يا نَفْسُ، تاهت خُطايَ بين خوفٍ ورجاء،
تُضرمينَ في صدري نارًا، وتسكبين عليه ماء.
تهوين بي حينًا، وترفعينني حينًا آخر،
فكوني لي سكنًا إذا ضاق الفضاء،
وكوني لي نورًا إذا أظلمَ المساء.
يا نفس، كم تخفين خلف صمتك ضجيجاً لا يسمع،
وتنسجين من جروحك حكمة لا تصنع.
تسقطين بي حين أغتر، وترفعينني حين يذكّرني ضعفي.
أنتِ سر ظلامي ونوري معاً.
فاهدئي قليلاً… فلعل ليلك يزول،
ولعل نورك، إذا صفا، يعود في القلب ويحول.
العودة بعد الغياب، كنسيمٍ يطرق الأبواب بصمت،
تعود الأرواح إلى أوطانها، والقلوب إلى دفء الوعد القديم.
تلتقي العيون بما مضى، وتهمس الذكريات بما تبقى،
تعود الخطوات لتستعيد الأرض، وتعود الأيدي لتشدو بالأمان.
فكم من غيابٍ كان طولُه ألمًا، وكم من صبرٍ كان دربًا للنور،
وكم من فرحةٍ تعانقنا حين عادت النفوس إلى مسرحها الأول،
فالغياب مدرسة، والعودة حلمٌ مكتمل،
وعندما نعود، نعود أعمق، أهدأ، أكثر معرفة بأن فينا حياة لا تهزم.
لعل هناك من يظن ولو لوهلة
أن الابتعاد كان بدافع المكابرة،
ابتعادًا لم تفرضه إلا الحاجة،
ولم يأت إلا حين استوى الإدراك على مداه.
وفي حقيقته، أنه جاء حين أدركنا بأن البقاء
هو ضرب من المغامرة وخيانة للنفس الحاضرة،
خيانة تُثقل القلب وتذر في الروح أوهامًا
ضاع أثرها في صمت اللحظة.
لعل إدراك الأمر قد جاء متأخرًا،
وما العذر إلا بقايا أمل على عودة من سحبها العناد
والكبرياء إلى مواطن غابرة، مواطن يئن فيها الماضي
ويهمس فيها الحنين، مواطن تتساقط فيها الأيام
كما تتساقط أوراق الخريف صامتةً
لا تُنذر إلا بما قد مضى.
لعل الرحيل أحيانًا ليس عن اختيار،
بل عن لحظة وعيٍ فرضها الزمن،
حين صار البقاء عبئًا على الروح،
ومغامرةً لا تحتملها النفس.
وفي صمت الفقد،
ندرك أن كل خطوة كانت امتحانًا،
وأن كل ابتعاد يحمل في طياته درسًا
لا يُرى إلا بعد أن تخبو ضوضاء الحاضر.
قد يتأخر الإدراك، وقد تتراكم الندوب في القلب
قبل أن نعي حدودنا، ولكن يبقى الأمل خيطًا رفيعًا،
يربط الماضي بالحاضر، ويهمس بأن العودة ممكنة،
وإن كانت على دروب صعبة،
وإن كانت على أرصفة الذكريات
التي تحمل بصمات الكبرياء والأنانية.
هنا، في ذلك المساء الصامت، تدرك النفس
أن كل غياب يحمل بصمة، وكل مغادرة تُعلّم الصبر،
وكل لقاء جديد يبدأ من رماد ما فات،
ليزرع في القلب حنينًا أقوى، وفهمًا أعمق،
وشجاعة لمواجهة ما سيأتي.