّة ولد في المضيبي في المنطقة الشرقية.
ومنهم الشيخ سالم بن مانع الرحبي من بلدة سرور بالمنطقة الداخلية والشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي من منح بالمنطقة الداخلية أيضا.
ومن العلماء أيضا الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي والشيخ عبد الله بن محمد الهاشمي والشيخ راشد بن سيف اللمكي والشيخ محمد بن سليم الغاربي.
كذلك اتصل ببعض العلماء بشكل بسيط من أمثال حمد بن سعود العبري والشيخ ماجد بن خميس العبري.
وهنا نورد مقتطفا من الرسالة التي بعث بها الشيخ ماجد بن خميس العبري للشيخ صالح بن علي الحارثي:
( وما أصوب رأيك إذ غدوت تدعو إلى طاعة الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.. اللهم إنا لدعائك أيها الشيخ سامعون ولله ورسوله وللمؤمنين في إقامة الدين مناصرون وبعهد الله الذي عاهدناه غليه من قبل موفون.. يا شيخ الإسلام انتهز هذه الفرصة في هذه الأيام وقم على بركات الله في هذا الأمر العظيم لإنجاز ما تعاهدتم عليه وتواثقتم عليه من التناصر لإقامة دين الله)
علاقته بالسالمي
بدت علاقة الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي بالشيخ صالح بن علي الحارثي في أول أمرها على أنها علاقة تلميذ بأستاذ ثم تدرجت لتصبح علاقة حميمة بين صديقين يتفقان في نفس الهدف ويمكن توضيح هذه العلاقة وتطوراتها في النقاط التالية:
- في البداية وبينما كان الشيخ صالح بن علي يزور صديقه راشد بن سيف اللمكي شدّه الذكاء المتميز الذي كان يتمتع به السالمي في ذلك الوقت فعرض على الشيخ اللمكي بأن يزور هذا الصبي في القابل فرحب الصبي بزيارته، وبعد أن وصل القابل فرح به الشيخ صالح فرحا شديدا واعتنى به وأعطاه كل ما عنده.
- يمكن تشبيه الدور الذي كان يقوم به الشيخ السالمي في عهد الشيخ صالح بن علي بجهاز الإعلام الذي يقوم بتصويب الأخطاء والشائعات ونقل الحقائق للجماهير وذلك باستخدام الكلمة المكتوبة والمسموعة (عبر الإلقاء الشفوي) بالطريقة المقنعة. وقد تعرّض الشيخ صالح لمهاترات من قبل بعض الحاسدين أو الذين لم تتضح عندهم الرؤية الصحيحة لسيرة هذا الزعيم المخلص فقام بالرد عليهم وألّف في ذلك رسالة مهمة تتميز بسهولتها وقوة حججها معتمدا في أدلته على القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة، وقد قسّم رسالته إلى ثلاثة فصول سنخلص فيما يلي أهم ما تناولته:
1- الفصل الأول:
وفيها يوضح وجوب ولاية هذا الشيخ على أهل مصره على جميع من بلغه فضله وعدله من الوجوه التالية:
أ- كان أحد الأعلام العاقدين على الإمام عزان بن قيس وهذا إمام بالإجماع ومن تثبت إمامته بالإجماع تثبت ولايته بالإجماع.
ب- دارت على هذا الشيخ فتوى أهل المذهب وأخذ الناس عنه دينهم فثبت بذلك ولايته عليهم.
ج- هذا الشيخ مرجع للمسلمين في النوائب ومطمع نظر كل محق وصائب، فلا يرجو أحد من أهل زمانه إقامة عدل إلا على يديه ولا يجد الظلمة والمعتدون هيبة إلا به فهو من المحتسبين لإظهار الحق وإشهار الصدق منذ صغره إلى حال كبره لا يشك في ذلك أحد.
ومن كان بهذه الصفة يجب على أهل مصره ولايته ويلزم القادرون منهم أن ينصروه وأن يعينوه كل حسب قدرته وطاقته.
2- الفصل الثاني:
ذكر منزلته ودرجته العلمية فوصفه محتسب وهو ثقة أمين عالم. قام مع الإمام رجاء ثواب آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر فله من الحقوق ما للإمام.
3- الفصل الثالث:
وضح فيه مجموعة من الأفكار الخاطئة التي روجها بعض المغرضين ورد عليها وهي على التالي:
- استعانته على البغاة بقوم خونة معروفين بارتكاب الجرائم.
التوضيح: يجوز الاستعانة بالأمناء وغير الأمناء ويستعان بأهل الفضل إن وجدوا والفاسقين مع الحاجات.
- وجود الأحداث المحرّمة في جيشه شرعا نهب الأموال وقتل الأطفال وسفك الدماء بالباطل.
التوضيح: صدرت تلك الأحداث ممن لا يقدر على منعه ولا على الإنصاف منه.
- ترك المشورة في جميع أموره.
التوضيح: لم يترك الشورى ولم يستبد بالرأي فهو يشاور في جميع أموره.. ومنذ صحبناه لم يغب عليه مثل ذلك، فإنه إذا أراد \ان يؤسس أمرا دينيا في هذه الحروب أحضر أهل النظر من أهل المعرفة من خواص المسلمين واستشارهم فيما أراد أن يفعله فأنفذ رأيه إن وافقوه ورجع عنه إن خالفوه.
كما أدلى الشيخ السالمي بشهادة في الرسالة حول رؤيته في منزلة الشيخ صالح بن علي جاء فيها:
( فقد قدح في سيرته قوم كان من الواجب عليهم الدخول في شأنه بموجب العدل والولاء وأن يكونوا من أنصاره وأعوانه على أنه أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام وأعزهم حماية وأوفاهم رعاية للذمام وأتم حالا في أخلاق الكرام).

الكتب التي أرخت لحياته
هناك مجموعة من الكتب تناولت سيرة الشيخ صالح بن علي لكتّاب عرب وأجانب. غير أننا سنورد هنا ما قالته بعض كتب الأعلام، وأيضا ما ذكره مرتب كتاب عين المصالح الذي ألّفه الشيخ صالح بن علي.
- جاء في معجم الأسماء العربية (الشيخ صالح.. علاّمة عماني من أبرز علماء التراث العربي في عمان له مؤلفات منها (عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح) ونسبه يعود إلى الحجاز.
- وذكر كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي (صالح بن علي الحارثي فقيه إباضي من أعيان الدولة العمانية أخباره كثيرة مع الإمام عزان بن قيس والسلطانيين تركي بن سعيد وفيصل بن تركي. استشهد في إحدى وقائعه ودفن بسمائل).
كما أشار مرتب كتاب عين المصالح إليه بأنه (وقف عمره على الدفاع عن حرمات الدين وجهاد البغاة المعتدين من الجبابرة والمفسدين وسارت بصيته الركبان واشتهر فضله في سائر البلدان وكان ذا غيرة على دينه شديدة ومفاخرة عديدة وخصاله حميدة سيدا جليلا، وقورا مؤيدا منصورا، مسددا بعيد الهمة عالي الصيت، ذا إقدام هائل كما وصفه القائل:
ترى شخصه فوق السرير وإنه
له همم فوق النجوم الثواقب
فيمنحك المهيمن خير فتــح
وتظفر في العواقب بالأجور).
استشهاده
خرج في يوم الأربعاء السادس من ربيع الآخر سنة 1314هـ ليوقف مجموعة خرجت عن الحق في سمائل فأصيب برصاصة طائشة في فخذه الأيسر الشريف، وقد لقي ربّه في عصر ذلك اليوم بعد أن أقّر الله عينه بنيل مطلوبه.
وقد رثاه شعراء زمانه وبكته الأمة الإسلامية بكاءا مريرا، يقول الشيخ السالمي:
وكم مجد علوت وكم علاء سموت
وكم قمعت المعتدينا
فمن للمجد بعدك والمعالي
ومن للحكم بين المسلمينا
لقد قضَّيتَ عمرك في مرام
تقاصر عنه جلُ الأقدمينا
أعطيت الشهادة وهي أعلى
مقام ناله المتقربونا
فإن نرزأ بمثلك يا همام
فبالمختار قبلك قد رزينا
لقد دُفنت بقبر أنت فيه
خصال الأكرمين الأفضلينا
جزاك الله عن ذا الدين خيرا
جزاء المحسنين المخلصينا
وفي قصيدة أخرى قال:
لهفي أبا عيسى عليك
ولم يكن لهفي بنافع
ما إن رزئت بمثل فقدك
في الأقارب والأشاسع
كم حادث لولا مصابك
ماله صبري بواسع
وقال محمد بن شيخان السالمي:
تبلج صبح الحق من مطلع الهمم
فسبحان من أفنى به حلة الظلم
وفاحت رياح النصر تنشر للورى
غواليها كادت تقوم لها الرمم
إذا رزق الله السعادة عبده
أقام إلى إسعاده السيف والقلم
ومن كان ميسور المساعي ولم يقم
بأشرفها أهدى له العجز كلّ ذم
وإن صد صاد والموارد حوله
تكّرع في حوض التأسف والندم
ومن بذل النفس النفيسة في العلى
ولم يدرك المطلوب يعذر ولم يلم
ومن يحيى مرعى للعدى آمنا رعوا
ومهما أصابوا غرة منه يخترم
لخصمُك داء في الحشى وعلاجه
شراب الدما منه فعالج به الألم
واشهد أن المجد شهد ودونه
مكاره فاشهدهن والسم في الدسم
وإنّ العلى مستحسن حيثما أتى
ولا سيما إن جاء في طاعة الحكم
أرى الناس أشباها ولكن تباينوا
فتختلف الأثمار في اللوم والكرم
فهذا جنى الدر الكريم وذا
جنى سواه وكل عند ربك لم يضم
وهل ظالم أرخى بذا العصر مفسد
ونور بدا من صالح يكشف الظلم
هو الليث في الدهما هو الليث في الوغى
هو البدر في الظلما هو الدهر في الهمم
فتى شبّ في مهد المكارم لم يقل
نعم أبدا إلا وتتبعها نعم
تلوح بروق الجود في سحب كفه
فما اسُتسقيت إلا وتنسكب الديم
وفيه خصال ليس يدرك كنهها
تعالى بها والدر يمتاز بالقيم
ففي تاجه العليا وفي وجهه التقى
وفي كفه النعمى وفي سيفه النقم
وأيده المولى بأشباله فهم
كرام المساعي أبطن الجود والكرم