هذا الخروج الكبير عن جو الرواية فعله أيضا الكاتب الإنجليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة التي بعنوان ( 1984 ) والتي إنتهيت منذ أيام من قراءتها كاملة في ترجمتها الأصلية. كنت مستمتعا جدا جدا بالقراءة ومتابعة أحداث ما يجري لبطل الرواية ونستون سميث العضو بالحزب الإشتراكي الغامض . إلى أن اوصلني الكاتب إلى الفصول الأخيرة من روايته وكانت قاب فصلين او ثلاثة من النهاية . في هذه الفصول وتحديدا في فصل أو فصلين منها ادخلني جورج اورويل في متاهة النقد الفلسفي وتنظيرات فكرية عن الأيديولوجيات المعاصرة وكان غالب حديثه نقد لاذع يبرز فيه أهم عيوب ومخازي الاشتراكية وأفكارها المزدوجة وسلوكياتها المنحطة ومعتقداتها المنحرفة والضالة التي ابشعها عدم الإعتراف بوجود الله أو بشيء إسمه الله .. ووجدت نفسي أدخل في متاهة مقالات تزيد عن 50 صفحة وهو ما جعلني أشعر بالملل والسأم والانزعاج كوني اقرأ عن شيء أعرفه وسبق أن قرأته في عشرات الكتب التي تحدثت عن الفكر الشيوعي والاشتراكية بما فيها كتاب رأس المال لكارل ماركس الذي استنزف مني زهاء ستة أشهر وأنا أقرأ أجزائه . جورج اورويل أطفأ دون ان يدري وهج الشغف لدى القارىء عندما اقحم في روايته تلك الصفحات المقالية التي لم يكن لها أي داع أصلا وكان بمقدوره ككاتب روائي مبدع أن يشير إليها إشارة عابرة أو لا يقحمها في روايته لأن الأحداث نفسها في الرواية توضح بجلاء ما يريد الكاتب أن يوصله إلى قارئه وتفضح الفكر الإشتراكي وتعري بشكل جريء ومقنع زيف معتقده ونظرته إلى العالم .لكن الكاتب الذي يكتب روايته برشاقة نادرة، تشبه كتابة اليوميات، أي يوميات الطفلة الساردة، ومن منظورها للعالم ووعيها به، يجعلنا طوال القراءة نصف مبتسمين، ومنتعشين في تلك الأجواء المبتكرة، الأصيلة، التي يقدّمها في روايته، بدءاً من العنوان، حتى نهايتها، وإن كانت ابتسامتنا وأحاسيسنا المنطلقة تخسر الكثير من أجنحتها، في ذلك الفصل الذي عنوانه (ما يشبه النهاية) ويتحدث فيه عن دور الثقافة في التنمية، وآراء الشعراء والمفكرين في الشعر وأهميته، إذ بدا الكاتب أنه يريد أن يُقنعنا عقلياً، بعد أن امتلأنا بعمله إنسانياً. كان هذا الفصل بمثابة تنظير لأطروحة الرواية ومحاولة لإقناعنا بما جاء فيها، ولم نكن بحاجة إلى تنظير يحلل الشعر والثقافة من منظور رقمي ومادي، وهذا أكثر ما يزعج في هذا الفصل الدخيل على النص الأدبي.
إن الخروج عن الإطار العام المتماسك للعمل الأدبي وخصوصا الروائي يفقده الكثير الكثير من حيويته ووهجه وجماليته.
تحياتي لك صديقي الغالي الكاتب القدير صدى صوت
استمتعت حقا بقراءة هذا الموضوع .




رد مع اقتباس