حين تشعر بالقرب من أحدهم،
ولا تعلم إلى أين المسير،
تأتيك الإشارات، وتنتابك الشكوك، وتعتريك الهموم،
ثم يدخل السرور قلبك، فيفاجئك الصدود،
فيتحول الحال إلى أسوأ حال.
وما هي إلا غمضة عين وانتباهتها،
حتى تعود الأمور أجمل مما كانت، وكأن شيئًا لم يكن.
معارك طاحنة، يخوضها القلب،
كمن يريد إثبات ذاته في أرض الأحلام والأمنيات؛
فلا يدري أهو يسير إلى اللقاء، أم إلى الفقد،
أم أنه يطارد سرابًا نسجته مشاعره قبل أن تنسجه الحقيقة.
من مخاض الابتلاء إلى فضاء النوال...
ومن الصبر الجميل على ألمٍ ثقيل،
حكاية كفاحٍ على أرض البقاء، لم تكن فيها الخطى إلا على جمر الانتظار،
ولا كان اليقين إلا يصارع ارتيابًا يتربص به مع كل إشراقة أمل.
ترقب العين مجيءَ خبرٍ سار، نعبر به جسر الحياة،
ونخلع به عن الروح أثقال الأعوام؛ غير أن الانتظار إذا طال،
استولد في النفس ظنونًا، وربّى في القلب هواجس،
حتى يغدو كل صمتٍ نذيرًا، وكل تأخيرٍ مشروعَ انهيار.
ولعل أعظم الابتلاء، ألا يكون في وجع الواقع،
بل في استنزاف الاحتمالات، حين يرهقنا العقل بتقليب الوجوه،
ويستنزف القلب بتوقع ما لم يكن، فنعيش الألم قبل وقوعه،
ونحمل الهم قبل مجيئه.
لكن الأقدار لا تعبأ بضجيج الظنون، ولا تنقاد لاضطراب النفوس؛
تمضي إلى موعدها الذي كُتب لها، فإذا حضرت، أبطلت كل تأويل،
وأخرست كل ارتياب، وعلمنا أن ما أوجعنا لم يكن إلا مخاضًا،
وأن النوال لا يولد إلا من رحم الابتلاء.
من مآقي اللهفة تقطر بسمةٌ تختمرها الدهشة،
ومن رفات الوجع تُخلق رعشة،
تجد تردداتها في قلبٍ اتخذ من الغفلة قِبلة،
ومن الوهم منزلة،
فلا يرى في النور إلا ظِلَّه، ولا يسمع في الحق إلا صدى جهله.
لن تنجح في إبرام صفقة مع من لا تشعر بالأمان معه،
والأشد غرابة؛ كيف يطمئن قلبٌ إلى حديثٍ مع من يخشاه!
ما نعانيه؛ أننا نستخرج من رماد الماضي نارًا نوقدها في حاضرنا،
ونمنح جراح الأمس حقَّ الوصاية على الغد،
فنحكم على الأيام قبل أن تأتي،
ونُدين الوجوه قبل أن تتكلم،
حتى يغدو المستقبل سجينًا في أقفاص الذكريات،
ويصبح السقوط قدرًا صنعناه بأيدينا، قبل أن تصنعه الحياة.
لعلَّ هناك ما يحول بيننا وبين التصريح بما يعتلج في الصدر؛
ارتيابٌ في الشخص، أو ماضٍ مُرّ، أو هواجسُ ما تفتأ تطفو
على السطح كلما همدَت.
وفي معمعة كل ذلك؛ لِمَ التقرب؟! وكيف يولد الأمان؟
أهناك سقفٌ من الزمن إذا بلغناه اطمأنت القلوب،
أم أن الطمأنينة قرارٌ لا تصنعه الساعات؟
أسئلةٌ مديدةٌ تتناسل من أسئلة، ويتطاير شرارها في أرجاء النفس،
حتى يغدو الصمتُ جوابًا، والترددُ وطنًا، ويقف القلب على عتبة البوح،
لا يجرؤ على الدخول، ولا يقوى على الانصراف.