بسم الله الرحمن الرحيم وبالمعين نستعين وباسميه العليم والحكيم نسأله أن يؤتينا علما وحكمة من لدنه إنه هو العليم الحكيم . اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي . رب ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
(ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة : 2]
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [سورة البقرة : 3]
من الفروق بين المؤمن والمنافق هو أن المؤمن يؤمن بالغيب ويصدق كل ما جاء به القرآن. والمنافق يكون مرتابا مترددا غير متأكدا من جدوى كل وعد في القرآن أو كل موعظة.
لذلك نجد المؤمن الحق بآيات الله متوكلا على الله حق التوكل ولا يتخذ معه وكيلا.
(..َ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) [سورة اﻹسراء : 2]
(..ْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [سورة النساء : 81]
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [سورة النساء : 132]
يكتفون بالله وكيلا ومن يتوكل عليه فهو حسبه.
(..وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [سورة الطلاق : 3]
صحيح أن المؤمن يتخذ الأسباب المادية ولكنه يعلم أنه مجرد اتخاذ أسباب وأن السبب الغيبي هو الأهم وهو الذي فيه الفلاح واتمام الأمور.
لنأخذ مثالا..
(وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ...َ) [سورة البقرة : 60]
السبب الغيبي أولا : استسقى لقومه بالدعاء من الله
السبب المادي ثانيا : ضرب بعصاه الحجر.
مثال آخر:
(قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [سورة الشعراء : 62]
(فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [سورة الشعراء : 63]
السبب الغيبي أولا : التوكل على الله
السبب المادي ثانيا : ضرب البحر بعصاه.
مثال ثالث:
(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [سورة ص : 41]
(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) [سورة ص : 42]
السبب الغيبي أولا: نادى ربه
السبب المادي ثانيا : ركض برجله واغتسل.
والأمثلة كثيرة من القصص القرآني للأنبياء عليهم السلام و للمؤمنين في اتخاذهم السبب الغيبي أولا ثم اتخاذهم الأسباب ثانيا .
وأهم الأسباب الغيبية هو التوكل على الله.
الآن قد يتساءل شخص هل السبب الغيبي كاف دون اتخاذ الأسباب؟
نعم نجد في القصص القرآني بعض الأحداث كان السبب المادي غير مفعل أو غير مستخدم برغم سعيهم لاتخاذه مثل
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [سورة اﻷحزاب : 9]
حيث تعلقوا بالله وتوكلوا عليه حق التوكل.
(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [سورة اﻷحزاب : 22]
رغم استعدادهم وعدتهم وعتادهم الا أن اتخاذهم السبب الغيبي كان كفيلا بنصرهم باذن الله وكفى الله المؤمنين القتال.
(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) [سورة اﻷحزاب : 25]
وفوق هذا انقذهم من اليهود الذين كانوا خلفهم
(وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) [سورة اﻷحزاب : 26]
وفوقه هدايا
(وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) [سورة اﻷحزاب : 27]
وأرضا لم تطئوها ففتحت لهم البلدان ودخلها الاسلام فتح من الله!
تخيلوا كل هذا لأنهم آمنوا وتوكلوا على الله وذكروا الله كثيرا حيث وجه الله لهم في نفس سورة الأحزاب الأمر بالذكر الكثير
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [سورة اﻷحزاب : 41]
(وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [سورة اﻷحزاب : 42]
وأخبرهم أنهم سيكونوا متأسين بالنبي عليه الصلاة والسلام إن ذكروا الله كثيرا في نفس السورة.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [سورة اﻷحزاب : 21]
وبالمقابل في غزوة حنين اتخذوا الأسباب المادية واصيبوا بالعجب لكثرتهم فلم تنفعهم الأسباب المادية.
(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [سورة التوبة : 25]
ثم نصرهم الله بإذنه هو.
(ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) [سورة التوبة : 26]
اذن الأسباب الغيبية أهم من الأسباب المادية والمؤمن الحق يتخذ الأسباب الغيبية أولا ثم المادية ثانيا.
تابعوا معي في الدرس القادم ان شاء الله كيف أن الذكر الكثير هو السلاح الأقوى عند اختلال موازين القوى.
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين




رد مع اقتباس