العباراتُ الهائمةُ ليست كلماتٍ ضلَّت طريقَها،
بل معانٍ استعصت على حدودِ البيان،
فاختارت أن تُقيم بين الصمتِ والكلام،
وبين الإشارةِ والإبهام. لا تُفصح عن نفسها لمن يقرأ الحروف،
وإنما لمن يُحسن الإصغاء إلى ما وراءها.

هي لا تمنحُ يقينًا، بل تُزحزحُ يقينًا، ولا تُغلقُ سؤالًا،
بل تفتحُ أبوابَ الأسئلة. فإذا لامست روحًا، لم تُضف إليها معنًى جديدًا،
وإنما أيقظت فيها معنى كان نائمًا منذ زمن.

وما هامت إلا لأن الحقيقةَ أوسعُ من أن يحملها لفظ،
وأعمقُ من أن يحيط بها تفسير. فهي تطوفُ في آفاقِ القلوب،
تستوطنُ الدهشة، وتتركُ خلفها أثرًا لا يُرى، لكنه يُغيِّرُ هيئةَ الرائي.

ولعلَّ أعظمَ أسرارها أنها لا تُطلب لتُفهَم، بل تُعاش؛
فكلما ظننت أنك بلغتَ معناها،

أدركتَ أن الذي بلغك لم يكن إلا ظلَّ معنى،
وأن الحقيقة ما زالت...
هائمةً، تُراوغ البيان، وتستعصي على الامتلاك.