لا أزال أجاهد نفسي في بلوغ أعماق المعرفة بهذه الحياة، وأتوق إلى سبر أغوارها، والغوص في خفاياها، وكشف ما استتر من أسرارها؛ وإن كنت أعلم أن باعي أقصر من أن يحيط بكل هذا المدى، وأن أنفاسي مهما امتدت ستظل قاصرة عن بلوغ المنتهى. وكم وددت لو أُبلغ الغاية، فأقف على مآلات الأمور، وأقرأ خواتيم الأحداث قبل انقضائها، وأعلم إلى أين تمضي بنا الأقدار حين تتشابك الطرق، وتلتبس الدلالات، ويضيق العقل عن إدراك الحكمة من وراء ما يجري.

غير أن ذلك الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وأقام دونه حجابا، هو بعض ما يجعلنا نمضي في هذه الدار مجتهدين، نطرق أبوابها، ونستقرئ شواهدها، ونمتحن بصائرنا في دروبها؛ فنحن في دار ابتلاء، لا دار انكشاف، وفي ميدان امتحان، لا مقام جزاء.

ولطالما استوقفتني تلك المقولة التي تصوّر الحياة كأنها قاعة امتحان، يجلس فيها الجميع، ولكل امرئ ورقته التي كُتب له أن يجيب فيها عن أسئلة لم يختر جميعها، وأن يجتهد في مسائل لا تتشابه إجاباتها. يمضي الوقت، وتتفاوت الهمم، ويُفرغ كل واحد ما استطاع من وسعه في ورقته، حتى إذا انقضى الأجل، سُحبت الأوراق، وانكشف لكل امرئ ما قدّم. عندها لا ينفع طول التحديق في أوراق الآخرين، ولا كثرة الانشغال بما كُتب فيها؛ إذ لكل نفس سؤالها، ولكل ساعٍ سعيه، ولكل أجل كتاب.

وما زلت أتنقل من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال، أفتش عن شيء لا أعرف كيف أصفه تماما؛ شيء إذا بلغته سكنت في أعماقي ضوضاء الترحال، واستراحت النفس من عناء البحث، وانطفأ في القلب ذلك الاضطرام الذي لا تهدئه إجابة عابرة، ولا تشبعه معرفة تقف عند حدود المألوف.

ولعل ذلك من طبعي؛ شرهٌ إلى المعرفة، لا يقنع من العلم بأطرافه، ولا يرضى من الحقيقة بظاهرها، بل يظل ينقب وراء المعنى عن معنى، ووراء الكشف عن كشف، حتى يبلغ صفوة الصفوة، إن جاز لي التعبير. وكأن في داخلي عطشا لا ترويه كثرة الموارد، وسؤالا كلما ظننت أنني أتيت على آخره، انبثق من جوفه سؤال آخر؛ فأدرك أن المعرفة ليست طريقا إلى نهاية معلومة فحسب، بل طريق تتسع آفاقه كلما اتسعت بصيرة السالك فيه.

وكثيرا ما أجاهد نفسي في هذا السبيل، وهذا ما طالما حدثت به من يحيطون بي، ولا سيما خاصتي من الإخوة الذين أجد في صحبتهم متسعا للبوح. أقول لهم: ما أوسع هذه الحياة، وما أضيق المساحات التي نحشر أنفسنا فيها! كأننا نملك فضاءً فسيحا من الاحتمالات، ثم نختار لأنفسنا زاوية ضيقة، ونقيم حولها أسوارا من الخوف والتردد، ونمضي أعمارنا نتوهم أن ما وراءها لا يتسع لنا. وما أكثر ما تكون القيود التي نشكو منها من صنع تصوراتنا، وما أكثر الأبواب التي نظنها موصدة، وهي لا تنتظر منا إلا أن نراجع طريقة وقوفنا أمامها.

وأذكر أنني قلت يوما لبعض المقربين مني: كنت وحدي، في لحظة من لحظات التأمل، وكأن معنى خفيا استقر في نفسي، يهمس لي بأن كثيرا من المسائل والأحوال والأحداث التي تستنزفنا في دقائقها وساعاتها، وتستولي على تفكيرنا ليلنا ونهارنا، سواء تعلقت بشؤوننا الاجتماعية أو النفسية أو المالية أو السياسية، قد يكون مفتاح انفراجها في ركعتين صادقتين، ودعاء يخرج من قلب عرف بابه، وانكسر عند عتبة مولاه.

ولست أقول ذلك دعوة إلى ترك السعي، أو إهمال الأسباب، أو انتظار الفرج من غير عمل؛ حاشا لله. إنما أقول إننا نسعى، ونبذل، ونخطط، ونأخذ بالأسباب، ثم نرد الأمر إلى من بيده الأسباب ومسبباتها؛ فليس لنا من الأمر إلا ما أُذن لنا فيه، وليس للتدبير البشري أن يستقل عن تقدير الله تعالى. نحن نطرق الأبواب، والله يفتح ما يشاء، ونحن نبذر ما استطعنا، والله هو الذي ينبت ويبارك ويقدر المآلات.

ومن هنا أرى أن أعظم ما ينبغي للمرء أن يفعله ليس أن يظل يفتش في أحوال الدنيا وحدها، بل أن يعود إلى نفسه عودة المتجرد من أعذاره، ويقف منها موقف المحاسب لا موقف المدافع؛ فيسألها: من أنت حين يخلو بك المكان؟ وكيف تكون علاقتك بالله حين تتساقط عنك وجوه الناس وألقابهم؟ وأين يقينك حين تتعثر الأسباب، وأين رضاك حين لا تأتي الأقدار على وفق ما رسمت؟

فإن وجد في صدره حزنا، فليفتش عن موضع الخلل، وإن جرى دمعه، فليبكِ على ما بينه وبين ربه، لا على ما فاته من زخارف الدنيا فحسب؛ فليست كل دمعة انكسارا، ولا كل حزن هزيمة، وربما كان في انكسار النفس أول جبرها، وفي صدق الاعتراف بداية عودتها، وفي لحظة الافتقار ما لا تمنحه أعوام من الغفلة والاغترار.

وكلما تأملت هذا الكون بما يختزنه من أسرار، وما تتعاقب فيه من أحداث، وما تتردد على صفحته من صور وعبر، ازددت يقينا بأن الحياة ليست مجرد وقائع تمر بنا، بل شواهد تستوقفنا، وآيات تدعونا إلى النظر، ورسائل مبثوثة في المرئي والمستور؛ غير أن الرسالة لا تكشف معناها لكل عابر، ولا يمنح ظاهر المشهد سره لكل ناظر. إنما تحتاج إلى عين تتأمل، وعقل يستقرئ، وقلب لا تحجبه كثافة العادة عن إدراك الدلالة.

ولعلنا، في خضم هذا السعي كله، نخطئ حين نظن أن بلوغ المعرفة هو أن نعلم كل شيء، وأن الطمأنينة لا تتحقق إلا حين تنكشف لنا خواتيم الأمور. وربما كان النضج أن نبلغ من البصيرة ما يجعلنا نعرف ما ينبغي أن نعرف، ونعمل بما استطعنا، ونسلّم فيما عجزنا عن إدراكه؛ فلا يغرّنا ما انكشف، ولا يستنزفنا ما احتجب.

فما أضيق العقل حين يريد أن يحيط بكل شيء، وما أرحب القلب حين يعرف حدوده، وما أعظم الفرق بين من يطلب كشف الغيب ليطمئن، ومن يطمئن إلى حكمة الله وإن غاب عنه الغيب.

وهكذا أمضي، لا أدّعي بلوغ المنتهى، ولا أزعم أنني أمسكت بطرف الحقيقة؛ إنما أنا ساعٍ في درب طويل، أبحث وأتأمل وأراجع نفسي، وأرجو أن تكون نهاية هذا الترحال أقرب إلى الله من بدايته، وأن يكون كل ما تعلمته من الحياة شاهدا على بصيرتي، لا حجة عليّ في غفلتي.

فإذا انقضى وقت الامتحان، وطُويت الورقة، فليس السؤال كم عرفنا من أسرار الدنيا، ولا كم بلغنا من مراتب الفهم، بل ماذا صنعت بنا تلك المعرفة؟ أقرّبتنا من الله أم زادتنا غرورا؟ ألانَت قلوبنا أم أورثتنا قسوة؟ أخرجتنا من ضيق أنفسنا إلى سعة الحق، أم جعلتنا أسرى لما نظن أننا نعلم؟

تلك، في ظني، هي المسألة التي تستحق أن نقف عندها طويلا؛ لأن المرء قد يقضي عمره يبحث عن أسرار الحياة، ثم يكتشف في آخر الطريق أن أعظم سر كان ينتظر منه أن يعرف نفسه، وأن أعمق باب كان عليه أن يطرقه هو باب مولاه، وأن المنتهى الذي أجهد الخطى لبلوغه لم يكن مكانا يصل إليه، بقدر ما كان حقيقة يستيقظ لها قلبه.