كم لذلك القلب من مُتَّسَعٍ كاتساع الكون، برغم محدودية خلقه؛
فكم من أطنانٍ من الأحزان تتدفّق على مستودعات حظّه،
تنهال عليه انهما-لًا، وتُطبِق على وجيبه أثقالًا،
حتى يغدو بين رحابة الصبر وضيق الشكوى معلَّقًا،
وبين مدّ الوجع وجزر السكينة مُتأرجِحًا.
لعلّنا من تلكم النكبات التي انساقت علينا،
ما عدنا نصلح لمجاراة متدفّقها بعدما أبادتْ كلَّ صبرٍ فينا؛
فتكالبت علينا كما تتكالَبُ الرياحُ على جذعٍ هزيل،
وأغرقتْنا كما يغرقُ الموجُ زورقًا عليلًا،
حتى غدونا نقلبُ خواطرَنا بين يأسٍ يزفر،
ورجاءٍ يستغيث، علَّه يجد في منافذ القدَر
فرجةً تُعيد لقلوبِنا ما سُلب منها من سكينةٍ وطمأنينة.
في بعض الحالات
تتأخّر تحقُّق الأمنيّات،
وقد تأتي، غير أنّها تكون بلا معنى؛
تأتي كظلٍّ بلا جسد، وكصدى بلا مدد،
تلوح في الأفق ظهورًا، ثم تغيب في المآل سرابًا،
فتبقى الأمنيات حاضرةً بالهيئة… غائبةً بالجدوى والمعنى.
لعلّنا لا نعلم مدى وحجم ما تستطيع المشاعر أن تفعله بنا!
فبإمكانها أن تُحوِّل الواحدَ منّا إلى طيفٍ يرفرف في الفضاء بسعادة،
وبإمكانها أن تجعل الواحدَ منّا جثّةً هامدة، بعد أن تحكم علينا بالإبادة!
منذ ولادة اللقاء وأنت تستميت شوقًا لتلكم الساعة التي تجمعني بك،
فلا زالت أوراق رسائلك لم يَجِفَّ عبقُ حبرها بعد، وذاك الحنين لا يزال يبقرُ صدرَ الكبرياء،
غير أنك تُغالِب حقيقتك بادّعاء الثبات والاكتفاء، كأنما تحسب أن الصمت حارس،
وأن التجلّد طوقُ نجاة، وأن الحنين أعمى لا يُدرك ما تُخفيه العيون.
ولا يزال أثرُ أقدام حضورك في المكان الذي لم تَمْحُه رياحُ الابتعاد،
فالأماكن — وإن خلت — تبقى تحفظ هيبة المارين، وتستبقي في صُلب جدرانها صدى العابرين.
أتظنّ أن كتمانك حَرَّ الاشتياق يعفيك من وجوب الانقياد لأمر الاحتياج؟!
ذاك الكتمان الذي ترفعه درعًا، وهو في الحقيقة سهمٌ يرتدّ إلى صدرك،
وستارٌ تتوهم أنه يحجب أنفاسك المضطربة، وهو يشي بكل ما تحاول مواراته؛
فالكتمان إذا طال نطق،
والمشاعر إذا وُئِدت شَهِقت،
والكبرياء إذا ثَقُل انكسَر،
وكل ادّعاء لا بد أن تنهكه الحقيقة مهما اشتدّت صلابته.
أم تظنّ بأن ما في الكون رهنُ أصابع يمناك،
تُحرّكه كيف تشاء، وتُسيّره حيث تشتهي، وتُخضِع مساراته لغرور اللحظة؟!
عليك أن تستفيق من أوهامك؛ فقد أحرقت ادّعاءاتُك شمسُ الحقيقة،
ومن تظنّه سيرفع راية الاستسلام في الختام،
سيُولّي ظهره دون أن يبادلك السلام،
فالقلب إذا أُجهِد انصرف،
وإذا انصرف لن تعيده كثرة الكلام ولا مواثيق الندم.
قهوةٌ… تسأل اليراع:
إلى أين انتهت خُطى طين الحنين، وقد كان يومًا رطبَ الروح، غزيرَ الحضور؟
وأين همسُ الوجد، ذاك الغريق في يقينٍ لا تهزّه ريح، ولا تفتّ في عضده ليالٍ كانت تقتات من العتمة؟
أين ودادُ السطر، وقد كان يضطجع على بياض الورق كطفلٍ يأنسُ صدر أمّه؟
وأين أريجُ الأمل حين كان يعطر الأفئدة قبل أن تعصف بها نوائب الحيرة؟
وأين دندناتُ المنى العائدة من عزاء العلل، تحمل في راحتيها بعض حياة، وبعض رجاء، وبعض ما تسرّب منا دون أن نشعر؟
يا قهوة الرفق…
إن اليراع ما زال يبحث عن قبلةٍ توقظه، وعن نسمةٍ تعيد إليه صهيل العبارة،
فالحروف — مهما مالت، مهما سهت، مهما تعثّرت — تعود،
تعود لأن بين ضلوعها وطنًا اسمه: أنت.
( م )
قهوةٌ تتمطّى في فنجانها، وتقول لليراع:
أما آن لك أن تبوح بما جفّ في فم الصمت، وأن تعيد للحكاية عطرها الأول؟
فإن طين الحنين ما عاد يحتمل الغياب،
وإن الوجد — ذاك الطائر المبتلّ بريش من يقين — ما زال يخفق عند نافذة الانتظار،
يسأل: من يفتح له باب الرجعة؟
ثم تتنهد القهوة قائلة:
أين السطر الذي كان يُكفّن أوجاعك بالبيان؟
وأين أريج الأمل الذي كان يشعّ من حرفك كما يشعّ الفجر من خاصرة الليل؟
وأين تلك المنى التي كانت تعود من معارك العلل،
متعبةً نعم… لكنها حاملة في قلبها نياط حياةٍ لا يزول؟
يا صاحِ…
إن الحروف حين تشتاق، لا تحتاج إلا لجرعة دفء،
ولا تنبعث إلا من روحٍ توقدت بها نار الحنين.
فاكتب…
فاكتب فإن الكون يلتفت إلى اليراع إذا قال،
ويُصغي إلى القلب إذا نادى،
وتنهض المعاني إذا مرّ طيفك بينها مرور الملوك.