في هذا العالم الذي تتقاطع فيه العادات والتقاليد، وتتباين فيه الطباع والموروثات، حتى ليغدو المرء غريبا عن بعض ما استقر في فطرته، لم يتبقَّ من الإنسانية إلا جذوة خافتة، وارَتها طبقات من التصنّع، وربما طُمست تحت وطأة التقمّص، حين يستعير الإنسان أدوار الآخرين، وينسى ملامحه الأولى.



وما نعانيه في جوهره ليس اختلافا في الألوان والأشكال والانتماءات، بقدر ما هو استعلاء تلك الأنا التي تنتفض كلما حاول صاحبها انتزاعها من أفعاله ومعاملاته؛ أنا تأبى الانقياد للحق، وتستثقل الاعتراف بالخطأ، وتؤثر سلامة صورتها على سلامة ضميرها، حتى ليغدو الباطل في عينها أهون من انكسار كبريائها.



تلك الأنا لا تسكن ظاهرنا فحسب، بل تتوارى في أغوارنا، وتقبع تحت ركام من الأعذار، لا يكشفها إلا من امتلك شجاعة التنقيب في ذاته، ونفض عنها غبار الوهم؛ فكم من إنسان خاصم الحقيقة لا لخفائها، بل لأن ظهورها يهدد العرش الذي نصبته نفسه في داخله!



ولو أن المرء أطلق إنسانيته من أسر هذه القيود، ونظر إلى الخلق بعين مجردة من أحكام اللون والشكل والدين والعرق والطائفة والمذهب، لرأى أن ما يجمع البشر أعمق مما يفرقهم، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة وصف أُلصق به، أو انتماء وُضع في خانته؛ فالإنسانية ميدان تتلاقى فيه المتضادات، وتسقط على عتبته أوهام الامتياز، فلا يبقى إلا إنسان أمام إنسان.



وما الإسلام إلا رسالة تؤكد هذا المعنى، وترفع من شأن الرحمة والعدل والإحسان، وتجعل حسن المعاملة من دلائل الإيمان، وتفتح أبواب الأجر لمن أحسن إلى الخلق، لا بلسانه وحده، بل بما يتركه من أثر طيب في نفوسهم، وما يصونه من حقوقهم وكرامتهم.



ولكن، ويا للأسف، باتت الإنسانية في كثير من مشاهد عالمنا كأنها ضحية مؤجلة؛ تُغتال حين تتقدم الأنا، وتُقيّد حين يتسلط الهوى، وتُزجّ في زنزانة النسيان كلما انتصر الإنسان لصورة نفسه على حقيقة جوهره.



والمفارقة التي تستحق التأمل، أن الإنسان قد يقطع أشواطا طويلة في تهذيب مظهره، وتثقيف عقله، وإبراز انتمائه، ثم يعجز عن اجتياز المسافة القصيرة بين كبريائه واعترافه بالحق؛ وكأن أعظم ما يحتاج إلى اكتشافه ليس العالم من حوله، بل الإنسان الذي دفنه في أعماقه.