الفصل الرابع
الاعتكــــاف
حقيقة الاعتكاف:
الأصل في الاعتكاف أنه الإقامة في المكان
طويلاً، و لزومه، و الاشتغال فيه، و كان المشركون يعكفون عند الأوثان كما في قوله
تعالى: ((فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم))(الأعراف:138). و قول إبراهيم عليه
السلام: ((ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون))(الأنبياء:52). و قولهم: ((نعبد
أصناماً فنظل لها عاكفين))(الشعراء:71).
و جعل الله عكوف المسلم و اعتكافه لزوم
المسجد، فقال تعالى: ((أن طهرا بيتي للطائفين و العاكفين و الركع
السجود))(البقرة:125). و قال تعالى: ((و لا تقربوهن و أنتم عاكفون في
المساجد))(البقرة:187). فجعل العكوف لزوم المساجد.
فالأصل أن المعتكف يفرّغ نفسه و ينفرد في
مكان و يشغل نفسه بالعبادة، و ينقطع عن الدنيا و ينقطع عن أهلها.
فالاعتكاف هو لزوم المسجد طاعة لله تعالى، و
القصد منه التفرغ للعبادة. و أن لا يخرج من المسجد إلا لضرورة ملحة لا يجد منها
بداً، كأن يحضر طعامه و شرابه إذا لم يجد من يحضره له، و كذلك الخروج للخلاء و
للوضوء و غير ذلك.
قال ابن رجب رحمه الله: معنى الاعتكاف و
حقيقته: "قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق".
الحكمة من الاعتكاف:
إن الحكمة من الاعتكاف الانقطاعُ عن الدنيا،
و عن الانشغال بها و بأهلها، و التفرغ للعبادة، و الاستكثار منها. و إنما كان
الاعتكاف في المساجد لأجل ألا يترك صلاة الجماعة مع المسلمين التي هي علامة و شعيرة
من شعائر الإسلام.
فضل الزمان و فضل المكان:
فإذا عزم المسلم على الاعتكاف فعليه أن
يختار المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، حتى لا يخرج إلا عند انتهاء مدة الاعتكاف، و
الأفضل أن يكون في زمان فاضل تضاعف فيه العبادات حتى يجمع بين فضل الزمان و فضل
المكان.
فالاعتكاف مثلاً في المساجد الثلاثة: المسجد
الحرام، و المسجد النبوي، و المسجد الأقصى له ميزته، و ذلك لفضل العبادة بتلك
المساجد، و أما بقية مساجد الدنيا فإنها متساوية إلا أن المسجد الذي يكون قديماً
تكون العبادة فيه أفضل لقدم العبادة فيه فيختار المسجد الأقدم.
مدة
الاعتكاف:
إذا
أراد المسلم أن يعتكف؛ فأقل الاعتكاف يوم و ليلة، يعني أربعاً و عشرين ساعة حتى
يصدق عليه أنه معتكف، و ما عدا ذلك فيه خلاف؛ فبعضهم يرى أن من اعتكف يوماً أي من
طلوع الشمس إلى غروبها، أو ليلة من غروبها إلى طلوعها يكون اعتكافاً، و بعضهم يرى
أنه لابد من يوم و ليلة حتى يتحقق الحديث.
محظورات
الاعتكاف:
يشتغل
المعتكف بكل ما يقربه إلى الله عز و جل من صلاة و تلاوة للقرآن الكريم و مدارسته،
كما أنه ينقطع عن العلاقات الدنيوية فينقطع عن الزيارات، فلا يفتح باب الزيارة لمن
يزوره إلا قليلاً لحاجته. فقد ثبت أن بعض نساء النبي صلى الله عليه و سلم كنّ
يأتين إليه و هو معتكف و يتحدثن معه قليلاً.
أما
فتح باب الزيارة للأهل و الأولاد و الأصدقاء فإنه يجعل المسجد كالبيت، لا فرق
بينهما، كما أنه يفتح الباب أمام الكلام الذي لا فائدة منه.
و
كذلك على المعتكف ألا ينشغل بالدنيا و بأهلها، فلا يسال من رأى، و لا من سمع عن
أمر من أمور الدنيا، و لا عن خبر من أخبارها، و لا يهتم بأمر من أمورها. و بعد ذلك
يعكف على العبادة؛ فينتقل من جنس الصلاة سواء التراويح أو غيرها، أو التقرب
بالرواتب و نحوها، ينتقل إلى القراءة و الذكر، و الدعاء و الابتهال إلى الله، و ما
أشبه ذلك مع حضور القلب حتى يجمع بين خشوع القلب و حضوره، و بين التكلم باللسان مع
اتصافه أيضاً بالخشوع و الخضوع.
و
لأجل ذلك ذكر ابن رجب أن بعضهم يقول في تعريف الاعتكاف: (أنه قطع العلائق عن
الخلائق للاتصال بخدمة الخالق). و العلائق بمعنى العلاقات فتقطع علاقتك بفلان و
فلان، و تنقطع منها عن جميع الخلائق، و يتصل قلبك بربك بحيث يكون ذكر الله على
قلبك دائماً، نائماً و يقظان، قائماً و قاعداً و مضطجعاً.
تذكر
الله في كل حالاتك، و تتأمل، و تعقل ما تقول إذا كنت مشتغلاً بذلك. و إن قرأت
القرآن قرأته بتدبر.
و
قد أدركنا قبل أربعين سنة، أو خمسين سنة آباءنا و مشايخنا كانوا يعتكفون، و لا
يُخلُّونَ بالاعتكاف، و كانوا يعكفون على القرآن، حيث رزقهم الله حفظ القرآن و
سهولته، فكانوا يختمونه كل يوم غالباً، أو كل يومين مع التدبر!! ذلك لأنه شغلهم
الشاغل في ليلهم و نهارهم، إلا أنه فقط يؤتى بأكله، بفطوره و سحوره، و أحياناً
يقتصر على السحور. فيتناول في الإفطار تمرات قليلة،و لا يتناول عشاءً، و يجعل
عشاءه سحوراً.
هكذا
أدركنا مشايخنا؛ يخرج الواحد منهم لقضاء الحاجة فقط، و للوضوء، لا يعود مريضاً، و
لا يشهد جنازة، و لا يعود أهله، و لا يفتح باب زيارة و لا غير ذلك.
هكذا
المعتكف الذي يريد أن يكتب له أجر هذا الاعتكاف، و يقتدي في ذلك بسنة نبيه صلى
الله عليه و سلم، فإنه صلى الله عليه و سلم ما ترك الاعتكاف في سنة من السنوات إلا
سنة واحدة في رمضان لما دخل معتكفه اعتكف معه بعض نسائه، و ضربت كل واحدة منهن
قبة، فلما رأى الأقبية في المسجد أنكر ذلك، و عرف أن هذا منافسة. فعند ذلك ترك
الاعتكاف تلك السنة و اعتكف في شوال، و كان في الغالب يعتكف في العشر الأواخر من
رمضان. و اعتكف مرة أو مرتين في العشر الأوسط.
و
الاعتكاف -كما سبق- كان للاستكثار من الطاعة، و لطلب أن يحظى العبد بالمغفرة، و
المغفرة لها أسباب، و من أسبابها في رمضان: الصيام إيماناً و احتساباً. و قيام
رمضان إيماناً و احتساباً. و كذلك قيام ليلة القدر إيماناً و احتساباً. فيحرص
العبد على أن يحظى بسبب من أسباب مغفرة الذنوب التي اقترفها فيما مضى من عمره.




