تمضي مواسمُ العمرِ خلسةً،
وتتوارى خلفها أمنياتٌ أرهقها الانتظار،
فنلملمُ ما تبعثرَ منّا بين دروبٍ ضاقت بنا،
ونُصغي لنبضٍ يتعثّر بين رجفةِ خوفٍ ولهفةِ أمل،
حتى إذا لاحَ الضوءُ من بعيد…
أدركنا أنّ الطريق أطولُ مما ظننّا،
وأنّ القلبَ لا يشيبُ من الفقد،
بل يشيبُ من كثرةِ ما حاول أن يبدأ من جديد.
لعل هناك من يظن ولو لوهلة
أن الابتعاد كان بدافع المكابرة،
ابتعادًا لم تفرضه إلا الحاجة،
ولم يأت إلا حين استوى الإدراك على مداه.
وفي حقيقته، أنه جاء حين أدركنا بأن البقاء
هو ضرب من المغامرة وخيانة للنفس الحاضرة،
خيانة تُثقل القلب وتذر في الروح أوهامًا
ضاع أثرها في صمت اللحظة.
لعل إدراك الأمر قد جاء متأخرًا،
وما العذر إلا بقايا أمل على عودة من سحبها العناد
والكبرياء إلى مواطن غابرة، مواطن يئن فيها الماضي
ويهمس فيها الحنين، مواطن تتساقط فيها الأيام
كما تتساقط أوراق الخريف صامتةً
لا تُنذر إلا بما قد مضى.
قد تمرّ عليكم حروفُنا في معقلِ الغياب،
ويخنقُ صبرُنا كوامنَ العناد،
وفي المحصّلة… ندمٌ بعد فواتِ الأوان،
وحسرةٌ تسري في شرايينِ الذكرى كسَرَيانِ الضياء،
وشهقةُ قلبٍ تائهٍ بين رجاءِ اللقاء ووجعِ الفراق،
فلا نحنُ أدركنا اللحظة، ولا اللحظةُ أمهلت خطانا.
حين تختبئُ الكلماتُ خلفَ ستارِ الخاطر،
تنهضُ المعاني كفجرٍ يُزاحمُ ظلمةَ السرائر،
وتلوحُ في مدارِ الوعي إشاراتٌ تُضيءُ ما غاب،
فيمتدُّ البصَرُ بين غيمٍ يُوشِك أن يمطر،
ونبضٍ يُوشِك أن يعترف،
فتغدو اللغةُ جسرًا،
وتغدو الروحُ زائرًا يقرأ ما لا يُقال،
ويجمعُ من شتاتِ الفكرةِ نورًا
ينسكبُ على أعتابِ الخيال.
وتتقدّمُ المعاني بخطىً من نور،
تطرقُ أبوابَ القلبِ طرقَ العارفين،
فإذا الشعورُ ينهضُ من سباتِه،
وإذا الفِكرُ يرفرفُ كطائرٍ تحرّر من قيدِ السكون،
كأنّ الحروفَ تُعيدُ ترتيبَ الفوضى،
وتغزلُ من شتاتِ اللحظةِ عباءةَ يقين،
فتمضي بنا إلى حيثُ تنطفئُ الضوضاء،
ولا يبقى سوى همسُ الحقيقةِ يملأُ أفقَ الوجدان.
مع ثقل اللحظات التي نصارعُ دقائقَها،
نغوص في عمقٍ نستجلب منه، في لحظة احتراق، عظيم نتائجها،
فتتراكمُ الخبراتُ كجبالٍ لا تُنال إلا بالصبرِ والاجتهاد،
وفي مدرسةِ الحياة أطنانٌ من الدروس،
لا يستفيدُ منها إلا الصادقُ الساعي في مناكبها،
والقلبُ يقاومُ الرياحَ، والعقلُ ينهلُ من بحرِ التجارب،
فتتجلى الحكمةُ حين يلتقي العملُ بالصدقِ، وتثمرُ العزيمةُ.
العناد…
ليس صخرةً تعترض الطريق، بل ظلُّ سؤالٍ يتخفّى في الروح:
أهو إرثُ بيئةٍ قست فأقست،
أم كِبرٌ يتدلّى من شجرة الأنا،
أم هو حفاظٌ على كرامةٍ نخشى أن تُداس؟
وللحبّ حكايةٌ أخرى؛
فمن نحبّ نقف أمامهم بين حدّين:
عنادٌ يحفظُ هيبتنا… ولينٌ يحفظُهم،
فلا نحن نريد أن ننكسر،
ولا نطيق أن نخسر.
ولعلّ أجمل الانتصارات،
هي تلك التي نترك فيها العناد جانبًا،
ونتقدّم خطوةً نحو من نحبّ،
لا ضعفًا… بل إدراكًا بأن الخسارة أثقل من التنازل،
وأن الكرامة لا تُنتزعُ بالاعتذار،
ولا تُثبَت بادعاءِ القوة،
ولا تُصان بإيهامهم أننا بخيرٍ بهم وبدونهم.
فالذين يسكنون القلبَ لا يُقاسون بموازين العناد،
بل تُوزن قيمتُهم بمقدار ما نخشى رحيلهم،
وما نتراجع عن كبريائنا كي لا يبتعدوا.
أحيانًا نخالُ العنادَ درعًا يرفعُنا،
فنتمسّك به أمام من نحبّ،
كأننا نثبت لهم أننا أقوى،
وأن حضورهم لا يزيدنا، وغيابهم لا ينقصنا.
لكن الحقيقة تُهمس من تحت الرماد:
العنادُ لا يحفظ كرامةً،
ولا يحمي قلبًا،
بل يدفع الأحبّة إلى الحافة.
ولذلك—
قد يكون التنازلُ حكمة،
والتراجعُ خطوةَ بقاء،
فالقلوبُ لا تُصان بالتشدّد،
بل بالمحبة التي تخشى الفقد…
أكثر من خوفها من الانكسار.