جميــلهل تعلم يا صديقي أن القلوب مغالق، وأن مفاتيحها أولئك الذين ظنناهم أقرب الناس إلى منافذها؟ غير أن المواقف وحدها هي التي تنزع عن الوجوه أستارها، وتعرّي معادن من حسبناهم يحبوننا؛ فليس كل قرب مودة، ولا كل ملازمة وفاء، وإنما تُعرف حقائق النفوس حين تضيق مسالك الود، وتأتي اللحظة التي لا ينفع فيها ادعاء ولا تسترها الكلمات.
والأعجب من ذلك أن الأخطاء ذاتها تتكرر، وكأننا لا نتعلم من عثرات الأمس، أو كأن في النفس شيئا يأبى الاعتراف بأن ما أوجعنا بالأمس لا ينبغي أن نعيده اليوم. فنظل ندور في الدائرة ذاتها، نستهلك من أرواحنا ما لا يُسترد، وننتظر من الآخر أن يتغير، بينما كلانا يعيد إنتاج الوجع ذاته، حتى يغدو الخطأ عادة، والعتاب استهلاكا لما تبقى من المودة.
والمفارقة الأشد مرارة أن بعضنا لا يرحل حين تنطفئ المحبة، بل ينتظر من الآخر جللا يبرر به رحيله، وكأنما لا يكفيه ما تراكم من الخيبات حتى تقع الواقعة التي تمنحه حق المغادرة. عندها تتعين النيات، وتنفضح المسافات المستترة خلف ألفة الأيام؛ فيغدو المرء غريبا عن أقرب الناس إليه، لا يعرف من طباعه إلا ما ألفه، ولا يدرك من حاجته إلا ما اعتاد سماعه، وكأن العشرة لم تكن يوما كافية لتعلّمه كيف يقرأ صمت صاحبه أو يستشعر غيابه.
فإذا غاب أحدهما يوما أو يومين، أو امتد الغياب شهرا، مضى الآخر في عناده، لا يلتفت، ولا يسأل، وكأن الغياب لا يعنيه، أو كأن المبادرة انتقاص من قدره، حتى إذا اشتد الوجع بصاحبه، وفتح له الباب، ومدّ إليه خيط العودة، بقي أسير مكابرته؛ لا لأن الطريق مغلق، بل لأن نفسه تأبى أن تكون أول من يخطو.
وهنا تكمن المأساة؛ فكم من علاقة لم يهدمها غياب المحبة، وإنما أهلكها انتظار المبادرة، وكم من قلب لم يغادر لأنه أراد الرحيل، بل لأنه أعيته الوقفة على عتبة لا يأتي منها أحد. فليس كل من تأخر عن العودة لا يريدها، وليس كل من فتح الباب قادرا على الوقوف طويلا خلفه؛ فثمّة أبواب لا يغلقها الرحيل، وإنما يغلقها طول الانتظار، وثمّة قلوب لا يقتلها البعد، بل يقتلها أن يهون غيابها على من كان يفترض أن يشعر به.


رد مع اقتباس

