في غياهبِ الروحِ مرافئٌ لا تُرى،
تتلوّى فيها الهمساتُ كنبضٍ يختبرُ صدقَ الدهشة،
فإذا غُصتَ في دهاليزِ ذاتِك،
أدركتَ أن للضوءِ ظلالًا تتوارى،
وللظلالِ ضوءًا يتجلّى لمن أرهفَ الإصغاء.
هناك، حيثُ يتهجّى القلبُ أسماءَه المنسيّة،
يتخمّرُ الانتشاءُ في جرارٍ من أسرارٍ لم تُفتح بعد،
وتتعانقُ الحقائقُ بوَجَلٍ كأنّها تخشى اكتمالها،
وتتناثرُ المشاعرُ الصادقةُ كحبيباتِ مطرٍ
تُطهّرُ وجهَ العالمِ في لحظةِ صفاء.
في ذلك العمقِ الذي لا يجيدُ الحكاية،
تتبدّى الروحُ حريرًا ينسابُ فوق جمرٍ خفي،
وتستيقظُ فيك رغبةٌ لا تُسمّى،
كأنّ الكونَ يهمسُ:
إن الغوصَ فيكَ… أعمقُ من كلِّ بحرٍ،
وإن الانتشاءَ بك… أصدقُ من كلِّ بوح.
في سكونِ الليلِ حين تُطفئُ النجومُ شهقاتِها،
أفتحُ بابًا في داخلي لا يعرفُ المفاتيح،
وأمضي إلى وادٍ تُنصتُ فيه الأرواحُ لبعضها
كأنها تتبادلُ رسائلَ مكتوبةً على ضوءِ الوعي.
أغوصُ في خزانةٍ من مشاعري المتربّبة،
فأجدُ صدقًا يلمعُ كحدِّ السيف،
وخوفًا يختبئُ في ظلّ قلبٍ لم يتعلّم بعدُ
كيف يواجهُ عُريَ الحقيقة.
هناك…
في النقطةِ التي تتلاقى فيها نبضاتُ الوجد
مع ارتجافِ السرّ،
أشعرُ بأن روحي تشربُ من كأسٍ لا تنضب،
كأسٍ يُصاغُ من لحظةٍ واحدة
يكون فيها الصدقُ هو البحار،
وأنا… الغريقُ الراضي بالغرق.
ما إن يطولُ التجاهلُ حتى يذبلُ الصوتُ بين القلوب،
ويغدو الصمتُ جدارًا يعلو فوق كلِّ نداء،
فتنسحبُ المودّةُ بخطى خفيفة،
وتأتي القطيعةُ كظلٍّ لا يُطرد،
كَأنها تقول:
من تُهمله اليوم…
يستغني عنك غدًا.