عند الوقوف على شاطئ الكلمة "الاكتفاء"،
لا يشطح فكرك إلى أن الكلمة تعني وضع النفس في سجن الغربة والعزلة عن الناس،
بل عليك أن تدرك أن الوسطية هي المطلب والمغنم الذي يحفظ لك راحة البال؛
بحيث لا تُلهبك نار الغياب، ولا تُهشِّم قلبك مطرقة الهجر والعتاب،
ويبقى داخلك متزنًا لا تكتسحه أمواج الاضطراب.
هو ميدانُ تدريبٍ تتعلَّم منه كيف تُنصت للتي بين جنبيك،
كي تتجاهل ضجيج ما حولك، وتتعلم كيف تكتفي بوجودك بعيدًا
عن وصاية من لا يقدِّر وجودك،
وأن تزرع في قلبك بذرة اليقين بأن الامتلاء لا يفد إليك من الخارج.
ولا يقع في قلبك، ولا يتردد في فكرك،
أن ذلك ينسف المشاعر التي يَخفق بها القلب،
بل هو مدعاة لأن تُهذَّب وتُوجَّه. أن تفتح باب قلبك للحب،
ولكن لا تجعله مقايضةً بنفسك، ولا تجعل ثمنه عذابها وإهمالها،
وأن تقترب دون أن تنغمس في ذواتهم.
فلا تكن حارسًا على أبواب عطفهم،
وكأنك تتسول منهم شفقةً ونظرةً تُجبر بها خاطرك،
ولا تجعل فيك زاويةً فارغة تنتظر من يشغلها.