في بداية مشوار العمر ؛
عبقُ الورود وشذاها يعمُّ المكان،
وكلماتُ العشق والهيام،
وانتظارٌ بطعم الاشتياق، وأحضانُ غرام.
وتسير الحياة على ذلك الحال أعوامًا،
فيتخللها هنيهاتُ إحجام، وجفافُ عواطف،
وثِقَلٌ في أوقات اللقاء، ورتابةُ حال،
ونظرٌ إلى ما خلف الجدران، ونكرانُ الوداد،
ونقضُ الميثاق، وزهدٌ فيما نملك،
وتطلُّعٌ إلى ما لا نملكه.
ومع أول شرخٍ في جدار الرضا،
يعمل محرّكُ البحث،
وتبدأ رحلةُ التسكع عبر القنوات والمواقع،
وعيشُ واقعٍ افتراضي، فيه دفءُ الكلمات،
وجنّةٌ سبقت جنةَ الميعاد، ودلالاتُ إعجاب،
وإطراءٌ وثناء.
ثم تصعيدٌ في لغة الوصال،
واقتحامٌ للخاص، وتبادلُ كلماتٍ لا تكسر المعتاد،
ثم تسوّرٌ وتجاوزٌ لخطوط التماس،
وفضفضةُ حال، وإعجابٌ واسترسال،
وهدمُ حائط الأمان الأول،
فتنازلٌ صغيرٌ يتلوه عظيم.
وفي المقابل...
ذاك الأولُ منبوذُ الوجود،
ثقيلُ الظل، غائرُ الشعور.
وما الثاني إلا لصٌّ جبان،
مخادعٌ خوّان، يتقن نسجَ الأوهام،
ويُحسن لبسَ الأقنعة والكتمان.
والمضحوكُ عليها ساذجةُ الحال،
تجري خلف سرابٍ ظنّته وصالًا،
حتى إذا انكشف الغطاء،
لم تجد إلا الخيبةَ والخذلان.
وليس كلُّ من طرق بابَ القلب مُحبًّا،
ولا كلُّ من أحسنَ القولَ صادقًا،
فكم من لصٍّ دخل من نافذة الإعجاب،
وعجز عن دخول الباب.
فالقلوبُ أثمنُ من أن تُترك بلا حراسة،
والأفكارُ أنقى من أن تكون مرتعًا لكل عابر،
ومن لم يصُن قلبَه بعقله، ضاع عقلُه بقلبه.
إن اللصوص لا يسرقون المال وحده،
بل يسرقون الطمأنينة من الصدور،
واليقين من النفوس،
ويتركون خلفهم خرابًا لا يُرى،
ووجعًا لا يُشترى ولا يُباع.
فاحفظ قلبك ممن يستعير دفءَ الكلمات ليقتات على فراغ الروح،
واحفظ فكرك ممن يزيّن الخطأ حتى يبدو صوابًا،
فما كلُّ بريقٍ ذهبًا، ولا كلُّ دفءٍ أمانًا،
ولا كلُّ قربٍ وفاءً.
واجعل للعقل على القلب سلطانًا،
وللقيم على الرغبات ميزانًا،
فما سقطت الحصون من قوة المهاجمين،
ولكن من غفلة الحارسين.
ولعلَّ أكثر ما يخطئه الناسُ أن يفتشوا
عن الربيع في الجهات البعيدة،
بينما كانت البذرةُ عطشى في حديقةٍ قريبة.
فما أغرتِ السرابَ عيونُ السائرين،
إلا حين غاب عنهم بريقُ الماء عند أقدامهم.
وليس النقصُ دائمًا فيما نملك،
بل قد يكون في عينٍ اعتادت النعمة
حتى غفلت عنها، وفي قلبٍ انشغل بالبعيد حتى
جفَّ القريب.
فالأنهار لا تبدأ عظيمة،
وإنما تغذّيها الجداول الصغيرة يومًا بعد يوم،
فإذا انقطع عنها الرفدُ ضعفت،
وإذا أُحسن إليها عادت إليها الحياة.
ولذلك فإن الحكيم لا يطارد كلَّ ضوءٍ يلوح في الأفق،
بل يتفقد مصباحه أولًا، ولا يبحث عن دفءٍ جديد،
قبل أن يسأل: متى برد الموقد القديم؟
فكثيرٌ مما نظنه فقدانًا،
ليس إلا إهمالًا تراكم،
وكثيرٌ مما نظنه كنزًا في أيدي الآخرين،
ليس إلا صورةً بعيدةً لا تُرى منها الشقوق.
وما أجمل أن يدرك المرء،
قبل أن يمدَّ بصره إلى الآفاق،
أن بعض الجنان لا تحتاج بابًا جديدًا،
بل تحتاج قلباً يعود إليها كما كان.