لا ترفع سقف توقعاتك تجاه أحد،
ولا تُرهق روحك بالانتظار أو التعلق،
بل توقّع ما قد يخيّبك، وتعلّم أن تأتي خيباتهم كرياحٍ عابرة،
كي تحتضن الأمن في قلبك قبل أن تهشمه معاول النكران،
وتدرك أن السلام الداخلي لا يُهدى من أحد،
بل يُبنَى على حكمة الحذر،
ورعاية النفس من صدمات الآخرين،
ومن فهم أن البشر قصاصات ظلّ، لا يمكن أن تحجب نورك.
كثيرًا ما تساءلت عن النرجسية،
عن أولئك الذين يعيشون تحت هيمنتها،
ومع ذلك، لم أرَ أحدًا يعترف بها في أعماقه.
وفي نهاية المطاف…
أدركت أن النرجسية الحقيقية لا تظهر إلا حين ينفي الإنسان وقوعه في براثنها،
فمن أنكرها بصدق، كان أقرب إلى كشف ذاته،
ومن صدّقها، ظل أسير وهَمٍ لا ينتهي.
كثيرًا ما نقف أمام مواطن الشقاء في حياتنا،
نراها تلوّح بأطرافها، وتغوي النفس بالبقاء،
لكن الحكمة أن نهجرها قبل أن تغرز جذورها في أعماقنا،
فمن يظل رهن هذه البقاع، يرهق قلبه بلا جدوى،
ويغفل عن جمال اللحظة التي قد تتفتح بين يديه.
وفي نهاية المطاف…
يدرك العاقل أن الهجر لا يعني الفرار،
بل هو فن الاحتفاظ بالسكينة،
وتحرير النفس من قيود الألم الذي لا يفيد،
كي يظل الوقت جوهرة، والروح حرةً تتنفس نور الحياة.
في مناحي الحياة…
تمضي أفواجٌ في طرقٍ شتّى،
يجمعها قدرٌ من القواسم،
وتفترقُ في الطباع؛
فمنها ما صاغته التجارب،
ومنها ما انطبع في الجينات منذ أول الخلق.
وما نحن إلا تكويناتٌ تبحث عمّن يُكملها،
وأجزاءٌ تنتظر لحظةَ احتواء
تستوي بها الروح على سَكينتها.
ما ينبغي لعابرِ السبيل أن يفعله،
أن يشقَّ درب النجاة بقلبٍ يقِظ،
وعقلٍ لا يساوم على لحظةٍ من عمره،
متجاوزًا كلَّ ما يُثقل خُطاه
أو يُلقي على الوقت ظِلَّ تأخيرٍ أو تباطؤ.
ففي ناموس الحياة،
الوقتُ هو جوهرة الوجود،
ورأسُ مالٍ لا يُستعاد إذا أفلت،
ولا يُرمَّم إذا تكسّر،
يمضي كالنهرِ لا يلتفت،
ويعبر كالسحاب لا ينتظر أحدًا.
ومن لم يحسن تدبير دقائقه،
غرق في فائتٍ لا يُلحق،
وتبدّد في زوايا الندم،
بينما الناجون هم الذين فهموا
أن النجاة قرار،
وأن الوقت مركبُه الأول،
ومن ضيّع مركبه
لم يبلغ ساحلًا مهما امتدّ الأفق.
من موارد السعادة…
شكر النعمة التي ساقها الله إليك،
بعد أن أبدلك تلك الحزازات والمناكفات،
ومحاكم التفتيش على النيات،
بتلك الراحة التي لطالما افتقدتها وأنت تركض خلف وهمٍ وسراب،
ظننت يومًا أنه الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها زيف أو شك.
على طود الأمل تحلّق الطيور بأجنحة النور،
وفي أوكار اليأس ينزف القلق صمتًا ثقيلًا،
ينساب بين الجدران كأنه نهرٌ بلا مرفأ،
يحفر في القلب صدًى لا ينقطع،
ويهمس بأنّ النفس حين تتوه خلف وهم الأنا،
تفقد في النهاية بريقها، وتغرق في لجة العدم.
تهتف الأنا في صخب الكون: ربحتُ!
وتعلو أصواتها في الفضاء بلا هوادة،
لكن ما كان يظنه صاحبه نصرًا،
كان في الحقيقة سقوطًا مستترًا،
وغابت الروح عن ذاتها بين الدهشة والخيبة،
وتبقى العبرة لمن يقرأ صدى نفسه،
أن من يرفع راية الأنا فوق قلبه،
قد يظن الانتصار، ويكتشف لاحقًا أنّه خسر كل شيء.
في أعماقك حقيقة تُخفى عن نفسك:
أنك لست بخير، وأن الكفاح وحده لا يمحو أثر ذلك الحب.
تُكابر، تُراهن على أن الوقت يشفي،
لكن الاكتفاء لا يُهَدى للنفس، فهو يُنتزع من الوجود نزْعًا،
وبغيابه تهرب منك السعادة التي تمنيت أن تبقى معك مدى الدهر .
إنها خسارة صامتة،
رحلة نحو العدم حين تعتقد أنك تملك،
وتكتشف أن ما كان يجب أن يكون معك،
قد فُقد إلى الأبد،
ويبقى قلبك بين الحنين والخذلان،
ينشد بصوتٍ خافت: لماذا الرحيل؟
ولماذا لا يبقى ما أحببت؟
هناك من يقرأك في صمت،
يتابع كلماتك كما يتابع القمر رحلته في الليل،
بين قلبٍ يحنّ للعودة،
وعقلٍ يخشى الاقتراب،
بين خطوة نحوك، وخطوة تبتعد،
ويبقى صوته مكتومًا في الأعماق،
ونظره يغزل أسئلة لم تُجب بعد،
بين الحنين والخوف، بين اللقاء والفقد،
يعيش في فراغٍ لا يراه أحد،
لكن وجوده، حتى في الصمت،
يترك أثرًا على روحك، كهمسٍ لطيف بين السطور.