المشاعر ليست مجرد عابرٍ في داخلنا…
إنها قوة تعيد تشكيلنا كل مرة.
ترفعنا حين تريد، وتكسرنا حين يحين وقت السقوط.
لكننا – رغم كل شيء – لا ننجو منها، ولا نريد أن ننجو.
فنحن نُخلَق من أثرها، ونموت في شدّتها،
ثم نعود ونحيا من جديد… كأننا طيف يتعلّم كيف ينهض من الرماد.
ها أنا أطوي دفتر الأمس بيدٍ ثابتة،
وأتركُ ما كان يتسرّب من الذاكرة حتى تلاشى،
فلا عودة لماضٍ ذاب كملحٍ في موج النسيان،
ولا لرفقةٍ كانت معي ثم تبخّرت في بحر الخذلان.
أنا ابنُ الكبرياء؛
أمضي ولا ألتفت،
وأحمل قلبي كما يحمل الفارس سيفه،
لا يهبُه لمن صار طيفًا بلا وجود.
ما عاد الماضي منزلي،
ولا العابرون عهدًا لي،
فمن غادر روحي…
مُسِح من دربي،
كأنّه لم يمرّ بي يومًا.
تدوسُ على قلبِها وهي تعصرُ الحنينَ عصرًا،
وتُخمدُ شوقًا يعلو في صدرها كصوتِ موجٍ يتيم،
وتتجلّدُ لكبرياءٍ غبيٍّ لا يُنقذُ روحًا،
بل يُغرقها في صمتٍ أشدُّ من البكاء.
تمشي ثابتةَ الخُطى،
لكن في أعماقها انحناءُ روحٍ أرهقها التخلي،
تبتلعُ الكلماتِ التي كادت أن تنطق باسمه،
وتُقنعُ نفسها بأن الرجوعَ ضعف،
وأن التماسَ الودِّ سقوط،
وأن ما يليقُ بها هو الترفّع… ولو على جراحها.
غير أن قلبَها يعلمُ أن الجرحَ يتسعُ كلما ضاقَ عليه رباط الكبرياء،
وأن الشوقَ إن خُنِقَ اشتعل،
وأن الصمتَ لا يميتُ الحنين… بل يربّيه.
ولمّا انتهت الطرقُ،
وجفَّ الحرفُ،
وانطفأت كلُّ محاولات الرجوع—
رفعت راية الفراق،
لا تهديدًا… بل حسمًا،
وقالت لنفسها قبل العالم: