ما أعجبَ الإنسانَ حين يضيق صدرُه بما اتَّسع، ويثقل قلبُه بما خفَّ وزال، فيغدو أسيرَ كلمةٍ قيلت، وسجينَ موقفٍ عابر، حتى لكأنَّ العمرَ خُلق ليُهدر في الخصام، لا ليُعاش في الوئام. وما ذاك إلا لأن النفس إذا استبدَّ بها جرحُ الكِبر، أظلمت بصيرتُها، فرأت الإساءةَ جبلًا، ورأت الإحسانَ هباءً منثورًا لا يُرى له أثر ولا يُقام له اعتبار.
ولعلَّ من أوجعِ ما يُبتلى به الإنسانُ أن يرى تبدلَ القلوب بعد صفائها، وتحوّلَ الوجوهِ التي كانت مألفًا ومأمنًا إلى وجوهٍ موحشةٍ يعتريها الجفاء والصدود، حتى ليخال المرءُ أنَّ المودةَ لم تكن يومًا مستقرةً في القلوب، وإنما كانت هدنةً مؤقتةً تنقضي عند أول اختلافٍ وامتحان. وما ذاك إلا لأن كثيرًا من العلاقات بُنيت على عاطفةٍ مجردة، لا على وعيٍ يُدرك أن دوامَ القرب يحتاج إلى سعةِ صدرٍ، واحتمالِ نقصٍ، وتغافلٍ عن هفواتٍ لو دُقق فيها لانهدَّت بسببها أعظمُ الروابط وأوثقُ البنيان.
فالإنسانُ ليس ابنَ الواقع كما هو، بل ابنُ شعوره نحوه، لذا قد يعيش أحدُهم في سعةٍ من الرزق والأهل، وقلبُه أضيقُ من ثقب الإبرة، بينما آخرُ أرهقته الحياةُ وأدمتْه الخطوب، غير أنَّ في صدره متسعًا يضمُّ العالم وما فيه. فالبؤسُ الحقيقي ليس فقرَ اليد، بل فقرَ الروح، وليس ضيقَ الدار، بل ضيقَ المدارك والأفكار.
ومن أعجبِ ما يُرى في هذه الدنيا أنَّ علاقةً شيَّدتها السنون، تهدمها لحظةُ طيشٍ وغرور، ثم تعود بكلمةِ صدقٍ ودمعةِ ندم، وكأن القلوبَ — رغم قسوتها — ما خُلقت إلا لتشتاق، وما بُنيت إلا لتأنس بعد الفراق. وهنا تتجلى حقيقةُ الإنسان؛ فهو ليس ذاك الكائنَ العاقلَ كما يزعم، بل مخلوقٌ تتقاذفه أمواجُ الهوى، فتارةً يرفعه الصفحُ إلى عليين، وتارةً تهوي به الأنا إلى أسفل سافلين.
وما القطيعةُ في حقيقتها إلا موتٌ بطيءٌ للمشاعر، وانطفاءٌ لذاك الضوء الذي كان يربط الأرواح قبل الأجساد، حتى ليغدو القريبُ غريبًا، وكأنَّ عشرةَ العمر ما كانت إلا سرابًا انقضى، أو حلمًا تبدد مع أول ريحِ كبرياءٍ هوجاء.
ولقد علمتني الحياة أنَّ أعظمَ ما يهدم العلاقات ليس الخطأ، فالخطأُ طبعُ البشر، وإنما ذاك التعاظمُ الذي يجعل المرءَ يقدس نفسَه حتى يعجز عن الاعتذار، أو يرى في الصفح مذلةً وانكسارًا. ولو علم أن العفو رفعة، وأن التسامح سيادة، لأدرك أن النفوس الكبيرة لا تُقاس بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على التجاوز عند المقدرة.
فالمسامحةُ ليست تنازلًا كما يظنُّ أهلُ الغلظة، بل تحررٌ من سجنِ الأحقاد، وخروجٌ من ظلمات الثأر إلى سكينة الرضا والاتزان. هي أن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على خصمك، وأن تُخمد في داخلك نارًا لو تُركت لأحرقت عمرك كلَّه دون أن يشعر بها سواك.
وليس العفو أن تنسى الجراح، فبعضُ الجراحِ لا تُنسى، ولكن العفو أن تمنعها من أن تُفسد صفاء روحك، وأن ترفض أن يتحول قلبُك إلى مقبرةٍ للضغائن، أو ساحةٍ تعجُّ فيها صرخاتُ الانتقام.
ثم إنَّ الإنسانَ مهما اشتدَّ خصامه، لا يلبث أن يعود إلى فطرته الأولى، فالقلبُ لم يُخلق ليحمل الضغائن طويلًا، وإنما أرهقته الدنيا حتى ظنَّ أن القسوةَ نجاة، وأن التصلبَ قوة، مع أنَّ أكثر الناس تعبًا ذاك الذي يحمل في داخله معاركَ لا تنتهي، ويجرُّ خلفه أحقادًا أثقلت روحَه وأوهنَت سكينته.
ومن تأمل أحوال البشر، وجد أن أكثرَ الخصومات ما بدأت لعظيمِ سبب، بل لصغائرَ تراكمت، وسوءِ ظنٍّ نما، وكلماتٍ تُركت دون تفسيرٍ أو احتواء، حتى صارت مع الأيام نارًا تأتي على ما بقي من الودِّ والرحمة. ولو أنَّ النفوسَ بادرت إلى التماس الأعذار، وأحسنت الظنَّ بمن عرفت منهم سابقَ الوفاء والإحسان، لما اتسعت فجواتُ القطيعة، ولا استحكمت وحشةُ النفور والهجران.
ولربما كانت أعظمُ درجات النضج أن يُدرك المرءُ أن انتصارَه الحقيقي ليس في كسر خصمه، بل في انتصاره على تلك النفس التي تدعوه إلى التشفي والانتقام، وأن يعلم أن الأيامَ دوارة، وأن الناسَ جميعًا عابرون فوق هذه الأرض، فلا يبقى من المرء بعد رحيله إلا أثرُ خُلقه، وما خلَّفه في القلوب من رحمةٍ أو ألم.
فيا ليت من أثقلتهم الخصوماتُ يعلمون أن العمرَ أقصرُ من أن يُقضى في العتاب، وأن الأرواحَ ما خُلقت لتتنافر، بل لتتراحم وتتآلف، وأنَّ أجملَ ما قد يربحه الإنسانُ في هذه الحياة قلبٌ صافٍ، لا يحمل لأحدٍ ضغينة، ولا يبيت وفي صدره على مسلمٍ غلٌّ ولا عدوان.
فالوجودُ أقصر من أن يُستهلك في الخصومات، والعمرُ أضيق من أن يُهدر في مراقبة الزلات، وما الإنسانُ إلا عابرُ سبيلٍ، يحملُه الزمنُ من محطةٍ إلى أخرى، حتى ينتهي إلى حفرةٍ لا يحمل معها إلا قلبَه وما احتواه. فطوبى لمن دخلها خفيفَ الصدر، نقيَّ السريرة، قد ترك وراءه ضجيج العداوات، ومضى إلى ربِّه بقلبٍ سليم.