ظهرت الفلق وهي مدرسة تعلم الوطنيون منها الوطنية وتعلمت الأفكار منها الحرية وتعلم المعوجون الاستقامة، وأخيرا تعلمت الحكومة وعرفت الحقيقة ألا وهي أن ما زالت بهذه البلاد أمة تقدر حريتها ولو أنها ضعيفة”.
كما أن للفلق ومحرريها العمانيين ميزة لاحظها المتابعون لها وهي استقراؤها للأحداث، وقراءة الواقع السياسي في زنجبار نتيجة الوعي السياسي الذي كان سمة كتابها، وحيث نلاحظ في المقال التالي تنبأهم بكارثة الانقلاب عام 1964م الذي قُتل فيه أكثر من 20 ألف عماني وعربي للأسف بمذبحة دنيئة أمام صمت دولي فاضح، وهذا المقال تم كتابته في الجريدة بعنوان ( العاصفة ) في 20 – 4 – 1932م وجاء فيه:
” كتبت الفلق ونشرت، فلا واع ولا سميع ولا مذكر. صرخنا في حكومتنا فسدت آذانها عن سماع صراخنا، وهززنا أريحية أغنيائنا، فغلقوها في قلوب محكمة التسديد، طلبنا من آبائنا، فكنا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار ـ عملنا ما عملنا، وافتكرنا ما أمكننا، ولكن السيل شديدا ، وهكذا هبت العاصفة، فكانت هوجاء وتلفظنا من شفاهنا المحترقة كلمات أخيرات في الحياة، العفو يا الله.
العاصفة بل قل العواصف، ولكل منها الضحية، عاصفة تهيج موجة العقلية الوطنية وضحيتها الوطن، عاصفة تهيجها الحكومة في اللغة السواحلية وضحيتها العربية، عاصفة لم ولن أدري من هيجاها ضحيتها العرب في زنجبار الذين لا يعلمون ما كتبت لهم المقادير من الشقاء.
وهكذا هبت عاصفة بعد عاصفة، فهيجت موجة التفكير فينا، وعلى تلك الأمواج لا يعدم من خطر على سفن تمخر عبابها، ولكن بسم الله مجراها ومرساها.
إخواني لقد قامت جميع الشعوب العربية تطالب حقوقها بكل وسيلة تملكها، فهل نحن أقل منهم وطنية وحقا، طلبوا استقلال بلادهم فما طلبنا ولم نطلب، قالوا بخروج الأجنبي من أوطانهم، فما قلنا ولا نقول، طلبنا أقل من ذلك نطلب حقوق الوطنية، نطلب إدارة هذه المراكز الصغيرة بدل الأجانب، نطلب لغتنا، فإنها أساسا الحياة، نطلب الاعتراف بنا، إننا أحق من غيرنا في وطننا، نطلب من أغنيائنا، وآبائنا أن يعترفوا بالخطر المهدد لذريتهم إن هم تمسكوا بما هم فيه ، نطلب منهم نبذ التعصب، فالحالة غير ما كانوا يعرفونها.
نطلب من أنفسنا، ومن أولادنا أن نعلم ما علينا وما للوطن من حقوق، نطلب أن نتحد ونتآزر للخير، نطلب حسن التفاهم بين الآباء والأبناء لتبادل المصلحة، ونذكركم انه هبت عواصف ست فالحذر من السابعة، لئلا تذرنا الريح هباء منثورا، إنها لا بد وأن تهب، متى وأين فلا ندري، تحصنوا لمقاومة العاصفة السابعة فإنها أشد أثرا من سابقاتها”.
لقد كان الصحفي العماني في زنجبار شعلة من الشجاعة والإقدام وتحمل المسؤولية اتجاه القضايا الوطنية أمام مستعمر حاقد متربص حاول كثيرا خنقهم ومضايقتهم.
إن ذاكرة التاريخ العماني المجيد لن تنسى أعلام الصحافة في زنجبار من استبسلوا بأقلامهم وفكرهم لبث الوعي ومحاربة الظلم والتعصب في تلك الفترة وكيف وهم يمثلون خيرة المفكرين والمثقفين العمانيين في الجزيرة من أمثال أبي مسلم البهلاني ، والشيخ أحمد بن حمدون الحارثي ، والشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي ، والشيخ أحمد بن سيف الخروصي ، والسيد سيف بن حمود آل سعيد ، والشيخ الأمين بن علي المزروعي، والشيخ هاشل بن راشد المسكري، وأحمد بن محمد اللمكي، وحارث بن سليمان اللمكي ، ومحمد بن ناصر اللمكي وهلال بن محمد البرواني، ومحمد بن هلال البرواني، وعبدالله بن حمود الحارثي، وعلي بن محمد الجمالي، وعبدالله بن صالح الفارسي، وعيد بن سالم الرواحي، ومحمد بن علي البرواني ، وسعيد بن سالم الرواحي، وغيرهم من أبطال الصحافة في زنجبار.
على الرغم من كل العقبات التي كانت تواجه حرية الكلمة من قبل المستعمر الذي حاكم جريدة الفلق وكتابها في عام 1954م وتوقيفها لمدة عام بأكمله مع تغريمها بمبالغ طائلة فرضت على رئيس تحريرها، ولكن كل ذلك لم يثني البقية عن نضالهم بالقلم والوعي حتى نالت زنجبار استقلالها في عام 1963م.
*المرجع: زنجبار في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي (1911-1960م) دراسة في التاريخ السياسي، أحمد بن خلفان بن علي الشبلي، الطبعة الأولى 2015م، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سورية.




رد مع اقتباس