صفحة 1 من 13 12311 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 122

الموضوع: النتاج الفكر ي للكاتب والشاعر/ سعيد مصبح الغافري في الشعر والخواطر والقصص

  1. #1
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    النتاج الفكر ي للكاتب والشاعر/ سعيد مصبح الغافري في الشعر والخواطر والقصص

    هـــيــروشـــيـمـا .. ذاكــرة الـدمــع 06-10-2014

    هـــيــروشـــيـمـا .. ذاكــرة الـدمــع

    كعادتها .. تتدثر هيروشيما بأديم الزرقة السماوية ، وتغفو في قيلولة صبح صيفي مشمس ..

    الأجواء هدوء رغم الحرب ويومياتها المؤلمة وبهارات الإشاعات التي لا تتوقف عن قرب نصر شمس الشرق الأبدية وهزيمة راعي البقر ..
    في مقهاه المعتاد ؛ يجلس شــوجيرو يقرأ صحف اليوم دون أن يغير من طريقة جلوسه على الكرسي حيث الساق موضوعة فوق الأخرى رغم ما يبدو على وجهه اليوم من كآبة ووجوم ..
    منذ استيقظ صباحا وهو بمزاج سيء و يحس بشيء ما يثقل كالصخر على صدره .. شيء غامض لا يعرف مصدره وزاد عليه ذاك الكابوس المرعب الذي حلمه الليلة الفائتة ؛ وحش بشع الخلقة بعين نارية واحدة يبتلع مدينة كاملة في جوفه !!
    يهز رأسه محاولا نسيان أو تجاهل ما رأى ..
    ــ إهدأ يا شو .. لا تكن سخيفا .. إنه مجرد حلم !!
    يهرب من هذا التفكير إلى الجريدة .. يفردها .. على الصفحة الأولى يقرأ بتململ وضجر البنط الصحفي العريض البارز أمام عينيه بخط أسود مثل دخان نفاثات ( الزيرو ) :
    = إنتصارات ساحقة لجنودنا وأنباء عن إستسلام ضابط أمريكي برتبة كبيرة
    ــ هراء . ســخـافـات !!
    لم يكمل القراءة ورمى بالصحيفة جانبا وكأنه ينفض من يديه كذب العالم وخداعه ثم تنهد مكتئبا !!
    وزادت كآبته حدة حتى شعر باختناق وحر يكادا يكتما أنفاسه فأسرع يفتح زرين من أزرار قميصه الخفيف ثم نادى الجرسون طالبا كأس ماء بارد . كان الضيق يتراص واضحا على جبهته في موجات أفقية متعرجة جعلته يبدو كأنه كهل في السبعين !!
    فور وصول الماء إليه شربه دفعة واحدة ثم تمتم ساخرا وهو يشير بيده إلى الجريدة :
    ــ بهذا الكذب المجاني اليومي ستنتصر الشمس . هع !!
    وأشاح بوجهه ناظرا إلى الشارع المليء بأقدام ووجوه الناس المتحركة وبالسيارات والضجيج كأنه يرى فيه كل بؤس الحياة ..
    لكن مرأى إثنان - رجل وامرأة - واقفان يتحادثان عند عمود إنارة أعاد إلى ذهنه نقاش البارحة الذي كان مع زوجته أكيكو والتي اقترحت عليه الرحيل بالأسرة إلى طوكيو والعيش فيها ريثما تضع هذه الحرب اللعينة أوزارها وتنتهي ..
    كانت أكيكو تتذرع أكثر في حجتها بوالدتها المريضة على الدوام والتي في وضع صحي أصبح من سيء إلى أسوأ بعد تحويل جزء كبير من المستشفيات والأطباء والأدوية لصالح الجنود و المجهود الحربي !!
    غير أن شوجيرو لم يكن مقتنعا تماما بالفكرة وكان في أعماق أعماقه يرى أن الرحيل من هيروشيما يعني إقتلاع مؤلم لشجرة جذوره وذكرياته وما بالسهولة سيتأقلم مع المكان الجديد والناس الذين فيه ؛ وحجته كما وضحها وأظهرها هو الآخر لأكيكو هي أن طوكيو العاصمة لن تكون بمأمن من القصف الجوي و ستكون في الأيام القادمة هي الأكثر إستهدافا من كل مدن اليابان الرئيسية " تماما مثلما يفعلون الآن ببرلين حسبما سمعنا من أخبار مؤكدة !! "
    ويضيف معززا حجته هذه بتبرير ثان قوي ورغم وقاحته و ما فيه من خدش لمشاعر أكيكو إلا أن شوجيرو لم يتردد عن مصارحتها به :
    ــ بيتنا كما ترين صغير جدا وبالكاد يكفي لايوائنا أنا وأنت وإبنينا !!
    إنزعجت أكيكو ليس من كلام شوجيرو الذي يكاد يغلق في وجهها كل باب بحججه القوية و لكن من واقع الظروف السيئة التي هم فيها فعلا كأسرة وفي ذات الوقت كانت تصعب عليها أمها المسكينة المتروكة وحيدة هناك في طوكيو !!
    ــ شو .. فكر معي أرجوك في حل ..
    وغاص الإثنان في الصمت يفكران وهما متمددان على السرير ..
    مرت دقائق بينهما دون كلام ثم تحمحم شوجيرو و قال وهو يحك ذقنه :
    ــ حسنا .. إسمعي يا زوجتي وجدت حلا .. سأجلبها من هناك لتعيش معنا هنا ، أما السكن فسأحاول تدبيره بإقناع جارنا فوجي بتأجيري تلك الحجرة الفارغة الآن والقريبة جدا من بيتنا والتي كان يسكن فيها الطالب إبن كيوتو ..
    قفزت أكيكو من رقدتها وانتصبت جالسة وهي تقول بفرح مندفع :
    ــ رائع جدا يا شو .. إذن سأتصل بأمي الآن لتتجهز !!
    إعترضها قائلا بحزم :
    ــ ليس قبل أن أخبر فوجي بالأمر وأسمع رده .. تمهلي ..
    وأضاف :
    ــ ظروف ذلك الطالب غامضة وقد رجع بالأمس إلى مدينته ليحضر جناز والده المتوفي وسمعت أنه ربما لن يعود إلى هيروشيما أو ربما يعود ومعه عائلته .. لست متأكدا فلم ألتقي بفوجي منذ يومين لأعرف منه الحقيقة بشكل أوضح وأكيد ..
    إنكمش وجهها وظلت واجمة، غير أنها وبأمل مقاوم قالت بعد لحظات :
    ــ على العموم أنا بدوري غدا صباحا سأخبر ساكورا .. إنها جارة طيبة وصديقتي وسيسرها مساعدتنا والتوسط لنا في هذا الأمر مع زوجها
    !!


    لم تكد تمضي دقائق قصيرة على شرود ذهن شوجيرو حتى أضيئت السماء فجأة بضوء قوي خاطف ومفزع وفيه ألوان طيف نادرة لأول مرة تشاهد ..
    بــرق ؟!
    عجبي !!
    كيف لمع وسماء هيروشيما من دون ســحـاب ؟!
    بأسرع من ثانية إختفى شوجيرو من الوجود هو وجريدته وطاولته والكأس الذي كان على تلك الطاولة . بل المقهى بنادله وبمن كانوا فيه اختفوا .. المباني الخشبية التي كانت تتراص بشكل طولي على جانبي ذلك الشارع صارت بمن فيها من بشر ومخلوقات وأشياء رمادا ودخانا ..
    قبل هذا الحدث المهوول بثوان كانت أكيكو تضحك عبر الهاتف مع جارتها ساكورا آخر ضحك في دنياهما !!
    جارها فوجي الذي وافق على تأجير الغرفة .. ذاك الهادىء دوما رغم الحرب العصبية يتحول شبحا بشعا بلون الفحم ودون ملامح واضحة . يصرخ في الظلمات . يســعـل باستمرار . يفرغ معدته . يهــذي .. يـنـهــار ..
    الجثث والأطراف والجماجم المتفحمة والمسحوقة تملأ الساحات بالآلاف وكثير منها كان طافيا مثل الدمى مع من قفزوا في النهر بالنار التي كانت مشتعلة فيهم .
    فوجي صباح اليوم التالي وجدوه جثة متيبسة ، سرعان ما جُـرفت ضمن آلاف الجثث التي تطلب الأمر إزالتها بالجرافات من المدينة المنكوبة أو من كانت يوما مدينة !!
    أما الجار سـامـوتـو ..
    سـامـوتـو ذاك الضاحك دوما والمستهتر بالحرب ، فقد تصنم وسط الساحة كإلـه الحب !! شكلا ممسوخ الصورة لكن بملامح إنسان محترق ميت !!
    الأرض يباب بعد حياة صاخبة كانت !!
    ســجـل يـا تــاريـخ !!
    هيروشيما تصبح ومضة ذكرى !!
    ألبوما من صور بالأبيض والأسود لما قبل وبعد الموت !!
    و ( بــول تــيـبـتـس )
    بــول تــيـبـتـس !!
    ذاك الطيار الأمريكي الأحمق ، ينعطف بطائرته في أقصى ســرعة . يهرب بجريمته النكراء مأخوذا بالفطر العنقي اللهبي المتصاعد نحو الأعلى كالعملاق المارد !!
    يهرب وبالوجه حروق وخموش وصفع من رب غاضب !!
    وعلى الأرض المحروقة ختم بالجرم الفاضح
    ورفاقه من جند الجوية ســعـداء !!
    ــ ها قد عاد إلينا بــول !!
    عاد نعم ..
    لكن ظلت تلك الندب بوجهه ، أما صخرة قلبه فقد قالت وبالحرف الواحد :
    ــ نـحـن نـنـفـذ أمــر القـــادة !!
    هيروشيما !!
    هيروشيما !!
    يا ذنب القرن العشرين !!
    يا آب العار الإنساني الصعب الإمحـاء !!
    هيروشيما !!
    صلاة من صمت ودموع !!
    ذكرى لا تنسى .. ننظر عبر نوافذها الأربع إلى ماضي الإثــم وإلى أوشــام الخــزي الأبـدي على جسد هذا العالم ..
    هيروشيما !!
    هيروشيما !!
    يا درس الأمس القـاســي !!
    أنت الدرس الأكبر للعالم !!
    لكن ما من أحـد إســتـوعب درسـك أبدا !!
    مازال البعض بنفس الروح الهمجية وحماقات غرور الأمس !!
    أعمى يغـويـه الشيطان فيمضي ..
    ولا فـكــرَّ يـومـا كيف يــتـوب !!
    بقلمي : ســـعـيد مصــبـح الغــافــري
    التعديل الأخير تم بواسطة اسطورة لن تتكرر ; 26-09-2019 الساعة 09:57 PM

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



    •   Alt 

       

  2. #2
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    قــراءة نـقــديـة لـقصة ( الـرقـص حــول الـنـار ) للكاتبة الفلسطينية أميرة عبدالله 08-11-2014

    قــراءة نـقــديـة لـلـنـص القصصي ( الـرقـص حــول الـنـار ) للكاتبة الفلسطينية أميرة عبدالله

    1 ـــ نص ( الرقص حول النار ) بقلم الكاتبة أميرة عبدالله :


    اعتكفت في كوخها الريفي بعدَ أن تأججت في أعماقها نار الغيرة.. وقررت أن تنهل من الفضيلة والحكمة ما يجعلها أهلاً لمقاومة التيارات.. نظرت إليها بومة تقفُ على شجرة سامقة فوجدتها تبكي وتبكي وتبكي، فكرت: "حتى البشر يهربون مثلنا من ذواتهم ويختبئون في حصون صنعوها حولَ قلوبهم .."ألقت البومة عليها نظرة أخيرة ثم ولت هرباً.
    بعدَ أيام عادت لتزورها وتفاجأت مما رأت؛ حقيبة سفر وملابس مبعثرة هنا وهناك وأنثى تتلوى كالأفعى في رقصات هستيرية، يجلس قبالتها رجلٌ وسيم، عيناهُ تترقرق بالدمع وهوَ ينظرها يتخيل أنهُ محاط بالحسناوات اللواتي يرقصنَ حولَ النار؛ كلُ واحدةٍ منهن تحاولُ جذبهِ إلى النار، ربما ليحترق وربما ليشاهد احتراق جناحي طيره الجريح.
    نهضَ مسرعاً من مكانه بعدما أخرجَ منديلاً طُرّزَ على طرفه أول حرف من اسمه، مسحَ بهِ دموعَ عينهِ الرقراقة، ثم نظرَ إليها نظرة أخيرة وولى هارباً وهوَ يتمتم :
    ــ لقد أضعتها.. لقد فقدتها.. كانت أمي وأبي وزوجي وعينيّ اللتين أرى بهما وبمجرد ما تركتني لتعتني بمن يحتاجها، أحرقتها بطقوسي الغريبة،وارتديت القناع الأول بيد واستبدلتهُ بآخر كلما حاولتْ سبر غوري، كلما حاولتْ الاقتراب لنزع القناع عن وجهي، أجدني أتباهى بكوني رجل من حديد؛ لقلبي آلاف النوافذ.."
    _ "انتظر.. انتظر، لا تتركني. اسمح لي بنزعِ قناعكَ الأخير قبل أن!!"
    ثم ارتفعت ألسنة اللهب لتعلن كلمتها النهائية..


    2 ـــ إضــاءة نـقـديـة لـلـنص بقلمي :

    كان الشاهد الوحيد على المأساة وعلى الجريمة مخلوق ليس من عالم البشر .. مخلوق ياطالما دارت حوله الأساطير والحكايات وعملت بسببه القرابين والطقوس الطاردة للشر وللنحس .. لم يكن الذى رأى هول ما رأى إنسانا بل طائرا .. اجتمعت في هذه القصة القصيرة الجميلة جدا أربع صور أو شخوص أو رموز : البومة وامرأة بائسة ورجل بألف قناع وكوخ متواضع في مكان بعيد مهجور .. البومة هنا ليست في تصوير الكاتبة المبدعة أميرة عبدالله ذلك الطائر السيء السمعة بما يجلبه من تشاؤم ونحس للناس بحسب التفكير الشرقي .. لقد أتقنت الكاتبة في تغيير هذه الصورة الشائهة المأخوذة عن هذا الطائر ذو العينين الصفراويتين الواسعتين المتربصتين والمنقار المعقوف تلك الصورة التي تصوره وترمزه بالشر والشؤم .. ذاك الطائر ما هو إلا شعور حي هارب نحو البعيد من ذاته المعذبة والحزينة ومعتكفا في مكان قصي .. على شجرة سامقة عالية تصادف بجوارها كوخ منفرد مهجور ووحيد أيضا كرمز للنقاء المفتقد في عالم إتسخت قيمه بما فيه الكفاية .. الشجرة وعلاقتها بالبومة والكوخ وعلاقته بالانسان .. هنا التجانس المتقن بين الكائن والمكان والذي قدرت الكاتبة أميرة عبدالله أن توظفه وبدقة في هذا النص خالقة ذلك الترابط المنسجم بين المكان والجنس أو الكائن المناسب له .. البومة / الشجرة الباسقة .. الكوخ / الانسان مع أن ( الكوخ الانساني ) يبدو لي أكثر عمقا وقوة واكثر شمولا في النص الأدبي شعرا كان أم نثرا وفي الفن أيضا بل وفي معناه الدلالي الرمزي .. داخل ذلك الكوخ المتواضع الذي يلفه السكون والسكينة تعتكف كالعابد إمرأة بائسة حزينة ومحطمة مجروحة القلب هربت من جحيم البشر واختارت حياة العزلة وفي داخلها ماتزال تحمل روحا نقية تواقة إلى الصفاء والخير والفضيلة والحكمة ومقاومة لروح أخرى ما فتئت تنغص عليها عيشها وصفاء قلبها وذهنها / الغيرة .. تلك النار الناهشة بلا رحمة للقلب ولأجمل ما في أعماق النفس من نبل وجمال .. حين صدمتها الحياة في أقرب إنسان إلى حياتها .. حين اكتشفت أنها تعيش في عالم أناني مزيف ومخادع ومليء بالوحل والدناءة والغدر والأقنعة .. قررت أن تهرب بعيدا عن هذا العالم تماما كما فعلت تلك البومة الهاربة من عالم المخلب والناب والشر والانانية .. وكانت المأساة .. عندما أتى ذلك الرجل الذي حطم أجمل مخلوق بالأرض بأنانيته وبحربائية أقنعته وزيف براءته .. وهو أشر مخلوق وأنتن روح على الاطلاق .. لقد جاء لا ليسامح أو ليطلب الغفران والصفح والندم على ما أذنب بل جاء بكل أقنعته المزيفة إليها وهو على أحقر ما يكون .. أشعل فيها النار وتركها تتلوى في الأجيج المستعر غير آبه لآخر صرخة متوسلة رجتها تلك الضحية منه .. صرخت بألم ومرارة :
    ـــ إنتظر .. إنتظر .. لا تتركني ..
    وهي كلمات لها دلالتها القوية والعميقة جدا في النفس وفقت الكاتبة الجميلة
    أميرة عبدالله في إختيارها بدقة وببراعة أدبية لافتة جاعلة من أحداث القصة تصل إلى أقصى درجة لها من التشويق رغم صدمية هذا التشويق وألم وقعه في نفس المتلقي .. إمرأة تحترق في قلب النار تتوسل بتلك التوسلات أمام مجرمها .. لم تتوسل حبا له ولا رغبة بإنقاذها من اللظى المشتعل الذي رماها فيه بل لغاية أخيرة وأمل أخير لها قبل أن تموت .. كانت فقط تريد منه أن ينزع آخر قناع لبسه لتراه على وجهه الحقيقي البشع بشاعة روحه والقبيح قباحة نفسه الشريرة .. لحظة تراجيدية مؤلمة جدا جدا ونحن نسمعها تقول بصراخ حاد :
    ـــ لا تتركني. اسمح لي بنزعِ قناعكَ الأخير قبل أن ....
    و(
    قبل أن ... ) .. هنا تتوقف الكاتبة فجأة عن مواصلة السرد محفزة عقل القارىء على إستكناه المتوقع أو ما يمكن أن يحدث لبطلة القصة .. هذا التوقف المفاجىء في هذا المقطع يزيد من جرعة ما يمكن أن أسميه مجازا بـ ( أدرينالين القراءة ) في أعصاب القارىء ونبض قلبه .. وهي حركة ذكية من الكاتبة أرادتها كي تمنح القصة أكبر قدر ممكن من الزخم في ( العقدة ) ومانحة قارئها مساحة لا بأس بها كي يحبس فيها أنفاسه ويتشوق أكثر لما هو آتٍ في القصة التي تتسارع الآن أحداثها نحو ( النهاية )
    ولو واصلت الكاتبة في هذه القصة بسرد المتبقي من الأحداث بدون تلك الوقفة المفاجئة التي تعمدت وضعها بتلك الصورة التعبيرية الجميلة ــ لو أنها واصلت السرد بدون تلك الوقفة البارعة وجعلت الأحداث تمضي وبشكل عادي جدا وتقليدي إذن لقضت على جمالية النص وروعته الأدبية ولكانت خاتمته باردة جدا وأكثر من عادية وليست بذلك الوقع المنتظر والمأمول منها .. ولكنها وهي تكتب بوعي ونضج وهدوء أيضا إستمهلت في سردها بعض الإستمهال .. فلاحظ معي كيف أن تلك الوقفة المفاجئة في كلمة ( قبل أن ... ) والنقط أو علامة التعجب ( !! ) التي تلتها جميعها حفزت العقل والمشاعر فجأة إلى أن شيئا قادما وعاجلا الآن سوف يحدث .. ومع ذلك ورغم تلك الصرخة التي صرختها تلك الضحية وهي في قلب النار إلا أن شيئا لم يتحرك .. وبدا وكأن كل شيء حول الضحية قد توقف وتجمد بصورة فاجعة بما فيه ردة فعل ذلك الرجل المجرم الذي كان يسمع صراخ ضحيته ببرود .. وحدها ألسنة اللهب حسمت كل شيء .. إذ لم تترك أي فرصة لأي ( فعل ) ممكن أن يحدث بل أسرعت وأحاطت بالضحية المسكينة إلى درجة القسوة .. أحاطتها بألسنتها المرتفعة حاجبة بالموت آخر صوت للحياة .. وبذلك اختفى صوت الصرخة إلى الأبد وسط اللهيب المستعر .. وكان الشاهد الوحيد على هذه المأساة والجريمة هو تلك البومة التي انصدمت بهول ما رأت صدمة أشد وقعا وألما في نفسها من صدمتها الأولى حين جاءت ورأت رفيقتها البشرية المسكينة على حال الشكوى والصمت .. ولم تتصور في الزيارة الثانية لها والأخيرة .. لم تتصور أن تراها وقد وصل بها الحال المزري إلى ما هو أسوأ وأشنع .. لقد رأت الجريمة البشعة بأم عينيها الواسعتين وهالها بل صدمها و لم تتوقع أن عالمنا نحن البشر قاس منتهى القسوة و فيه أيضا هذه البشاعة وروح الشر ..
    بـقـلـمـي / ســـعـيد مـصـبح الـغــافـري
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  3. #3
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    حــرب عــاصـفـة الـحــزم .. مشـاهـد من حــارتـنـا !! 11-04-2015

    حــرب عــاصـفـة الـحــزم .. مشـاهـد من حــارتـنـا !!

    كنت جالسا مع والدي كعادة أسرية أحبها جدا وكطقس عائلي مترسخ في روح كل أفراد الأسرة من أصغرهم إلى أكبرهم أبناء وأحفادا .. وكان والدي لحظة دخولي عليه يشاهد ويستمع بشغف إلى أحداث وأخبار الحروب والأزمات التي تعصف في راهنها الحاضر بالوطن العربي وآخرها حرب ( عاصفة الحزم ) الدائرة رحاها الآن في أرض وأجواء اليمن العربي الشقيق .. كان والدي عقب كل خبر يهز رأسه ويقطب بين حاجبيه وسحابة من هم وقلق وحزن لا تفتأ وهي تعاود المرور كل حين على جبهته وبريق عينيه وبين كل حين يتمتم محوقلا : لا حول ولا قوة إلا بالله .. الله يستر من تاليها .. ثم صمت صمتا عميقا وهو يفكر وظني أن هذه المشاهد المؤلمة أرجعت ذاكرته إلى الوراء وإلى عقود بعيدة من سنين خلت عاشها وعاصر أحداثها .. وإذ به يخرج فجأة من صمته ويقول بصوت مشحون بالشجن وهو يسترجع شريطا طويلا من ذكريات غابرة مرت بحياته ولا يزال يتذكرها بكل تفاصيلها وكأنها إبنة لحظتها ويومها .. كان يحدثني عن أحلك فترة مرت بها بلادنا الحبيبة .. الحروب القبلية .. الجوع .. الفقر .. الأمية .. الجهل .. الغياب الطويل عن العالم .. وأشياء أخرى كثيرة كنت أسمعها منه بنهم وتشوق مع أني سمعتها منه ومن ( شياب آخرين في سنه ) عاصروا تلك المرحلة بكل محاقها وخسوفها الكلي .. مر وقت وأنا أستمع له باهتمام وكأني أسترجع تاريخا عن حقبة بأكملها من بلادي .. وليس ألذ ولا أمتع من سماع حديث الشيوخ والكهول فهم بحد ذاتهم موسوعة مرجعية أخرى لتاريخنا ولا مناص لنا من إضافتها إلى المصادر الرسمية المدونة رغم شعبية طرحها .. وإذ ينهي والدي حديثه سمعته يحمد الله ويشكره على نعمة الأمن والأمان والسلام في بلادنا حتى أنه ربت على كتفي مطمئنا وقد انقشع الحزن عن وجهه مجليا أمامي إبتسامة الأب المطمئن على أبنائه وبلده وهو يقول بثقة وفخر : ما دام بهذه البلاد بررة مخلصون فلا خوف عليك يا وطن ..



    شدني كلامه وفجر في داخلي عشرات الأفكار والشجون .. وكان أكبر سؤال أطل برأسه على أفق عقلي : ماذا لو دخلت عمان حرب ( عاصفة الحزم ) هذه ؟؟ كيف سيكون الوضع على الصعيد الداخلي للبلد والخارجي أيضا ؟؟ كيف ستكون أحوالنا وأوضاعنا المعيشية في ظل جو مشحون بالحرب والعداء والتوجس والخوف وبين الحين والآخر تقفز من نومك مذعورا على صوت طائرة حربية تحلق بسرعتها الماخ الرهيبة وصوتها الفجائي المخيف تحلق وعلى نحو خاطف فوق بيتك مباشرة متجهة صوب الجنوب . فتسأل ويسأل من في البيت : ما هذا ؟؟ هل الجميع بخير ؟؟ ويطلق طفل صغير بالعائلة معروف عنه شقاوته يطلق ضحكة بريئة وهو يقول بلا اكتراث : ناموا .. هذه طائرة ورقية أطلقتها من فوق سطح الدار هههههه وبعد قليل تنهال عليك رسائل الواتس من وكالة قالوا وسمعنا : يقولون وسمعنا أن الطائرة التي حلقت قبل قليل في أجواء الحارة طائرة سعودية .. لا وانت الصادق طائرة إيرانية .. لا لا .. بل طائرة عمانية عليها علم عماني ذهبت تقصف مواقع باليمن وابن عمي يقودها .. ليس صحيحا ما تقول .. الطيار الذي كان يقودها خالي وبنفسه كان يكلمني من الطائرة بالهاتف النقال أثناء عبوره قريتنا .. ويقفز صوت عجوز على أرذل العمر ويحسم هذا الجدل التعصبي الأخرق والأعمى أيضا فتقول : إسكتوا .. هذه الطائرة ليست غريبة على أحد أصلا فنحن كل يوم نشاهد ومن خلال خط سحابي مستقيم طائرات صغيرة بلون أبيض تحلق في سماء القرية قاطعة الجو من الشرق إلى الغرب والعكس .. وتضحك حفيدة لها في العشرين من عمرها وتقول : سلامة عقلك يا جدتي الطائرة التي تعنيها هي طائرات مسافرين مدنية تحمل ركابا إلى دول ومطارات العالم وليست تلك التي نتحدث عنها ونقصدها ..
    ثم لا تمر نصف ساعة على عبور الطائرة الحربية أجواء القرية إلا ويطب علينا جارنا وهو في أشد حالات إستيائه وغضبه وضيقه .. ما بك يا جارنا ؟؟ ويرد بتهكم ومرارة : ماذا ما بي ؟؟ بالأمس سعر السمك بثلاثة ريالات واليوم بتسعة ريالات وكرتون الماء أبو قنينة بلاستيكية صغيرة بدلا من ريال صار بخمسة ريالات والسوق مشتعل والتجار حجتهم في هذا الغلاء المفاجىء لأسعار السلع الاستهلاكية هي الحرب .. كل يلقي بالتبعة على الحرب .. الحرب .. الحرب .. لعنة الله على هذه الحرب !!
    ولا تمضي دقائق على حديث جارنا هذا إلا ونرى باص المدرسة آتيا ويقف في ساحة الحارة وينزل الطلاب والطالبات الصغار بحقائبهم مهرولين فرحين : ما شيء دراسة .. قالوا لنا ارجعوا بيوتكم .. سمعنا طائرة حربية تحلق وقد رجت المدرسة بصوتها المخيف وهي تطير على علو منخفض وشعرنا بالخوف وفورا تمت إعادتنا إلى حوائرنا وبيوتنا .. يعني ماكو دراسة إلى أن تخلص ذي الحرب .. وبدلا من أن يذهبوا ويندسون داخل بيوت أهاليهم تراهم يخلعون ثيابهم المدرسية الرسمية ويلبسون ملابس الرياضة ويذهبون للعب الكرة في ملعب الحارة الترابي وهم سعداء والدنيا طيبة ولا شيء يقلقهم أو يشغل بالهم لا حروب ولا سياسة ولا قال ولا قيل ههههههه بينما لا شغل لجارات الحارة إلا حديث الحرب وإشاعاتها وواحدة منهن على مدار الوقت : الله يسلم ولدي .. الله يحفظه .. الله ينصره .. الله يعوده سالم غانم .. حطوه في الجبهة الأمامية وكل يوم يرسل لنا صور ومقاطع من معاركه .. وترد عليها الجارة الثانية بخبر أقوى وأكثر لفتا وإثارة : أنا أيضا ولدي كادت طائرته بالأمس أن تصاب بصاروخ حوثي لكن ولدي طيار ماهر وشجاع قدر أن ينعطف عن الصاروخ ويحول إنعطافه إلى ( هجمة مرتدة ) وتضحك جارة تستمع إليها بتركيز وهي تعرف طبيعتها وتقول : مويز من وين ولدك دخل ذي الحرب ؟؟ .. أحيده متقاعد من عشر سنين ومن يومين كان واقف يسلم علي بالمستشفى كان يعالج حسب كلامه من إلتهاب بعيونه وتضج جلسة الجارات بالضحك بينما الجارة مويز انكمشت في هالة كثيفة من الصمت والخجل وهي تردد في نفسها بغيظ لا يخلو من ضحك مكتوم أيضا : حسبي الله عليش يا جويخ .. ما شيء ما منتبهة له هههههه
    لا تقتصر إشاعات هذه الحرب على وكالة قالوا الحارة بل تتعداها إلى ما هو أكثر إتساعا وتكثيفا وتعقيدا حيث وسائل التواصل الاجتماعي لتصل إلى جلسات مشحونة من السباب والشتائم المتبادلة هذا غير المقالات اليومية الساخنة والمحتقنة في مواقع النت والتواصل أيضا .. الحياة اليومية تغيرت أجوائها فجأة .. الكل في حالة ترقب وقلق وتلهف بآخر الأخبار وخصوصا أخبار جنودنا في الجبهة .. وفي الدوامات لا حديث للموظفين إلا حديث هذه الحرب الملعونة التي لا تخلو طبعا من بهارات مبالغاتهم شأنهم شأن مويز حارتنا وولدها الطيار أبو عيون ملتهبة .. وأحيانا في بعض الأيام بعض الموظفين لا يداوم بحجة أن أحد أقاربه قتل في الحرب وهو لا قتل ولا يحزنون فقط إستغلال لوضع من أجل الهروب من الدوام والاستمتاع بنومة نهارية كاملة ههههه
    وفجأة أصرخ مذعورا وأنا أقفز من سريري مستيقظا ..
    لقد كان كابوسا مرعبا لم تهدأ معه نفسي إلا حين وجدت أمي تقف عند رأسي بكل حنانها وملائكية وجهها وحكيت لها مشاهد هذا الحلم المفزع فضحكت وهي تناولني كأس الماء وتقول لي :
    ـــ ضع وطنك في قلبك كتعويذة واهزأ بالأحـلام ..
    قلت وقد هدأت نفسي وأنفاسي لسماعي منها هذا الكلمات الأقرب للشعر العذب:
    ـــ في قلبي يا أمي هذا الوطن التعويذة
    قالت بصوت الواثق من أبنائه :
    ــــ إبق التعويذة ضمن النبض
    أجبت :
    ــــ لها كل القلب وكل النبض يا غاليتي !!
    بقلمي ونبض قلبي / ســــعيد مصـبح الغــافـري

    تنبيه هام :
    مشاهد وأجواء النص تخيلية ولا علاقة لها بالواقع طبعا .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  4. #4
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    جـولـيـت في تـلَّ أبـيـب !! 26-08-2016

    جـولـيـت في تـلَّ أبـيـب !!

    قصة قصيرة بقلم سعيد مصبح الغافري :

    كانت هذه هي المرة الثالثة والأخيرة التي أرى وألتقي فيها بالبطلة المناضلة الرفيقة ( أمـيرة عارب ) في تـل أبـيـب . في مهمتنا الجـديـدة المسماة حـركـيـا ( جوليت ) بدت لي هذه المرة فتاة مختلفة غير التي عرفتها ورافقتني في بعض العمليات داخل إسرائيل . كانت ترتدي بنطرولا أزرقا فاتح الزرقة من نوع جينز ببلوزة بيضاء شبه مفتوحة الصدر وشعر أسود طويل سرحته فصار أمام الرائي أشبه بشلال أسود ناعم منسكب في نهار صباحي دافىء .. كان وجهها الحنطي جميلا وجذابا تزينه أجمل شفتين مبهرتين بروج أحمر وعلى العينين نظارة شمسية أنيقة والقدمين بحذاء ذي كعب عالي يطقطق برنين عذب على الرصيف القرميدي وبوقع هادىء متناسق !! رباه !! أهذه أميرة عارب البطلة العربية المناضلة سليلة دلال سعيد المغربي وجميلة بوحريد وبقية قامات الفخر القومي المشرف المسطر على جبين التاريخ بأحرف من نور ؟! أهذه رفيقتي التي كانت بجواري في عمليات ( دفع الثمن ) و ( دم . دم ) و ( جلنار ) وغيرها الكثير ؟! أهذه أميرة عارب ذات الشعر الثائر كروحها الهادرة والوجه الذي غبرته المعارك و التي لم تعرف من الحياة إلا الكلاشينكوف والرصاص وصراخ الدم والموت ودخان المعرك تظهر أمامي بكل هذه الأناقة والنعومة ؟!
    بدت بتلك الهيئة المنفرة والمقززة بوسط ذلك الشارع كائنا من كوكب آخر .. إنسانة غريبة لا يكاد من يعرف أميرة عارب من رفاقها يصدق أن هذه الواقفة هناك وكأنها ممثلة أو مغنية أو عارضة هي عينها أميرة عارب التي ( عن سبعة رجال ) كما يسمونها دائما وهم واثقون من مصداقية التسمية وجدارتها ولياقتها بها .. رباه !!
    كانت واقفة هناك كعمود من نور فوق رصيف ذات نهار صباحي الوجه به بعض بقايا من عطر الفجر الراحل قبل سويعات عنا .. اه يا يافا .. عطر برتقالك يلف نديا كل حواسي ويحفز لكتابة شيء عبقي الأحرف والكلمات .. أي شيء عنك وفيك !!
    دنوت منها بعد خطوات مشيتها صوبها على ذلك الرصيف الفارغ .. فاجأتني حين أدارت لي رأسها ناظرة إلي بذهول .. حالا قرأت أول سطر كلام في عينيها العسليتين الصافيتين بعد أن رفعت نظارتها الشمسية أعلى جبهتها .. يا للفارق الكبير بين مرآها وهي شبه بعيدة ومرآها الآن وهي أمامي ولا يفصلنا عن بعضنا بعضا إلا متر واحد فقط .. تبادلنا تحايا الصباح بابتسامة رائقة وكمن لا ينسى ما اعتاد عليه قلت وأنا أنظرها بحنان كبير :
    ـــ لا إله إلا الله ..
    وأكملت كمن يربط عقدا مقدسا بين قلبين :
    ـــ محمد رسول الله ..
    ولزمنا الصمت وأعيننا موجهة صوب الشارع .. بين الصمت وتلك النظرة المتوحدة الاتجاه مرقت صوبنا سيارة أجرة فأوقفتها وقلت للسائق :
    ـــ فندق دانيل هوتيل من فضلك ..
    ركبنا .. أنا وهي ونحن غارقان في صمت واحد والسائق يصغي عبر الراديو لنشيد ( هاتيكفاه ) .. ذاك النشيد اللعين الذي منذ صغري وأنا أكره جدا سماعه .. تحملته بصمت مكظوم وأنا أقول في قرارة نفسي بسخرية متهكمة :
    ـــ
    ولا يهمك .. صبراً .. صبراً .. ستسمع اليوم أجمل ( هاتيكفاه ) بعون الله !!
    بعد مسافة خمسة كيلو مترات كان التاكسي يقف مباشرة أمام فندق دانيل هوتيل .. بادرت فورا بدفع أجرة التوصيل عني وعنها ولم تبد هي أي إعتراض أو تعليق .. لا وقت الآن لمثل هذه المجاملات .. نزلت بعد أن شكرتني بحرارة وهي سعيدة بهذه الرفقة القصيرة جدا في المكان والطويلة جدا جدا في الشعور .. حملت حقيبة اليد ذات اللون البيج ودخلت الفندق وأنا أتابع سيرها ولم أنتبه للوقت الذي مر ولا للسائق الذي استغرب من عدم نزولي معها فسألني فجأة مستفسرا وفي صوته تذمر خفي :
    ـــ هل ستنزل سيدي ؟! أم نواصل ؟!
    تنبهت لصوته وقلت بنبرة هادئة :
    ـــ لا . إنتظر قليلا وسأدفع لك ثمن الإنتظار أيا كانت مدته ..
    بشراهته اليهودية رد موافقا على الفور وهو يستعين بالصبر وعلى وجهه إستغراب وربما ارتياب أيضا :
    ـــ حسنا . كما تحب ..
    بقيت مسمرا عيناي في بوابة مدخل الفندق بكل انتباه ويقظة بينما السائق غرق في بحر هاتفه النقال ودخل عوالمه الخاصة لدرجة خيل إلي أنه غير موجود .. بعد ربع ساعة رأيتها تخرج من نفس مدخل الفندق .. تنحنح السائق ناظرا لساعة يده كمن أفاق من غيبوبة أو نومة عميقة .. نظرني بصبر يوشك أن ينفد وقد تلون وجهه وصار محتقنا مليئا بالأسئلة التي أكاد أقرأ محتواها بوضوح لكني لزمت الصمت غير آبه به ولا بما يعتمل الآن في نفسه .. لمحته ينظر معي إلى تلك الفتاة الحسناء ذات الشعر الطويل الخارجة من الفندق .. قلت له آمرا :
    ـــ من فضلك .. إضغط على بوق السيارة الآن ..
    وبدت نظرته بلهاء وهو يسمعني أطلب منه هذا الطلب الغريب .. لكنه وبشكل مازوخي أسرع وضغط ثلاث ضغطات على بوق السيارة فانتبهت الفتاة إلى صوت بوق التاكسي وهرولت صوبنا بعدما رأتني وتيقنت من ملامحي .. ركبت في المقعد الخلفي في اللحظة التي قلت أنا للسائق :
    ـــ إلى مطعم شالوم عاز ..
    أخيرا قال السائق وهو يتنفس الصعداء ويشغل السيارة :
    ـــ حاضر سيدي ولا يهمك ..
    أرادت أن تقول شيئا فقلت مقاطعا :
    ـــ سنتناول إفطار صباحنا هناك .. لا تعليق ..
    وصلنا مطعم شالوم عاز .. عند طاولة منزوية هناك جلسنا لوحدينا ، ودون أي كلام ؛ أكلنا بسرعة ما طلبنا من وجبة ثم خرجنا .. قلت لها هامسا :
    ـــ سنذهب إلى بيتي .. ليس بعيدا من هنا .. مسافة خطوات .. هيا بنا ..
    ووافقتني .. الواقع لم يكن ثمة بيت بمعنى بيت أملكه هنا في هذه المدينة بل حجرة صغيرة جدا استأجرتها .. حجرة عزوبية صغيرة مع حمام وسرير صغير للنوم ودولاب ملابس ومقعد .. هذا كل البيت !!
    داخل الحجرة المغلقة كنت أنا جالسا على طرف السرير أما هي فجلست قريبا مني على ذلك المقعد الوحيد الموجود بالحجرة .. كانت منذ غادرنا المطعم ومنذ دخلنا الحجرة ساهمة وهي لا تكف عن النظر إلى ساعة يدها كل حين وحاجباها مقطبان .. كان القلق ينتش قلبها نتشا أي نتش !!
    ـــ إهدئي صديقتي .. هل تم كل شيء حسب التخطيط ؟
    سألتها بلهفة مستفتحا معها سيل أسئلة سريعة مهمة فردت بثقة :
    ـــ نعم سيدي .. خدرته .. بعد نصف ساعة لن يكون في الدنيا .. حتى أنني خرجت وقد أوصدت عليه باب الحجرة بالمفتاح ..
    قلت بحماس :
    ـــ جميل . جميل جدا .. والقنبلة .. هل تم توقيتها بشكل مضبوط وصحيح ؟
    أجابت :
    ـــ نعم .. ماذا تـنـتـظـر ؟! لـنغادر تل أبيب فوراً ..
    سألتها متمهلا وأنا أنظر لساعة يدي وأقدر الوقت الكافي فعلا للمغادرة :
    ـــ هل رآك أحد وأنت تدخلين الغرفة ؟
    ردت بنفس نبرة الثقة :
    ـــ لم ألمح أحدا .. كان الممر وقتها لحسن الحظ خاليا من المارة وكل شيء تم على خير ما يرام .. ننتظر فقط النتيجة ..
    وصمتت ثم قالت بقرف :
    ـــ اااخ . يا للوقح !!
    ضحكت وأنا أرى قرف وجهها وعينيها :
    ـــ ما بك ؟! هل عضك هذا الكلب ؟!
    قالت وهي تبصق لعابا من فيها على ورقة محارم صغيرة كانت في يدها :
    ـــ حاول .. لكني تفاديت العضة بذكاء .. إن لحمي ــ كما تعلم ــ مر المذاق ..
    وأطلقت ضحكة خفيفة عذبة شاركتها فيها .. واستدركت تقول وهي تخرج شيئا من جيب بنطرولها الجينز وتناولني إياه :
    ـــ هاك ..
    تناولت هذا الشيء متفحصا .. كانت ورقة مطوية بشكل مربعي .. بدت عادية لكني ما كدت أفتحها حتى قلت بذهول وقد جحظت عيناي :
    ـــ أوووه . يا إلهي !! أرى هنا أرقاما وحروفا وإيميلات وأسماء !!
    أكدت موضحة بنشوة منتصر غانم :
    ـــ هذه أرقام هواتف وعناوين الكترونية مهمة جدا تخص حاسوبه وحساباته النتية .. عثرت عليها في محفظته إحتفظ بها ستنفعنا في مهمات ما فلا تضيعها .. نسخة منها لدي قمت بتصويرها ..
    أجبت وأنا أتناول منها الورقة كمن يستلم غنيمة حرب :
    ـــ حسنا .. هذا جيد ..
    عادت تقول بامتنان كبير بعد هنيهة صمت بيننا :
    ـــ شكرا لك سيدي على اهتمامك .. أنا آسفة .. لقد أتعبتك معي ..
    قلت مبتسما :
    ـــ لا تشكريني أرجوك .. نحن إخوة ورفاق في النضال ..
    بعد نصف ساعة كانت الطائرة التي أقلتنا في رحلة خروجنا قد غادرت مطار بن جوريون متجهة إلى أنقرة ومن أنقرة سنسافر معا إلى مكان آخر مجهول لا نود الافصاح عنه .. بعد هذا التوقيت بالضبط كانت وسائل الاعلام بالعالم كله تضج في خبر عاجل بوقوع انفجار مدوي في فندق دان هوتيل وضابط برتبة عقيد يدعى راعيم شاح بين القتلى .. الدمار هائل .. راعيم شاح هذا هو نفسه المجرم الحقير قائد الفرقة التي ارتكبت أفظع مذبحة بحق أهالي قرية المناضلة أميرة عارب .. أميرة عارب التي فقدت كل أسرتها في تلك المذبحة الرهيبة .. هاهي توفي بنذرها وتقتص من قاتل والديها وأخوتها وأهالي قريتها .. في الطائرة التي أقلتنا معا كانت بجواري في المقعدين اللذين كنا جلسنا عليهما في تلك الرحلة .. لم نبد أي إنفعال أو حركة أو حتى صوت .. عبر الفرح الصامت كنت أضغط بيدها مهنئا لها على عمليتها الناجحة .. نظرتني بعينين مغرورقتين بالدمع .. كنت أقرأ ما في هذا الدمع من فرح تخالطت معه صور أسرتها وبقية ضحايا قريتها الوادعة وقد تناثرت جثثهم بدمها الزكي في كل مكان .. ربت على يدها بصمت وعيناي تتابعان عبر شاشة تلفاز الطائرة نبأ العملية ومقتل ذلك اللعين فيها .. كنا فخوران بما قمنا به من واجب وكانت على الدرب القادم مهمات أخرى تنتظرنا ووطنا يستئن فجرا سعيدا وبشرى لخلاص قادم يستحثه صهيل الكفاح والنضال ..
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  5. #5
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    رمـادُ إِمــرأة !! 17-02-2017

    رمـادُ إِمــرأة !!



    قصة قصيرة بقلم/ سعيد مصبح الغافري
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

    @ وراءَ كـل ألـمٍ عظيمٍ ألـمٌ أعـظـم !!

    عشت حياتي ذات اللون الأصفر محرومة من كل حب .. لا قبل زواجي عرفت الحب ، ولا بعد زواجي بذاك الأحمق البليد المشاعر عرفت الحب أو الدفء ، وعلى النحو الذي تستشعره الروح ويستدفئه القلب وتنتظره طقات الوقت مترافقة مع اللهفة وظمأ الانتظار .. حتى ذلك الانسان الذي رأيته لأول مرة وبلمحة سريعة في بيت صديقتي التي هي أخته و خفق له القلب دون أن ألتقيه أو أسمع صوته خطفه الموت بشكل عاجل في حادث سير في نفس اليوم الذي أمَّـلـت قلبي كثيرا أن ألتقيه وأتعرف عليه فيه ولو بحديث عـابر بـريء مقتضب الكلمات أو البسمات .. وكان ختام هذا الحرمان الممتد بدرب العمر مرضا بالسرطان ، قَـبِـلَ أن يضم نهداي اللذان لم تمر على براريهما العذراء قبلة ولا أنفاس حرى ولا أية أشواق ، رغم الثلاثين عاما على زواجي ، قَـبِـلَ هذا الوحش الآتي متسللا خفية والمتستر بخبث مخالبه أن يستوطنهما ، ممتصا بمحبة عنيفة وعـشـق وحشي غريب كل خلاياهما ونسيجهما ، في عناق طويل طويل ، لا يضجر ولا يتعب ولا تهدأ نوبات جنونه ومتاعب آلام إبره وأدويته ليل نهار !!
    لأول مرة بحياتي أعيش حبا شبقيا نهما لا يشبع من جسدي أبدأ !! حتى الأمراض تعشق ولها في العشق طرائقها!!
    في عصريات قـهـوتـنـا المصبوبة في فناجـيـن ثـرثـرتـنـا وفـراغـنا اليومي الشـاسـع ذي اللون الواحد ؛ كنت أغـار كثيرا من صديقاتي وهن يروين لنا قصصهن في الحب ، و ( أسماء ) أكثر من تشدني قصصها ، وهي تقول كاشفة لنا بجرأة وقحة عن سر وجهها المتورد شبابا وسعادة وراحة وصحة وعافية ، رغم أنها قابت قوسين من الخمسين :
    ـــ بالليل عند احتدامات الرغبة وسعار الأشواق ؛ يستفتح زوجي الرومانسي جدا رحلة مباهجه مع أنوثة جسدي من هاتين القبتين العاجيتين بصدري والأشبه بضياء منصوب على شرفة ليل حالم ، محاط بغيمة موسيقى ناعمة اللمسات كأصابعه الحنونة المضمخة بالعشق .. دوما بعد طقس القبلة العابرة بنارها الهادئة و نسمات عبيرها - دوما عـوَّدني أن يهبط من هنا بشلال شفتيه ؛ نزولا متمهلا متأنيا لا عجلة فيه ، لذيذا ومخدرا ينتهي كجمرة متوهجة حمراء تسقط في ضياء صدري ليتركني بعدها شمعة مشتعلة تذوب بعذاب ناره ، ولها توق ظامىء لا يقو على الصبر كثيرا .. عجيب أمر هذا الحب ؛ فهو الشيء الوحيد الذي كلما سقط جمره الملتهب في نهر الأنوثة لم ينطفىء أبدا بل يزداد أوارا !!
    كنت أسمع قصص صديقتي ( أسماء ) هذه فتعبرني رعشة حزن وأنا اتحسس في حسرة صحراء صدري القاحلة الملفوفة بكفن العتمة والبؤس ، وأخيرا بذاك السرطان العاشق الذي لا أعرف كيف ومن أين أتى ومتى كان كل هذا .. أين تراه رآني لأول مرة ؟! وماذا شده في كي يعشقني كل هذا العشق ويركض خلفي بكل هذا الجنون الضافر ؟!
    زوجي منذ عرفته فصل باهت لا يتغير كباقي الفصول ، اتأمله بحنق مخنوق وقد أعطاني ظهر قفاه المتصنم .. هو ذا في نومه ؛ أشبه بجيفة نافقة .. نائم بكل شخيره المزعج بعد أن أفرغ سم رعشته البلهاء في جوفي الأخرس المنطفىء على الدوام .. لسنين ظللت لا ألقى منه إلا جوعه الشبقي الأهوج ذاك .. لا حضن .. لا قبلات .. لا همسات .. لا لمسات أصابع ممكن أن يشعل كبريتها - لو أتقن لغة الأصابع - كل مواطن جسدي .. إلى أن يئست ؛ كم حاولت مرارا تعليمه أبجدية الجسد وثقافة الجسد ، فيجأر بصوته البهيمي الأمي هازئا وهو يلقيني أرضا كالذبيحة :
    ـــ نامي ...
    وأنـام .. أنـام له ، مستسلمة كالدمية بجسدٍ فقد حتى لذة التمدد والاضطجاع ، وفـمٍ صامت وعينين تعودت أن أغمضهما فـوراً ، لا شـوقـا منتظرا مراودته بكل حـرارة ( هَـيْـتَ لك ) بل هـربا من مرآه المقرف ولـسـع شـنـبه القاسي الناتىء الشعيرات ولهاث كهولته التي فقدت شبابها و عنفوانها الأخضر ، لا شيء يلمسني من جسده الأبله المتصنن إلا أبجدية الثلج و الحجر والرائحة الكريهة الممزوجة بملح نهار كامل قضاه تحت عرق الشمس دون طشة ماء ولو عابرة يتصدق بها على جسده !!
    في ذاك الفراش البارد برودة أيامي ؛ لا أشعر بأي شيء ولا أشم أي شيء ولا أشتاق أي شيء معه .. وصلت إلى مرحلة الـزهـد بعد أن فقدت كل شيء : صحتي . شبابي . أحلامي .. إمرأة ميتة أنا ، تتمدد عند الجوع اللحظوي - جوعه - على نعش بارد لـرجل شرقي أنـانـي جاهل و أغبر بحجم مقبرة !!
    آه لو يعرف زوجي إلى أي دمار أوصل عمري بعد هذه السنين العجاف التي عشتها ومازلت أعيشها في غياهب صقيع مشاعره إلى أن صرت كما ترون ؛ شبحا أصفر ، ذهب منه كل بريقه وسحره ووهجه ، ولا ينتظر إلا ساعته الأخيرة تدق على باب رحيله الحزين الصامت !!



    أطالعني في مرآة فجيعتي ؛ كائن شاحب هزيل ، ناتىء العظام ، و من دون ملامح إلا ملامح الموت .. مجرد قطعة صدئة معطوبة وباردة وبلا أي حرارة سوى إحساس الثلج الذي يلفني بكفنه الأبيض كميتة فقدت حتى رغبتها في الحب ولو لدقيقة مع رجل .. نهداي الضامران في ليل انزواءات النحيب الصامت يبكيان ألما وحسرة ..
    جسدي ميت ، والأكثر موتا فيه تلك الرغبة .. الرغبة التي تحولت أخيرا إلى رماد داكن ، منثور على صفحة متاعبي اليومية وحزني ومرضي ، ذاك العاشق الأول والأخير الذي اعترض طريق حياتي ، ولازمني كمفارقة قدرية ساخرة أجبرتني أن أرضخ لحقيقة وجود هذا الكائن المُميت في جسدي وفي هذه البقية الباقية لي من الحياة .. إن كان ثمة حياة !!
    تأخر الحب بمسافات بعيدة ، حتى نسي المرور بقطاره على محطة عمري ولن أنتظره أكثر مما انتظرته .. لـن أنتظره ؛ فـلـن يأتي .. لـن يأتي أبداً !!
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  6. #6
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    الحُـــبُّ يَـغــرقُ مــرتـيـن !!20-04-2017,

    الحُـــبُّ يَـغــرقُ مــرتـيـن !!

    قصة قصيرة بقلم / سعيد مصبح الغافري

    الموج الأزرق في عينيك
    يناديني
    نحو
    الأعمق
    وأنا ما عندي تجربة
    في الحب ولا عندي زورق
    ...................
    ...............
    .........
    حدث هذا عام 2010م وقبل أشهر بسيطة من انفجار جحيم الخريف العربي المشؤوم الذي اكتوت بلادها وبلدانا أخرى بنار حروبه ودماره ومآسيه !!



    في بيت أسرتها الهانئ . في ذلك العش الوادع المحاط بالحب و الفرح والدفء والهدوء والأمان والمعرش بالياسمين . في تلك المدينة الجميلة كانت تعيش أسعد أيام عمرها مع أجمل إنسان تعثر به قلبها صدفة في شارع ذات صباح .. لم تتوقع أن تتحول تلك الإرباكة الأولى في أول نظرة تلاقت فيها أعينهما إلى حب حقيقي تأكدت جديته على الأرض بعد شهرين تماما من علاقتهما حين أتى بكل خطا حبه ورجولة صدقه وطرق باب أسرتها يطلب يدها .. تلك المفاجأة التي بقدر ما أسعدتها وأدهشتها بقدر ما جعلتها تتمسك به وتحبه أكثر وأكثر ..
    إني أتنفس تحت الماء
    إني أغرق ..
    أغرق ...
    أغرق ......
    ـــ الله يسامحك يا حليم .. تعال أنظرنا الآن نحن العشاق .. إنا نغرق . نغرق . نغرق !!
    قالت بانثمال و صوت تلك الأغنية يملأ البيت وهي متسلطنة معها وغارقة في بحر كلماتها بكل أحاسيسها ومزاجها الرائق ..
    كان يفترض أن تكون اليوم ذاهبة إلى دوامها .. لكنها لم تذهب .. اليوم هي وزملاءها مضربون عن العمل بسبب الأوضاع السيئة التي لم تتحسن بعد في شركتهم ..
    وقتئذ لم يكن أحدا بالبيت سواها ؛ الكل ذهب إلى عمله و مشاويره .. أختها الطبيبة ذهبت إلى مستشفاها ولن تعود إلا ظهرا وأخوها المهندس ذهب هو الآخر إلى شركته ولن يرجع كعادته إلا بالمساء .. أما والداها وجدتها لأبيها فقد ذهبوا اليوم معا و منذ الصباح الباكر لزيارة جارهم الذي انتقل وأسرته الصغيرة منذ شهر إلى المدينة الجديدة التي تبعد من هنا مسافة نصف ساعة .. المدينة التي ستلقى فيها هذه الأسرة بكاملها حتفها المأساوي الأم والأب وابنتهما الوحيدة قمر .. قمر تلك الطفلة الجميلة المليئة براءة وطفولة والتي رزقا بها أخيرا بعد عشر سنوات قضياها دون يأس في صراع طويل مع العلاج والمحاولات لينتهي كل هذا بغمضة عين في أول قصف أعمى لمدينتهم الجديدة التي انتقلوا إليها دون أن يعلموا أنها ستكون أول مدينة سيبدأ فيها ذاك الخريف الدامي أول رقصات الموت والعبث .. كانت هذه آخر مرة يلتقون فيها بهذه الأسرة الجارة وآخر مرة يرونها فيها و سبحانك ربي .. للأقدار تصاريف لا يعلمها إلا الله !!
    لم ترافقهم رغم إلحاحهم عليها بذلك .. كان هناك شيئا أهم من هذه السفرية ولذلك حرصت أن تبقى في البيت .
    ما أروعه من يوم وما أجملها من فرصة !!
    ـــ لنعيش الحب !!
    صرخت قافزة برشاقة قوامها في الهواء بفرح عارم ثم انقضت على هاتفها النقال ونقرت بإصبعها على رقم خاص أوصلها فورا إلى الحب ..
    تقرب سماعة الهاتف من المسجل حيث حليم مازال يصدح برائعته .. تتعمد وهي مبتسمة أن تسمعه ذلك المقطع الذي يحبه ويحب دوما عندما يلتقيان أن يغنيه ويدندنه لها وعيناه مركزتان في عينيها الجميلتين الأشبه بالبحر .. كلاهما يعشق أغاني حليم .. تغلق المسجل .. يهدأ البيت فجأة، فتنسحب إليه بصوتها المليء رقة و أنوثة وحبا .. تحادثه .. تأتيها ضحكته الحلوة الرنانة وهو يقول لها :
    ـــ أقسم أنت ساحرة !!
    تضحك متسائلة في دهشة حماسية :
    ـــ حقا ؟! كيف ذاك ؟!
    يجيبها باعتراف عفوي وبقايا ضحكته على شفتيه :
    ـــ قبل قليل كنت أنا أيضا أسمع لحليم ولنفس هذه الأغنية بالضبط !!
    تضحك في سعادة ولضحكتها رنين عذب وتجيبه :
    ـــ خطير جدا هذا البحر . آه من يغرق فيه !!
    يجيب باندفاع العاشق :
    ـــ عيناك أجمل بحر أحب أن أغرق فيه بكل روحي !!
    تسبل رموشها ذائبة في بحر حديثه الشهي هذا .. كم تحبه وكم تعشق فيه هذه الروح الفنانة التي تمتزج فيها كل ألوان جماله الداخلي المنعكس على مشاعره وعلى أجمل ما يرسم من لوحات !!
    الموج الأزرق في عينيك
    يناديني نحو الأعمق
    وأنا ما عندي تجربة
    في الحب ولا عندي زورق
    إني أتنفس تحت الماء
    إني اغرق ..
    أغرق ...
    أغرق ....



    ـــ يا لسخرية القدر حين يكون على هذا النحو الغريب من التناقض .. غرق يوهبك الحياة وآخر يهديك الفقد !!
    يرسم على شفتيه إبتسامة تهكمية ساخرة لا تخلو من مرارة روحه الطافحة بالحزن والألم .. في قلب وحدته وغربته القاتمة وحيدا إلا منها .. هو ذا .. في نشيج بكائه ذاك يسترجع الذكرى السادسة ليوم غرقها في البحر والذي يصادف تاريخه في هذا اليوم .. ست سنوات مضت على هذا الرحيل المفجع .. ست سنوات عجاف والقلب يعيش يبابا لم تخضر صحاريه ولم تتفجر أنهاره الناضبة أبدا منذ يوم فقدها .. منذ فقدها أحس أنه فقد كل شيء .. فقد الأهل .. الأصحاب .. الأحباب .. الضحك .. الفرح .. الانس .. الأمان .. فقد أجمل ما فقد .. فقد وطنا جميلا .. وطنا يسمى الياسمين !!

    @ @ @

    كانوا على متن هروب مبحر نحو الشمال ، وفي نصف أميال تبقت من رحلتهم المنكودة المحفوفة بالخوف والجوع والبرد والظلام الدامس وصراع اليأس والأمل ؛ في هذا النصف المتبقي من القدر الضبابي الغامض وقبل أن يصلوا إلى بر الحلم الباريسي المرسوم بألوان اللهفة والشوق ؛ تغير مزاج البحر فجأة . زمجرت أمواجه الهُـوُج وهبت رياحه قوية عاتية وذات صفير مشؤوم ، وتعاون الموج مع الريح . حاصرا الزورق وراحا يضربانه ويرجانه بقسوة من كل إتجاه وهما يصران إلا أن يقلبانه و يسحبانه بأرواحه التي تتشبث به إلى الأعماق السحيقة المظلمة .. فوقهم ؛ كانت السماء مسودة بغيومها والقر يعض ويقرص أجسادهم المرتجفة بلا رحمة .
    طار نورس الحلم الوردي الذي رافقهم . اختفى في ليل الصراخ والرعب والموت المكشر لهم بأنيابه من كل صوب . وهم لم يعد يهمهم في خضم هذا الهول لا أحلام ولا أمنيات ولا أي شيء إلا النجاة بأرواحهم .
    ـــ يا الله . أينك ؟!
    يتضرع أحدهم مستنجدا بذلة وصليبه يترنح على صدره ولا يكاد يستقر كمن أصيب بدوار البحر ، وعيناه في السماء التي امتلأت برقص البروق وقهقهة الرعد الهازىء ، بجواره فتاة هادئة تقرأ المعوذات والكرسي وتدعو الله بعينين تائهتين مذعورتين لكن في صمت متماسك . البرق بين حين وآخر يضيء وجهها ويطفئه . كانت شابة جميلة تبدو في العشرين . عيناها في البرق تبدوان أكثر روعة وألقا وشعرها فاحم غزير ، لكنه مبلل بالمطر ومعصوف بالريح .
    وصل الماء بقاع الزورق حتى أعلى كواحل أقدامهم ليزيد الأمر سوءا فوق سوء وراح ثلاثة منهم يحاولون بأكفهم وقبعات رؤوسهم تفريغ الزورق منه في صراع عنيد مع المطر ، لكن المطر فوقهم كان غزيرا ، كأنه ألف خزان انفتحت بحنفياتها الواسعة وراحت تنهمر عليهم بمائها . لكأن السماء تستبق في تغسيلهم وتجهيزهم للقبر الواسع الذي ينتظرهم بالأسفل .
    بعد سويعة غضب كان الجو قد هدأ وتلك الديمة المجنونة ولت بعيدا تاركة السماء لحالها ، صافية تزينها النجوم التي ظهرت كثيرة وساحرة بروعة بريقها . والبحر هو الآخر لزم السكون ؛ السكون المجرم البارد الذي لايأبه منذ خلق بضحاياه الذين يبتلعهم بمزاج نزوته الشريرة . هاهم أولاء التعساء متناثرون الآن بكل همودهم الأبدي في قاعه بجوار زورقهم المتمدد ميتا هو الآخر على وجهه .
    في الصباح قذف الموج بحقيبة يد صغيرة ورماها على الشاطيء . صادفها شاب ينتعل حذاء مهترئا مبتلا بالماء . فتحها بفضول مستكشف . أخرج منها أشياءها البسيطة ؛ روج . مرآة صغيرة بحجم كف اليد . قارورة عطر . شريط كاسيت . وصورة .. صورة لفتاة جميلة ذات عينين خضراوين وفم مبهر يشبه الورد وشعر طويل تجاوز في إنحداره المذهل حدود الردف .
    وزاغ بصره متفاجئا . نظر في هلع وصدمة جهة البحر . ركل الموج بغضب . لعن الظروف . سب . شتم ، ثم انهار في نوبة بكاء وفجيعة غمرت بدموعها السخينة كل وجهه المصدوم .
    ـــ حتى أنت يا بحر !! حتى أنت !! حتى أنت !!
    كانت تلك صورة حبيبته التي لحقت به من أرض الجحيم لكن القدر الأسود خطفها منه وهي على وشك الوصول .

    & & &


    في معرضه البسيط الذي أقامه بمساعدة أصدقاء له من جنسيات شتى مثقفين من الجنسين مغتربين مثله لكنهم يشبهونه في هواياتهم وأحلامهم وقصصهم الأليمة ؛ في هذا المعرض كانت اللوحة التي تزين صورة حبيبته الشهيدة التي رسمها بريشته تتربع مقدمة القاعة في برواز ذهبي جميل ، كان في الأصل صورة لمنظر طبيعي للبحر ، انتزعها بعدما بصق بكل كره على هذا البحر الذي فيها . البحر الذي خطف بغدر أغلى إنسانة بحياته . مزق الصورة ورمى بها من النافذة فتطايرت في الهواء بددا ثم ارتطمت بالأرض ، تاركة الأقدام العابرة تدوسها بلا اكتراث وكأنها تشاركه ألمه وعزاءه في مصابه .
    أخذ اللوحة التي رسم فيها حبيبته الراحلة ووضعها بكل اعتزاز في البرواز الفارغ . هاقد صارت فيه الآن حياة وشيئا من جمال حي ينبض .
    في المعرض تحوقل حول اللوحة وبتركيز ملفت عدد من الزائرين والمدعوين . لم يتوقع أن يكونوا بهذه الكثرة ونصفهم لا يعرفهم شخصيا ولم يلتق بهم إلا في النت ومواقع التواصل . وهم واقفون يتناقشون بلغتهم وذوقهم وانطباعاتهم لوحاته التي رسمها بريشة إبداعه وبالاخص تلك اللوحة التي جذبتهم وشدت أنظارهم وأرواحهم إليها فراحوا يتأملونها باهتمام كبير والإعجاب والانبهار واضحان على أعينهم ووجوههم المبتسمة في رضا . سيدة كانت ضمن الحضور أخذت رقم هاتفه وقالت وهي تودعه :
    ـــ سأتصل بك في المساء ..
    في المساء هاتفته ؛ في حديثها ود ودفء . بعد كلام في الفن والأدب والثقافة فاتحته بنبرة متحمسة وجادة في أمر اللوحة ورغبتها في شرائها منه بأي ثمن يقرره . وقع بين أمرين كلاهما مُر وقاس عليه : فقره المدقع وحاجته الماسة إلى المال من جهة وحبيبته المرسومة في لوحة يراها من أعز وأغلى مالديه من جهة ثانية . بأيهما سيضحي الآن ؟! هل بحبيبته التي جازفت وخاطرت من أجله وكان الثمن روحها ؟! أم بالفرصة الذهبية التي واتته الآن والتي يمكن بها أن يقضي على فقره وحرمانه وعوز الحاجة لديه ويمكن بها أيضأ أن يبني حياته بوضع أفضل ؟!
    أرجأ الرد على السيدة إلى وقت آخر .
    في الشقة التي يتقاسم سكناها مع رفاقه المغتربين كان يتناقش معهم أمر اللوحة وعرض البيع الذي قدمته تلك السيدة.
    ـــ بعها وتخلص من متاعبك المادية.
    ـــ أقنعها بشراء اللوحات الأخرى دون هذه اللوحة.
    ـــ فكر بمهل ولاتستعجل في قرارك .اللوحة جميلة جدا وثمينة . أعتقد هي أروع مارسمت من لوحات حتى الآن !!
    وفي المقهى مع صديقته الشاعرة التي تتقاطع معه في تشاركية الغربة والحرمان والحزن والوحدة وقلق الحاضر والمستقبل ..
    ـــ محتار يا صديقتي ..
    ـــ إسمع صوت قلبك .. ماذا يقول لك ؟!
    ـــ قلبي يقول لي : لا تبع اللوحة !!
    ـــ إذن لا تبعها .. القلب أصدق بوصلة في تيه الحيرة ..
    ـــ أهذا رأيك صديقتي ؟!
    ـــ أجل .. ولا تطل التفكير كثيرا .. إحسمه بقرار ..
    ـــ مهلا . خطرت لي فكرة ..
    ـــ قلها صديقي . أسمعك ..
    ـــ ما رأيك لو رسمت لوحة جديدة ولكن في ألوان وأجواء وملامح أخرى ..
    ـــ كأنك تقرأ عقلي .. كنت سأشير عليك بهذا المقترح كحل منقذ من الإحراج .. كم ستحتاج من الوقت ؟!
    ـــ أسبوع بالكثير ..
    ـــ إذن . أطلب من زبونتك مهلة أسبوع أو عشرة أيام للتفكير .. وريثما تنتهي من رسم هذه اللوحة وحتى لا يتشوش عقلك وتركيزك لا تطلعها بما انتويت عليه .. هل في رأسك تصور معين لها ؟
    ـــ أكثر من فكرة بأكثر من لون !! ما هذا بشاغل بالي الآن ..
    ـــ ماذا يشغل بالك ؟!
    ـــ ماذا لو أصرت على شراء لوحة الحبيبة ؟!
    ـــ أنت لست مجبرا على بيع لوحتك .. صب كل ألوان إبداعك وعبقريتك كفنان موهوب في هذا التحدي .. ستنصرف بعينها إلى العمل الجديد .. أنا متفائلة ..
    ـــ آمل أن تحدث برمودا هنا ..
    ـــ ستحدث .. الريشة تعرف كيف ترسم مثلثاتها ..
    لم يرسم حبيبته كما توقعت زبونته ، بل رسمها هي وبشكل مبهر أجبرها أن تلغي فورا من رأسها فكرة شراء لوحته الأولى التي كانت في البدء متحمسة لشرائها .. لم يستلم منها يورو واحدا نظير لوحته التي رسمها فيها بكل إبداع وإتقان رغم أنها أصرت ان يستلم شيئا .. رفض ذلك و أهداها إياها عن رضا و حب وطيب خاطر وهو مبتسم وسعيد حقا أنها أعجبتها وأحبتها .. كم أراحته هذه النهاية السعيدة !!



    يستلقي الآن على فراشه وهو يضم على صدره لوحته في حب وحنو وخوف وكأنه يضم حبيبته الفقيدة التي ما فتأ الشوق والحنين يعصفان به إليها عصفا أي عصف .. كانت ثمة دمعة تتدحرج ببطء على وجهه الكئيب الذي تسارعت عليه تجاعيد الزمن ومتاعب الحياة والغربة والهموم وكان فقد حبيبته تلك الخسارة الكبرى في حياته من أكثر الأشياء جسامة والتي عجلت في ذبول شبابه رغم عطاء ريشته الذي لم يتوقف ..
    منهك الجسم بسبب تلك اللوحة التي ظل عاكفا على رسمها ليل نهار ولأسبوع كامل حتى أخذت كل وقته وأعصابه وكادت أن تنسيه صحته وعافيته و كل شيء يربطه بالحياة .. لكن إحتضان تلك اللوحة الغالية والأثيرة على قلبه أشعره بالراحة والدفء رغم تعبه الكثير ورغم حزنه الصامت الذي عاوده وانزاح على خديه دموعا غزيرة وفي قلبه ما هو أغزر .. الحنين ريح لا تنسى أبدا نافذة القلب ولا باب ذاكرته .. سنينا حاول أن ينسى المأساة وأن يهرب من الماضي الذي سبقها ولم يقدر .. فشلت ريشته وألوانه وألواح رسوماته ومعارضه التي يقيمها في هروبه من ماضيه وفي نسيان الإنسانة التي هي الجزء الأكثر طغيانا بحضورها في غالب أوقاته وأحواله ومشاعره وألوان ما يرسم ..
    في عز إحتياجه الآن لإنسان يتنفس معه بقلبه إتصلت به .. شاعرته المغتربة .. أقرب شخص يرتاح إليه ويبثه شجونه ومتاعبه وأسرار قلبه ..
    ـــ ................
    ـــ بالبيت ..
    ـــ ................
    ـــ سأنتظرك صديقتي .. لا تتأخري ..
    ـــ .......
    ـــ أهلا وسهلا بك ..
    وجاءته في نفس التوقيت الذي قالته .. نفس توقيت الإحتياج الذي إحتاجها فيه .. هي الأخرى كانت كعصفورة بائسة وحيدة مبللة بمطر الحزن وتبحث في وحشة غربتها الواسعة عن عش حنان وأمان ..
    في غربة باريس يتناسل الحزن والحنين والتعب والوحدة والاحتياج الدائم للآخر .. أي آخر .. فقط يملك قلبا يمكن أن يسمعك ..
    يسمعك لا أكثر ولو للحظات عابرة بدروب البوح !!
    هاقد التقيا .. في الموسيقى الهادئة التي اختارتها من هاتفها وقفا في جوهما النغمي الهادىء ذاك .. ضمها ..
    ـــ كم أحتاجك يا صديقتي !!
    ـــ أنا أكثر إحتياجا إليك بهذي الغربة !!
    وبكت .. بل بكيا معا كما اعتادا دوما في أضاميم الحزن والدموع واحتياج الاختناق !!
    ـــ محظوظ جدا من يلقى في غربته قلبا يسمعه ويهتم به !!
    قال لها وهو يمسح شعرها بحنان فردت ورأسها راقدا على صدره والموسيقى تلفهما في غيمتها الوردية :
    ـــ قدر من أحلى أقداري أنت !!
    صباح اليوم التالي تحول حضن الأمس إلى أجمل شعر كتبته وقرأه العالم وفي الجهة الأخرى كان هو مايزال يحلق بألوان ريشته ويرسم في إتقان مذهل ذاك الحضن الدافىء الذي كانا فيه بالأمس والذي ستختاره هي لاحقا صورة لغلاف أول ديوان لها يولد في الغربة !!
    --- تمت ---
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  7. #7
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    في إنتظار قيامة لم تأتي 10-10-2017

    في إنتظار قيامة لم تأتي

    قصة قصيرة بقلم سعيد مصبح الغافري

    - أنتِ الآن هنا معي ، مختلطة برائحة اللذة !!
    بشاعريته التي أحبها ؛ بادرني بالحديث فسألته بدهشة وقدسَـرَت في جسدي فجأة رعشة خفيفة غامضة ذات طعم حلو :
    - أين" هنا " بالضبط ؟! إعترف ..
    سكت بدون جواب شاف .. يعرف بسكوته كيف يثير بقلبي جمر النبض و كيف يحرض في غابات مشاعري حرائق اللهفة والتوق .. تحايلت عليه أسأله كمن يبحث عن مصباح في عتمة ليله :
    - عن جد .. أين أنتَ الآن ؟!
    - حيث أنتِ الآن !!
    باغتني جوابه المشاغب الراقص برشاقة إيقاعه على أعصابي .. أهي صدفة - إذن - أن نتواطأ معا في المكان وعلى هذا النحو المريب من الوقت ؟!
    شعرت كما لو أنه يراقبني من ثقب الباب المغلق الذي يتوارى خلفه كل صراخ حرماني ووحدتي واحتياجي ووهيج دموعي .. قلت بشوق وربما بمكر أو حيلة .. سَـمِّـهِ ما شئت :
    - أنا الآن على ....
    تعمدت أن لا أكمل .. تركت بقية صوتي المنقطع بابا مواربا له ولحدسه .. هو يعرف أين أنا الآن ويعرف أنني أظل طوال الوقت " جاهزة له " بكل شغفي وترقبي ، تماما مثل أجراس الطوارئ .. وحتما سوف يجيء .. هذا الرجل الذي يغمر أنوثتي ويشعرني بالإمتلاء سيأتي ..أكاد أجزم أنه قريب جدا من باب بيتي المفتوح له على الدوام .. يالي من إمرأة لا تمل ولا تتعب منه أبدا . ما ذنبي ؟! أحبه !!


    مرة ونحن في أجيج حضن صاخب صرخت وأنا أضمه بحرارة :
    - إعتقني منك .. يا رجل . خمس سنوات ونحن على عناق !!
    وكأن عاصفة إقتلعته ؛ إنزاح عني جانبا وألصق وجهه في النافذة المدثرة بالستارة .. فجأة صار كقط منكمش واجم منفوخ الوجه أو كشمعة انطفأت على إثر نسمة خفيفة مرت عليها .. لم أتصور أن هذه المداعبة التي داعبتها معه على بساطتها وعفويتها ستنقلب إلى جدية لديه ..
    - تبا لك . ماذا دهاك يا أنت ؟! أنا أمزح . لم أقصد !!
    قلت محاولة إسترضائه وأنا بين ضحك وابتسام وأصابعي تعزف قارصة ومدغدغة خاصرته المتمددة بجواري مثل عمود ضوء ..
    - هل مللتِ مني؟!
    سألني معاتبا في صوت خافت دون أن يتحرك شيء من جسده إلا شفتيه .. أجبت بحب :
    - نعم . بدليل أنني أريدك كل العمر لي وحدي دون أي شريك آخر يشاركني فيك ..
    صمت قليلا دون رد وعيناه مازالتا في النافذة ..
    - أنت زعلت ؟!
    سألت بخوف متفحص .. لم يرد .. تركني محتارة مع صمته .. أوشكت أقول شيئا لكني سَـكَـتُّ عندما رأيته يستدير ملتفتا إلي وهو يبتسم . أخيرا !! ها قد تراخت ملامح وجهه وزال منها ذلك التجهم المفاجىء والمزعج أيضا .. تناول يدي برفق .. نظرني بعينين لا تلتمع فيهما أية رغبة من تلك التي ينشدها أحيانا جوع الجسد بل نور هادىء شفيف يحتويني به بكل ما فيه من روح وصدق و حب وحنية وأمان .. قَـبَّـلَ كف يدي .. شم عطرها الناعم للحظات في وَلـَهٍ واضح .. يا ويلي .. أنا لا شيء يذيبني منه إلا هذه القبلة التي تلسع بجمرها أعمق أحاسيسي .. عاد نبضي يرتفع ودمي ينفر صاعدا وأنا أسمعه يهمس وعيناه مركزتان في عيني ..
    - أحبك .. لا أتصور هذا الباقي من عمري بدونك .. أنا حب يرفض العتق من المحبوب !!
    رفرفت رموش عيناي كجناحي عصفورة سعيدة بالمطر الذي يبلها .. إصاعدت مشاعري و لم يمهلني لقول شيء بل سحبني إليه .. أعادني مجددا إلى نفس نقطة البدء التي تشظى وتبعثر فيها كل كياني فيه ، و إلى ذات النار التي أشتهيها دائما معه .. يثيرني هذا العشب الرجولي الذي على صدره فأتمرغ في براريه الفسيحة بكل قبلاتي وسخونة أنفاسي .. أتحسس قلبه وهو ينز خلف أضلاعه ضاربا سمعي ووجهي وكل جسدي بخفقانه القوي الذي أحسه مطرا ساخنا من قبلات تنهمر علي بغزارة ولا أود صدقا أن تتوقف .. نندمج في إيقاع واحد متناغم جسدا وروحا .. نصعد عبر سلالم الإحتشاد المحتدم لأحاسيسنا .. حتام ؟! لا تسألوني ؛ فلا نهاية لسماء الجنون حين يسافر فيها صهيل اللذة و الفرح !!
    لكن .. وآ أسفاه .. الوقت يهرب مسرعا . ما أخذله إذ لا يترك أحدا لسعادته وهناءاته .. يرن المنبه .. كم جدا أكرهه حين يقاطع حديث الشهد مع النار .. أمد يدي باتجاهه وأنا غارقة بكل كلي في حمأة العناق .. أخرسه بضربة طائشة من يدي لا أدري أين جاءته فيسقط على الأرض .. يتحطم مطلقا آخر صرخة أنين له ..
    - أحسن !!
    أقول دون أسف وأنا أسمع ارتطامه على الرخام المصقول وقد سكت إلى الأبد .. الساعة الرابعة صباحا .. صياح الديكة و الأذانات تسمع من كل الجهات في توقيت واحد معلنة صحو الفجر وقرب رحيل الليل ..
    - عليَّ أن أذهب ..
    أشهق .. تنقبض روحي مذعورة وأنا أسمعه يتهيأ للانصراف .. ذاك الانصراف الموجع الذي يعني بداية موتي .. أرجوه متوسلة :
    - واصل النوم .. سنذهب معا صباحا إلى الدوام بعد أن تفطر عندي ..
    يجيب مصرا وهو يلبس ثياب رحيله :
    - بودي البقاء يا حبيبتي .. لكن يجب أن أذهب قبل أن تستيقظ الحكومة ..
    أزم شفتي وأزفر في غيظ ؛ فلا شيء يثير أعصابي ويعكر مزاجي إلا هذه الحكومة/زوجته .. هذه الضرة التي لم أستطع أن أبلعها ولا أن أجد لها مكانا شاغرا في قلبي .. يطبع وجنتي بقبلة هي مزيج من إعتذار ووداع وحب وحزن أيضا ..
    - غسان ..
    ناديته في اللحظة التي كانت يده على مقبض الباب وتوشك أن تفتحه .. نظرني مستفهما وأنا فاردة له ذراعاي فارتسمت على شفتيه ابتسامة أشبه بشعاع صباح صاف . ترك مقبض الباب وعاد إلى السرير .. عاد إلي. . تلك العودة بلحظاتها التي رجع بها و أحاطني فيها بذراعيه كانت كافية بأن تؤجل موتي وأن تمنحني قدرا لا بأس به من الحياة ولو مؤقتا ..
    ضممته بقوة وأنا أشعر أني سأفتقده .. تمنيت لو يظل هذا الحضن عمرا بلا انتهاء .. نظرته بـعـينيَّ الكانتا على حافة البكاء ..
    - متى في موعد أَشْـهـىَ؟
    سألته بشوق وأنا أبحث في عينيه العميقتين عن موعد مرتقب جديد يجمعنا في القريب فرد مُـؤَمِّـلاً وغيمة أنفاسه العطرة تَـغـشـىَ وجهي :
    - قريبا في الأيام ..
    ثم قَـبَّـل جبهتي وانصرف غالقا الباب خلفه وبقيت أنا متمددة كميتة في غيابة قبر .. "قريبا في الأيام" قالها و غادر . في تلك اللحظة التي غادر فيها وأغلق خلفه باب الرحيل ؛ شعرت بأن كل شيء كان لي هنا قد طار بلحظة . لم أعد أحس بأني تحت ذاك السقف الذي كنت أستظل بظله من هجير الأيام وانهمار المطر . أصبحت تحت فراغ مكشوف و تحت عمر لم يكن . في العراء أنا . يجتاحني منذ غادرني برد الوحدة وصمت الجدران وعذابات الفقد و الإنتظار المرابط على عتبة باب الحنين و لا ثمة ريح من بشرى تأتي بشذاه . بشيء من تدثيرة دفئه المفتقد .
    في سالف زمن عشت قرأت على سبورة درس سوداء ( القناعة كنز ) لكني نسيت الدرس أو أني لم تقنعني كذبة هذا المنطق . فحين عثرت على الحب . حين شهقت بذات مساء تشريني الحظ بأول رجل يشبهني كثيرا _ حينها كرهت منطق ذاك الكنز الفارغ . سخرت من سخافة تلك الحكمة . لم يكفيني . لم يقنعني أي قليل ، وصرت أحب أعيش الحب كما لو كان كل كنوز الأرض .
    بخروجه رحت أُوَقـِّـتُ موتي من الآن لحينما يُحـيِـيِـني بلقاء جديد تجود به الأيام والفرص .. وبين الزمن والظروف تبرزخت أنا إمرأة بائسة معذبة تنتظر بترقب صبور قيامتها الجديدة السعيدة !!


    أمامي حتى ألقاه أيام وأسابيع وربما شهور طوال عجاف أعيشها في حضرة الغياب والظمأ .. سأظل معلقة روحي بمشجب الأمل وساندة ترقبي وانتظاري على جذع ليل طويل وبارد وبلا أحد فيه إلاي وتلك الريح المولولة التي تلوب حولي خامشة بمخالبها الثلجية عتمة صمتي .
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري
    ______________________

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  8. #8
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    تَــأَوَّبَ طَــيْـفٌ 17-08-2017,

    تَــأَوَّبَ طَــيْـفٌ

    قصة قصيرة بقلم / سعيد مصبح الغافري ______________________________


    لعدة أيام ؛ إختفى من حجرته صوت سيلين ديون الذي كان يصدح بكل ما فيه من عذوبة ورقة وأنوثة ودفء .. إختفت تلك الإيقاعات الحلوة التي كنا نجن بها طربا وانتشاء عندما تجمعنا أماسي الطرب والمزاج وحلت محلها أجواء غريبة ومغنية أخرى بصوت مختلف وملامح مختلفة جعلتنا نعيش في عالم آخر بعيد كل البعد عن ذاك الذي كنا فيه .. بل شعرت وأنا أبصر هذا التحول المفاجىء و الغريب لذوق صديقي أن المكان نفسه الذي دخلته ؛ أي حجرته ؛ تكاد تعمه رائحة أخرى وأرض جديدة ووجوه ليست أبدا كتلك التي إعتدتها من قبل في مزاجات أيامه ولياليه ؛ فكل شيء هنا في هذه الحجرة يشعرك بأنك في جو بدوي إبتداء من الصحراء وانتهاء بالنساء البسيطات ذوات الذقون وظاهر الكفوف المرسوم عليها خطوط الوشم ..
    خيل إلي أن البادية العربية انتقلت بكل مجتمعها البدوي إلى حجرة صديقي الذي استهوت أذنه أغاني سميرة توفيق .. كلما زرته أسمعه لا يستمع إلا لهذه السمراء الجميلة وكل حواسه مشدودة مع أغانيها وكل عينيه مبحلقتان في وجهها البدوي العربي الجميل ذو الشامة الساحرة وفي عينيها العربيتين الواسعتين ذاتا الرموش الطوال و الجمال الشرقي الباهر الذي على أصوله .. هذه البدوية التي من غمزة واحدة من عينها تكفي لقتل ألف قلب !!
    - الله يسامحك .. دخت السبع دوخات حتى أعثر لك على صورة كبيرة لسميرة توفيق بعدما وجدت مكتبة تغاريد مغلقة على غير عادتها فاضطررت أن أبحث في المكتبات الأخرى التي على نفس الخط ؛ وهكذا سارت رحلة بحثي بطول شارع المتنبي ومن مكتبة إلى مكتبة وكل مكتبة تخرجني منها خائبا إلى أن انتهيت بآخر مكتبة في آخر هذا الشارع .. وهناك عثرت على المطلوب .. هاك . تفضل !!
    شكرني بحرارة وهو يعلق بفرح و باعتزاز برواز الصورة في المسمار المثبت بالجدار .. لاحظت آثار طرق حديث على رأس المسمار مما يدل على أنه قام بتثبيته في الجدار منذ وقت قصير وفهمت أن صديقي قد جهز وأعد كل شيء مسبقا لاستقبال ضيفته سليلة الأصالة والجمال ..
    إلى هنا مشت الأمور طبيعية .. لكني وسط ذهولي ذاك كان ثمة فضول ما يدفعني دفعا ويلح علي لمعرفة سر هذا الولع الشديد والمفاجىء بسميرة توفيق وبأغاني سميرة توفيق وخصوصا هذه الأيام مع أني أعرفه وأعرف ذوقه جيدا وأنه مولع دائما بالأغاني الغربية وبالأخص أغاني سيلين ديون .. حتى لا تكاد أغنية لهذه المطربة خاصة تفلت كلماتها من شفتيه ولايكاد درجه يخلو من إسطواناتها فما الذي غير مزاج أذنه وجعله يتجه بها إلى مضارب البدو والربابة ؟! ثم الأهم ماسر هذا الوله المفاجىء الذي يبدو عليه ؟! ولماذا سميرة توفيق تحديدا ؟! مالذي ذكره بها ؟! فمحطات التلفاز في زمن طغيان الرداءة والذوق المنحط تكاد تنساها ولاتأتي على ذكرها إلا نادرا مع أنها بحد ذاتها تاريخ ورمز أصيل وجميل من رموز الفن !!
    نظرته بتأمل متبسم وأنا أسأله بخبث متفحص :
    _ أنت شو حكايتك هذي الأيام مع سميرة توفيق ؟! شكلك بتحب !!
    افترت على طرف شفتيه إبتسامة حزينة وقال بضجر بَـيِّـنٍ وعيناه مثبتتان في برواز الصورة كأنه يتأمل طيف خيال ما تأوب منها :
    - لا أبدا . فقط مزاج ..
    اندهشت غير مصدق إجابته ثم حاصرته واضعا عيناي في عينيه كأني أحاول إخراج السر الكامن من عمقهما الغامض :
    - فقط مزاج ؟! علي أنا هذا الكلام يا صاحبي؟! وجهك مفضوح بالعشق حتى أنك تظل مشدوها مرتبكا كلما غمزت لك سميرة توفيق بطرف عينها ذات الحور القاتل .. فضفض .. ما قصتك ؟!
    - ..............
    ظل على إطراقته الغامضة تلك ساهما شارد الذهن ولم يرد على تساؤلاتي ولا بربع جواب مسموع .. إنتابني شعور جدي بالقلق والاشفاق عليه .. كانت ملامحه الطفوليةبائسةومغمومة ثم فجأة رأيته يشير بيده إلى كتاب متوسط الحجم كان أمامه على طاولته وقال وهو يخفي عني وجهه :
    - إفتحه ..
    تناولت الكتاب وفورا دون أن أفرده انفتح بذاته من منتصفه ، وشهقت حين رأيت الصورة الموضوعة فيه ..
    - صابر .. هذي الـ .... !!
    أخذ مني الكتاب برفق وضمه بحنو كبير إلى صدره وقال بضعف وبريق الدمع على عينيه :
    - ما قدرت أنساها يا صديقي .. ما قدرت .. ما قدرت .. نفس ملامح سميرة توفيق . نفس ثغرها المذهل . نفس ابتسامتها . نفس عيونها السود الواسعة . نفس طولها . نفس بحة صوتها . يا إلهي .. وين أروح ؟! وين أهرب يا ربي منها ؟!
    وانهار باكيا وهو ينشج مثل طفل .. كان إحساس الفقد مالئا صوته ووجهه الكئيب ..
    - الله يرحمك يا حبيبتي .. يا ليتني مت معك بذاك اليوم المشؤوم !!
    ربت على ظهره مواسيا وأنا أغالب دمعي .. ابتلت حواف الكتاب الذي على صدره بدموعه السخان .. كان الليل يقترب من منتصف طريق رحلته .. بصعوبة أقنعته بالخروج من هذا الجو الكئيب ومن هذه الحجرة الخانقة و الضاغطة عليه بكل ما في زواياها من ماض عاشه مع حبيبته عندما كانت تزوره برفقة أخيها طورا وطورا مع رفيقتها عندما تنتهيان من محاضرات الجامعة وتخرجان منصرفتان معا إما إلى السينما أو التسكع في شوارع و مولات المدينة قتلا للوقت وتصيدا عابثا لقلوب الشباب من هنا وهناك في عبث شبابي يجيدانه مع المغفلين المصدقين للسراب ..
    بعد أيام من تلك الزيارة التي زرتها له ومعي سميرة توفيق .. و ذات صباح لا ينسى .. كنت برفقته نتمشى .. غير أني لم أكن مرتاحا مطلقا لمنظره البائس وأحس بالقلق عليه من هذا الحزن الذي يعم ملامحه ويملأ صوته الواهن .. وأكثر ما زاد من خوفي عليه أنه صار في الأيام الأخيرة هذه يهذي كثيرا باسم حبيبته وفي كل مكان وأمام أي فتاة جميلة نصادفها فيوقعني في إحراج .. هل جن صديقي ؟! تحملت بصبر تصرفاته وفي قلبي عليه من الحسرة والحزن أضعاف الذي كان يظهر على وجهي الجازع .. لطفك به يا ربي . لطفك به .. لكن حدث الذي لم يكن متوقعا أن يحدث أو يكون ؛ ففجأة ونحن في ذاك التجوال تجمد صديقي بشكل مباغت في وقفته وكل عيناه موجهتان نحو الرصيف الآخر المقابل و الذي يفصلنا عنه شارع سريع .. كانت ثمة فتاة واقفة هناك على ذاك الرصيف .. ويا سبحان الخالق .. كانت تشبه حبيبته إلى حد بعيد .. السيارات . الناس . كل شيء يتحرك إلا صديقي .. تجمد كل شيء فيه .. قدماه سمرتا في مكانهما وعيناه الزائغتان ثبتتا في تلك الفتاة الشابة .. اضطرني هذا الأمر أن أتوقف لوقفته وأنا أحاول أن أفيقه من شروده ومن حالته دون جدوى .. عذرت ألمه الذي كان في تلك اللحظات يعتمل في أعماقه .. كان هذا الوضع ينذر حتما بشيء ما سيقع الآن .. هذا ما شعرته لحظتئذ .. وقد حدث .. فمثل حصان مهموز رأيت صديقي ينفلت فجأة من وقفته تلك ويطلق لقدميه الريح .. ركض وهو يصرخ في الشوارع وزحام الناس مثل الحلاج الذي رأى الله :
    _ ليلى . ليلى . أنا جايلك يا حبيبتي .....
    ركضت وراءه محاولا المساك به وإرجاعه إلى رشده وأنا أتوسل في نفسي :
    - يالله . لطفك وسترك يا رب ..
    لكن في اللحظة التي أوشكت أن أقترب منه وأمسكه قفز صديقي من السياج الحديدي الواقي وارتمى في الشارع السريع الذي لا يرحم أحدا .. صرخت به في ذعر :
    - صابر . صابر . إنتبه . إرجع أرجوك .. الشارع خطر ..
    لكنه بدلا من أن يرجع اندفع راكضا وزج بروحه قاطعا ذلك الشارع الذي كانت السيارات فيه تنطلق بسرعة مخيفة .. ثوان و رأيته أشبه بشبح يطير بكل جسمه في الهواء بعدما صدمته شاحنة قادمة .. طار عاليا ثم هوى متدحرجا جهة الرصيف الذي تقف عليه تلك الفتاة .. سقط أمامها مباشرة .. وأطلقت الفتاة صرخة مذعورة وهي ترى رجلا يسقط ميتا عند قدميها وهو مضرج بدمائه .. رباه . رباه .. رأيته وأنا أركض باتجاهه وقد غاب من ذهني كل خطر داهم في هذا الشارع المميت - رأيته يرفع للفتاة يدا وفي اليد ورقة .. لكن تلك الحركة لم تدم طويلا فسرعان ما هوت تلك اليد وسقطت متمددة بدمائها على الرصيف والفتاة ترتجف وعيناها زائغتان من هول الصدمة .. كانت هذه آخر حركة رأيتها منه !!
    توقف الشارع كله مكرها وحدثت فوضى عارمة بين السيارات التي راحت فراملها تصرخ تحت ضغط الكبح المفاجىء لها من قبل سائقيها .. ركض الناس صوب الحادث .. كنت أول من اقترب منه .. جثة محطمة هامدة دون حراك .. ضربة في الرأس .. دماء متناثرة على الأسفلت والرصيف وفستان تلك الفتاة .. الشيء الوحيد الذي لم يفلت منه لحظة إرتطامه بالشاحنة كانت صورة حبيبته التي تلطخت بدمه .. كانت لا تزال في نفس قبضة يده .. نزعتها بألم وحزن وأنا أضمه في صراخ مفتجع حاد أجهشت فيه بالبكاء ..
    مات صديقي بعد عام من مصرع حبيبته .. كلاهما مات في حادث ..
    اليوم ذكرى وفاته .. أقف في نفس المكان الذي لقي فيه حتفه .. أتلو الفاتحة على روحه ودموعي تتساقط في صمت على نفس الرصيف الذي حدثت فيه هذه المأساة .. كل شيء في حياتي لم يعد كما كان منذ فقدت هذا الإنسان الشاعري الحالم الأعز والأقرب إلى حياتي .. انطفأت تلك الابتسامة التي كنت استقبل بها الحياة بكل بهجة وشباب .. نهضت متثاقلا بعد دقيقة صمت وحداد وغبت في الزحام وحيدا دون رفيق .
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  9. #9
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    لا وَجْــهَ لـي هُــنـا !! 28-09-2017

    لا وَجْــهَ لـي هُــنـا !!
    قصة قصيرة بقلم / سعيد مصبح الغافري
    # صديقتي ...




    على نفس الاضطجاعة الجانبية تمددت أمامه في لانجري أحمر شفاف تصعب مقاومة إغرائه مع شابة جميلة الملامح في الخامسة والعشرين من عمرها .. يبتسم هو ابتسامة لزجة ذات مغزى تفضحه التماعة عينيه الذئبيتين الناظرتين إليها بشراهة وجوع ..
    كان وجهه الخناسي قاسيا وزاد من قسوته تلك الندبة الظاهرة على ذقنه كأثر لجرح قديم مرتبط بماضيه البغيض وبشخص يكرهه ..دوما يشتط به الغضب ويهدر مهتاجا كلما رأى هذا اللاصق الأبدي الأشبه باللعنة على جسده ؛ كيف قَـدَرَ ذاك الضئيل الحجم حبيبها المسمى أحمد أن يحطم وبصورة مربكة وغير متوقعة مهابة رجل لا يقهره أحد ؟! كيف جرح وأهان قوته وجبروته وسطوته التي سخر لأجلها المال والنفوذ والعضلات والعصابة المخيفة التي يتزعمها ؟!
    يشعل سيجارته الهافانية وينفث غيمها الرمادي المتغطرس في جو الغرفة .. هي ذي حبيبة غريمه التي ظلت لسنوات عصية عليه كالجبال ؛ الآن بين يدي رغباته وشهوته التي يتلذذ بساديتها البالغة القسوة مع ضحاياه .. تنتظره على ذاك السرير بإغراء فاجر أو هكذا كان يتصور عقله الأحمق المركب بين فخذيه .. في عينيها بريق رغبة زائفة وهي تعض على شفتها السفلى ذات الاكتناز المارليني المثير .. يشتعل .. يندلق لعابه رغويا على جانب شفته وكأنه ثور .. لا يتحمل .. يرمي بالسيجارة المشتعلة التي بالكاد شفط منها على عجالة شفطتين ــ يرميها بين قدميه الحافيتين الكثيرتا العروق .. يدوسها كصرصور فتنسحق منطفئة من دون حتى أي أنفاس دخان .. يفرك كفيه متلمضا بشفتيه هذا الجسد العشريني الذي ينتظره كوجبة دسمة بكل أنوثته الناضجة والكاملة الدسم .. هذا الجسد الذي يا طالما حلم به وتمناه وصارع لأجله كل هذه السنين .. يتحرك .. تتلوى أمامه كأفعى شهوانية ماكرة تجيد اللعب على أوتار الأعصاب .. بينه وبين السرير الآن مسافة خطوتين أو ثلاث .. تراءت في عينيها وهو يقترب منها صورة حبيبها المقتول غـدرا .. إندلعت نار الانتقام في صدرها .. قاتل حبيبها يوشك أن يدنو منها ويغشاها .. تتحسس يدها القابضة بالموت والمتوارية بالجدار الملاصق للسرير .. يقترب .. يقترب .. و .. طاااخ . طاااخ . طاااخ .
    ثلاث طلقات من كاتم صوت وأردته قتيلا في الحال .. يسقط متهاويا أمامها كصخرة هائلة .. تلبس ملابسها .. تخطف هاتفه النقال الذي وضعه على التسريحة .. تعطل بياناته .. تحمله معها وتخرج باردة الأعصاب وتذوب كحبة ملح في زحام المدينة !!
    ♡♡♡
    @ أنـا ...
    وقف يطالع وجهي الجامد كالصخر .. عيناي تثقبان عينيه بنظرة احتقار بارد .. من أحد طرفي شفتيه كان يسيل لعاب شهوة أشبه بـدَبَـقٍ عفن الرائحة ..
    نحوي و بهدوء تحرك بقدميه الغليظتين .. همهم مفرقعا أصابعه الغلاظ قبل أن يبدأ رقصة الإثم على مسرح جسدي المنهك .. نهايته.. أفـرغـني من كل طاقتي ثم خرج دون أن يلوي على شيء ..
    تكومت في نوبة بكاء حارق وأنا أشعر بكل كياني مشتعل بالنار .. ألعن ذاتي وألعن معها هذا الحيوان المسخ الذي يذل حياتي ..
    بعد وقت لا أتذكر كم كان ؛ نزعت جسدي من ذلك الفراش المتبقع عرقا وقذارة وكأنني أنزع نفسي من مخالب شيطان نجس .. في أحشائي كانت تقرصني الخطيئة وكان الله على مبعدة بضعة أمتار من سكني .. خرجت من الغرفة بعد أن أفرغت كل ضيقي وقرفي وتعبي وقيء معدتي المضطربة تحت شلال دش ساخن أعاد إلي انتعاشي ..
    إلتقيت الله بلهفة من يرغب في الخلاص من الجحيم .. لذت إليه بصلاة دموعي وضعفي ثم خرجت مع المصلين الخارجين .. همت على وجهي غاطسة في أنهار هذه الشوارع المكتظة ..



    على ذاك المقعد الخشبي الفارغ والمنعزل قبالة البحر ؛ جلست وحيدة إلا من سيجارتي التي أدخنها وذهني الذي كان يتناقش معي في أشياء كثيرة مهمة تخص حياتي .. وبرغم النوارس التي كانت تحوم فوقي وتحط أحيانا متمشية بأمان قربي ، وبرغم موج البحر الذي كان يتراقص في مد وجـزرٍ وبهدوء ونعومة أمامي ، وبرغم الناس وأصوات الأولاد وهم يلعبون على الشاطىء ــ برغم كل هذا وذاك إلا أنني لم أحس وقتها بهذه الحياة التي تنبض وتتحرك حولي .. كان عقلي ومشاعري قد فصلاني عن كل شيء وشعرت كما لو أنني في عالم آخـر !!
    كم جلست هناك ؟! لا أعلم !! كنت غارقة بكلي في حمأة تفكير عميق ولم أنتبه لشيء إلا بعدما شعرت بخبطة على المقعد الذي كنت جالسة عليه ، فانتبهت متفاجئة وأنا أنظر لليمين !!
    أبـصرت صبيا في لباس رياضي أصفر يركض باتجاهي وقد اتـسـخ بنطاله القصير بالطين . عندما وصل ؛ وقف مبتسما في وجهي وهو يقول بتهذيب وصوته مقتضب يلهث :
    ــ آســف سـيـدتـي !!
    إكتفيت بايتسامة هادئة رسمتها على وجهي ردا عليه . إلتقط الكرة التي كانت مستقرة بجوار المقعد وعاد راكضا بها إلى رفاقه . في سـري كنت أغبطه على صباه السعيد هذا وعلى هذه الحياة التي يقضي أوقاتها لاهية وخالية من أي هـمٍّ أو قلق
    !!
    نظرت لساعة يدي .. حفزتني عقاربها على الإنصراف فنهضت .. ألقيت نظرة على المكان كمن يودع عالما حتما بعد أيام لـن يراه ولـن يلتقيه وسيصبح بالنسبة له مجرد ذكرى .
    كانت هذه هي المرة الأخيرة التي أذهب فيها إلى هذا الشاطىء الذي ظل لسنوات عديدة هو والحديقة العامة القريبة منه المكانان الوحيدان المفضلان لديَّ في هذه المدينة عندما أخرج للنزهة أو بحثا عن مكان ألـقي فيه بمتاعبي وهمومي . إنـصرفـت عائدة إلى سكناي وفي رأسي عدة قرارات مصيرية عنيفة ، سـأنـفـذها تباعا من بـدء الغـد !!
    صباحا ودون تردد أو نـدم نفذت القرار الأول والأهم في عيادة خاصة أثـق بطبيبتها على المطـلـق .. أسـقطت من بطني بذرة الحـرام
    ..
    هـاقـد صرنا بإثـنـتـيـنـا أنا وصـديـقـتي ؛ كـل واحدة تخـلـصت من عـدوها بطـريقة ما !!



    بعد أسبوع كنت أقفز بخطوتي الجريئة الثانية إلى قراري التالي ؛ القرار الذي غـيَّـرني وغـيَّـر كل شيء بحياتي ؛ فمن مكتب سفريات قريب قطعت تذكرة وسافرت تاركة ورائي كل شيء .. لم أضع أبداً في تخطيطي ولا نيتي ولا آمال حياتي القادمة أني سأعود إلى هذه المدينة ؛ فقد قررت أن لا ألـتـفـت الى الوراء وأن أرحل بعيدا قدر الإمكان !!
    في البلد الجديد الذي هاجرت إليه واتخذت من غربته وطنا بديلا أسكنه ؛ كانت ثمة حياة جديدة تنتظرني في كتاب جديد من دون كتابة .. صفحات فارغة لم يلمسها بعد حبر الغربة و تستئن حتى تملؤها أبجدية قصة جديدة تعمدت أن أجعلها من دون فصول للماضي .. أظن القصة بدأت منذ وصلـت إلى بـرلـيـن !!
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



  10. #10
    كاتبة خواطر في السبلة العُمانية
    الصورة الرمزية اسطورة لن تتكرر
    تاريخ التسجيل
    Jun 2012
    الدولة
    بين نبض حكاية ودمعة فرح
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,951

    أولُ حُـمَـارٍ في الحُــب !! 09-05-2018

    أولُ حُـمَـارٍ في الحُــب !!
    قصة قصيرة بقلمي ..


    كان فارس الموعد جنتلمانا كثير التأنق والمبالغة في المظهر ، مفتونا كعادته بالأضواء وبمغناطيس الأشياء السطحية البراقة . قابلته ذات موعد في مقهى راقٍ إختاره بنفسه للقائهما . كان وجهها يرزح تحت ثقل المساحيق والألوان والبهارج الكثيرة المتكلفة . هذا غير الفستان العاري الظهر والذي من أمامه يكشف جانبا من المشارف العليا لصدرها الوضيء الأكثر تدميرا للقلب الشهواني النبض حيث وهج الأنوثة على أشد ما يكون سطوعا وتوتيرا للأعصاب . لمعت عيناه ببريق الدهشة و فرح الشهوة الجائعة بما يراه أمامه من أناقة طاغية وأنوثة عشرينية دسمة فوارة ومرغوبة . بلحظة واحدة التقطت لها بعينيها المحروستين بالذكاء صورة دقيقة ثلاثية الأبعاد لجانب من ردهة قذرة وعفنة جدا برزت من إحدى جوانب عقله الكلي الوسخ . تحمحمت ثم تحركت شفتها تسأله إن كان زار معرض الكتب المقام بمدينته هذه الأيام ؟ تظاهر كاذبا بالإيجاب ليرضي فقط غرور نرجسيته وفضول سؤالها . دحرجته بهدوء نحو حفرة سؤال ثان : ماذا اشتريت من كتب ؟ تلبك حائرا يبحث عن أي كتاب في الارفف الصدئة لارشيف عقله القديم الكثير الأتربة والغبار . خانه بحث ذاكرته ؛ إذ لم يعثر على شيء هناك خلا رزمة لايصالات مالية تخص شركته وتعاملاته . طوّفت هذا السؤال بسؤال تـالٍ سألته إياه بتعمق مستفز :
    ♡هل تقرأ لمظفر النواب ؟!
    ■ لا .
    ♡ لعبدالله الطائي أو سيف الرحبي ؟!
    ■ أول مرة أسمع بهما .
    ♡ طيب . لنزار ؟! .
    ■ تقريبا أليس هو صاحب كلمات ترقص حافية الساقين تبع ناظم الساهر ؟! ( ناظم الساهر ؟! ذاكرته مغيبة تماما ) .
    ♡ لا وأنت الصادق . هذا البقال الذي يبيع في سوق المواشي ( تعمدت بغيظ أن تخلط روث البقر بالعدس نكاية به وبجهله ) .



    واصلت قصفها له وقد تذكرت في التو شاعرة ذات حس أدبي مرهف تحب متابعتها وقراءة نصوصها كما أنها صديقتها الروح بالروح . سألته بغتة :
    ♡ هل اشتريت ديوان صديقتي الشاعرة إيمان عامر ؟ شاعرة جميلة مبدعة . موجود ديوانها بالمعرض .
    طأطأ منحرجا. ما هذا اليوم الاغبر الذي تورط فيه ؟! هو لا يعرف هذه الشاعرة ولا ماذا تكتب وهو بحياته لم يدخل معرضا له صلة بالكتب والفكر والثقافة والقراءة وهذا المعرض الذي ذكرته له وفيه هذه الأيام عرس ( إقرأ ) يجهل تماما موقعه الجديد الذي إنتقل إليه . وفي خارطة GPS عقله المهترئة والكثيرة الحَـوَل هو لا يتذكر بواسطتها إلا المبنى القديم للمعرض والذي كان يمر عليه كل صباح في طريقه إلى شركته الضخمة الواقعة في الحي الراقي بالعاصمة . هذا المبنى الذي لا يعرف منه إلا شارعه وواجهته وألوان أعلام دول العالم التي ترفرف أمامه والتي يجهل معظمها ولمن تكون . الطرق والأماكن الوحيدة التي يحفظها جيدا وعن ظهر قلب هي فقط الطريق المؤدي إلى شركته وذاك الثاني الموصل إلى البنك الذي فيه حساباته وامواله وصفقاته السرية والطريق الثالث جيبه الذي يعتقد دائما أنه يستطيع به أن يشتري أي شيء بما فيه النساء الجميلات حتى ولو كانت هيفاء وهبي ذاتها أو كيم كارديشان بذات جمالها المزلزل ومؤخرتها الأغلى تأمينا في العالم .
    حاصرته بحنق وهي تبحث في خرابة فراغ عقله المجوف :
    ♡ ألا تعرف أحدا من الشعراء أو الكتاب أو المثقفين ؟!
    لم يستطع من شدة خجل الجهل والأمية المطبقة اللذين إفتضح بهما أن يرفع رأسه ليرد . كانت قد وصلت معه إلى حافة النهاية وطلقة القرار الاخير توشك أن تخرج من فوهة فمها . لم تتمهل وهي تضغط على زناد ما صممت أن تفعله فهي تجيد التسديد بدقة نحو من تريد أن تتخلص منهم ممن هم على شاكلة هذا المسخ وفي الوقت المناسب وبلا أي تردد أو خوف .
    وفي لحظة واحدة قفزت نازعة نفسها من المقعد الذي كانت تجلس عليه قبالته. ووقفت والغضب يرسم ألوانا شتى من قوس قزحه على وجهها أو ما يبدو أنه وجهها وصرخت به بصوت ماجدة الرومي :
    ♡ إذن لماذا تهتم بشكلي ؟!
    ولا تدرك عقلي !!
    ثم أسرعت ومدت يدها إلى وجهها . أصابعها الرقيقة الطويلة بدت مثل أشواك حادة أو مخالب لبؤة . أنشبت أظافرها ذات الطلاء الدامي في وجهها وراحت تسحبه ببطء . كان جلد وجهها ينسلخ بكل مساحيقه وألوانه ويتساقط قطعة قطعة أمام فارسها الجالس جامدا بصدمته . كان قناعا زائفا . رمته بوجهه وانصرفت عنه بكل وجهها البسيط الحقيقي وبكل قلبها الباكي المُـرتَـعِـف ندما وأسفا والذي خذلته التوقعات وزيف الناس والحياة الماشية على كذبة وأقنعة .
    بقلمي / سعيد مصبح الغافري
    _______________________

    تعامل مع هذه الحياه
    وكأنك ممسك بوردة ذات لون ومنظر ورائحة جميلة
    تستنشق شذاها وتحذر شوكها وأنت ممسك بها



صفحة 1 من 13 12311 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الحقوق محفوظة للسبلة العمانية 2020
  • أستضافة وتصميم الشروق للأستضافة ش.م.م