مع ثقل اللحظات التي نصارعُ دقائقَها،
نغوص في عمقٍ نستجلب منه، في لحظة احتراق، عظيم نتائجها،
فتتراكمُ الخبراتُ كجبالٍ لا تُنال إلا بالصبرِ والاجتهاد،
وفي مدرسةِ الحياة أطنانٌ من الدروس،
لا يستفيدُ منها إلا الصادقُ الساعي في مناكبها،
والقلبُ يقاومُ الرياحَ، والعقلُ ينهلُ من بحرِ التجارب،
فتتجلى الحكمةُ حين يلتقي العملُ بالصدقِ، وتثمرُ العزيمةُ.
العناد…
ليس صخرةً تعترض الطريق، بل ظلُّ سؤالٍ يتخفّى في الروح:
أهو إرثُ بيئةٍ قست فأقست،
أم كِبرٌ يتدلّى من شجرة الأنا،
أم هو حفاظٌ على كرامةٍ نخشى أن تُداس؟
وللحبّ حكايةٌ أخرى؛
فمن نحبّ نقف أمامهم بين حدّين:
عنادٌ يحفظُ هيبتنا… ولينٌ يحفظُهم،
فلا نحن نريد أن ننكسر،
ولا نطيق أن نخسر.
ولعلّ أجمل الانتصارات،
هي تلك التي نترك فيها العناد جانبًا،
ونتقدّم خطوةً نحو من نحبّ،
لا ضعفًا… بل إدراكًا بأن الخسارة أثقل من التنازل،
وأن الكرامة لا تُنتزعُ بالاعتذار،
ولا تُثبَت بادعاءِ القوة،
ولا تُصان بإيهامهم أننا بخيرٍ بهم وبدونهم.
فالذين يسكنون القلبَ لا يُقاسون بموازين العناد،
بل تُوزن قيمتُهم بمقدار ما نخشى رحيلهم،
وما نتراجع عن كبريائنا كي لا يبتعدوا.
أحيانًا نخالُ العنادَ درعًا يرفعُنا،
فنتمسّك به أمام من نحبّ،
كأننا نثبت لهم أننا أقوى،
وأن حضورهم لا يزيدنا، وغيابهم لا ينقصنا.
لكن الحقيقة تُهمس من تحت الرماد:
العنادُ لا يحفظ كرامةً،
ولا يحمي قلبًا،
بل يدفع الأحبّة إلى الحافة.
ولذلك—
قد يكون التنازلُ حكمة،
والتراجعُ خطوةَ بقاء،
فالقلوبُ لا تُصان بالتشدّد،
بل بالمحبة التي تخشى الفقد…
أكثر من خوفها من الانكسار.
ذلك الذي يتحسّس من كلِّ كلمة،
ويقرأ في الهامش جراحًا ليست له،
وينفخ في شرارةٍ صغيرةٍ حتى تصير نارًا،
نسيَ الوعدَ الذي قطعه بأن يترك هذه الحساسيّة المفرطة،
التي تقتاتُ على هدوءه،
وتسلب من العقل رُشدَه ومن القلب اتّزانه.
كأنّه يعيش على حافة التأويل،
يُفسِّر الهمس هجومًا،
والسكون اتهامًا،
ويجعل من أبسط العبارات منحدرًا نحو خصامٍ لا معنى له.
ولو علم أن النفوس تُرهق من ظنونه،
وأن العلاقات تبهت تحت ضغط شكّه،
لأدرك أن التخفّف من الحساسية…
ليس تنازلًا،
بل خلاصًا،
وأن صفاء العقل لا يعود
إلا حين يهدأ هذا الاضطراب الذي يبالغ في كل شيء…
حتى يوشك أن يبدّد كل شيء .
الحمدُ لله على النِّعم التي تأتي بعد الفقد،
وعلى الوجوه التي تُشرق في حياتنا
حين تنطفئ فينا ظلالُ آخرين.
فما أعظم أن يُبدلنا الله بخيرٍ ممّن كانوا معنا؛
أُناسٍ يفهمون قبل أن نُفسِّر،
ويحتوون قبل أن نطلب،
ويأتون بتواضعٍ يطفئ صخبَ الغرور،
وبقلبٍ نقيّ لا يعرف عُجبًا ولا ادّعاء.
هؤلاء الذين يخفّون كالمطر،
وينزلون على الروح سكينةً ورحمة،
فيذكّروننا أن الفقدَ ليس نهاية،
وأن الله حين يأخذ…
يأخذ لِيُعطي،
وحين يُبعد…
يُبعد ليقرّب ما هو أحنُّ،
وأصدق،
وأجمل.
فطوبى للقلوب التي بدّلها الله بخير،
وطوبى للنِّعم التي تأتي في هيئة بشرٍ
يُصلحون ما أفسده الغياب،
ويُعيدون للنفس اتزانها…
وكأنهم هديةٌ من السماء.
وكأنَّكم مررتم على العمر مرَّ النسيم،
لا يُرى، لكنه يُبدّلُ ملامح الحنين.
تسلّلتم إلى الذاكرة كقطرة ضوء،
فعرف القلبُ أن بعض المرور… يقيم ولا يَروح.
عشناكم كصفحةٍ تُقلَبُ بلا يد،
كخطٍّ يكتبنا قبل أن نكتبه،
وكأنَّ اللحظة التي جمعتنا
كانت قدرًا يختبرُ صبر الوقت على الفُراق.
ثم انفضّ الحلم،
لكنَّ رائحته بقيت في كل صباح،
تهمس:
إن الذين يأتون صدفة…
يعودون في الذاكرة قصدًا.
في رُقعةٍ من العالمِ العربي،
تخبو أصواتُ الحقّ، وتعلو زمجرةُ عتادِ الباطل،
وفي الوسطِ أسودُ الشَّرَى تستبسلُ لتُعيد المجدَ من عمقِ الوغى،
كأنَّ الصهيلَ يُنادِيهم،
وكأنَّ الأرضَ تُقسمُ ألا تنبضَ إلّا بخطاهم،
فيمضون بين العاصفةِ والمبدأ،
لا يهابون صليلًا، ولا يَهِنون أمام زيفٍ يعلو للحظةٍ ثم يزول،
فهم حُمَاةُ الدرب،
وسُرُجُ الفجر حين يطولُ ليلُ الوغى ويثقل.