نعبر فوق جسرِ التوجّسات،
مثقلين بأسئلةٍ لا تكتفي بالبحث عن الإجابة،
بل تُحاول أن تستنطق فينا أسوأ ما نخفيه.
فبعض التساؤلات لا تأتي لتفهم،
بل لتلامس الزوايا المعتمة في النفس،
وتستدعي ما اختبأ خلف جدران الصمت.
إنها ليست إلا محاولاتٍ للعبث بالجانب المظلم من واقع الإنسان،
ذلك الجانب الذي لا يظهر إلا حين يُستفز أو يُحاصر.
خيباتٌ تلو خيبات،
فبعضُ الأمنيات نحتضنها شوقًا،
ونُراودها رجاءً أن تُلامس أرضَ التحقّق،
ونُعلّق عليها شيئًا من فرحٍ مؤجّل وأملٍ مُنتظر.
وحين تتكشّف لك الأمور، وتظهر لك الوجوه على حقيقتها،
تتمنى لو أنها بقيت في فضاءِ الحلم، ولو أنها تبخّرت قبل أن تُلامس واقعك،
فبعضُ الأمنيات جمالُها في بُعدها، وسلامُها في عدم اكتمالها.
فليس كل ما ننتظره يأتي كما اشتهيناه، ولا كل ما تمنّيناه كان يحمل لنا ما تمنّيناه.
أكتبُ مسترسلاً حتى بات الوقتُ يسرقني من نفسي،
وكأنني أثرتُ العيشَ كلَّه بين حروفي،
أتنفّس ما بين سطورها، وأقيم في ظلال معانيها،
حتى غدت الكلماتُ مأوى لما عجزتُ عن حمله في صمتي.
أكتبُ وكأنني أستعيد ما بعثرته الأيام مني،
وأجمع من الحروف ملامح عمرٍ مضى،
وأودع في السطور شيئًا من نبضي،
حتى أصبح الحرفُ رفيقًا،
والصمتُ حكاية،
والكتابةُ حياةً أخرى ألوذ بها حين تضيق بي الحياة.
أُحادث نفسي فأجدها كالغريق، لا يطلب شاطئاً،
وإنما يطلب نفسًا آخر. أسألها: ما بالك؟
فتقول: مشي الحال.
فأبتسم؛ فما كانت هذه الكلمة يوماً جواباً،
وإنما كانت ستاراً يُسدل على مدينةٍ من الخراب.
ثم أسكت... لأن بعض الأرواح لا ينقصها الكلام،
وإنما ينقصها أن يرحمها الصمت.
وأقول لها:
يا نفس، لِمَ هذا الوهن؟ فتقول:
لأن البلاء إذا طال، لم يعد يوجع الجسد،
بل أخذ يقضم المعاني من القلب؛
حتى يغدو الصبر نفسه يحتاج إلى صبر،
ويصبح الرجاء يستجدي رجاءً آخر.
فأقول:
ويحكِ، إن الطريق إلى الله ليس مفروشاً باليقين دائماً،
بل قد تعترضه ليالٍ يختبر الله فيها يقين اليقين.
وما كان البلاء ليكسر المؤمن،
وإنما ليكسر فيه ذلك الوهم
الذي كان يظن أن النجاة تأتي من الأسباب،
حتى إذا سقطت الأسباب كلها،
لم يبق إلا مُسبِّب الأسباب.
ثم أتذكر أن السماء
لم تُعجِّل النصر حتى لصفوة خلقها.
لقد مضت بهم الأيام وهم يحملون الوعد في صدورهم،
ويحملون الألم على ظهورهم،
حتى إذا بلغ البلاء منتهاه،
وكأن الأرض ضاقت بما رحبت،
جاءهم أمر الله لا لأنه جاء متأخراً،
بل لأنه جاء في الموعد الذي لا يصلح له
إلا بعد أن ينفد كل شيء... إلا الثقة بالله.
ولعل أعظم الابتلاء ليس أن تتألم،
بل أن يطول بك الألم حتى تخشى
أن يكون قلبك قد نسي كيف ينتظر.
وهناك يبدأ الامتحان الحقيقي؛
إذ ليس الصبر أن تحتمل الوجع،
وإنما أن تحسن الظن بمن كتب الوجع.
فيا نفس، إن رأيتِ نفسك على حافة الانهيار،
فلا تظني أن الله دفعك إليها لتسقطي،
بل ربما ساقك إليها لتعلمي أن الذي يُمسك الساقط
قبل أن يقع، لا يحتاج إلا إلى قلبٍ ألقى عن نفسه
حوله وقوته، وقال: يا رب.
وما أكثر ما ظن الإنسان أن آخر الطريق قبرٌ لأحلامه،
فإذا هو أول الطريق إلى رحمةٍ لم يكن ليبلغها لو لم يذق مرارة المسير.
فليس كل تأخرٍ حرماناً، ولا كل صمتٍ إعراضاً،
ولا كل انكسارٍ هزيمة؛ فكم من قلبٍ لم يعرف الله
حق المعرفة إلا حين لم يبق له في الأرض أحد،
ولا شيء، إلا الله.
أحيكُ فيها ثوبَ القنوط، وفي داخلي روحٌ تنوح،
وجسدٌ يتداعى إلى الأفول، وقبرٌ حفره معولُ اليأس،
لا يُرى له طولٌ ولا يُدرك له وصول.
وفي عالمي وهمٌ ينمو، وفي أحشاء واقعي ثكلى تنوح،
وأفتش عن عنوان الصبر، فلا يرشدني انكساري إلا إلى مقبرة الخلود،
ولا يدلني اضطرابي إلا على مزيدٍ من الشرود.
وفي أذني يصرخ سؤال:
إلى متى يطول هذا الوضع؟
وفي جوهر قلبي جوابٌ يثور، ويكتمه إخلاصُ جهلي،
ويطفئه استسلامُ عقلي، فأمضي كمن أدمن البلاء حتى ألفه،
وأدمن السقوط حتى استحسنه، فبات له قبول.
حتى أيقنت أني لن أنجو بنفسي،
وأن النجاة لا تكون مع الغرور،
بل بعد الأفول؛ أفول النفس عن وهمها،
وأفول القلب عن حوله وقوته.
ذاك منهجُ الساقط في درب الحياة؛
بها يعيش، وعليها يسير، وإليها يصير،
ثم يعود إلى اللحود، وما بدّل من حاله،
ولا غيّر من مآله.