كنت أظن أن للغايات أثمانا تؤدّى من أعصاب الصبر،
وأن بلوغها رهن نفس طويل، وعزم لا تنال منه تعاقبات الخذلان،
فمضيت، وكلما انطوى من الدرب شبر حسبت أنني دنوت من اليقين،
وما علمت أن المسافات لا تقاس بما نطوي من الأرض، بل بما ينكشف لنا من أوهامها،
وأن المرء قد يُمعن في الطريق حتى يغدو الرجوع عنه أشق من المضي فيه،
لا لأن الغاية استحقّت، بل لأن ما أنفقه في سبيلها استعبد قراره.

وقد غاب عني أن للطريق مكرا لا يُرى، وللمساعي عيونا لا تنام ،
فليس كل من يعترض بلوغك يريد إسقاطك، ولا كل من يفسح لك المجال يريد نجاتك ،
إذ ثمة من يؤخر خطاك ليختبر نفادك، ومن يطلقها ليبلغ بك موضع إنهاكك،
ومن لا ينازعك الوصول، لأنه يراهن على ما سيبقى منك حين تصل.

وما أدهى من خصيم لا يحول بينك وبين غايتك،
بل يتركك تستهلك عمرك في سبيلها،
حتى إذا بلغتها لم تجد في يديك ما يليق بها،
ولا في روحك ما يستمتع بامتلاكها.



وأما المسير...
فليس استقامة خطو على امتداد الدرب،
بل استقامة بصيرة في اعوجاج المعاني،
إذ قد يستقيم الطريق وتزيغ الوجهة،
وقد تتعثر الخطى ويستقيم المصير.

وليس كل ما يُتاح لك فتحا،
ولا كل ما يُحال بينك وبينه حرمانا ،
فكم من باب فُتح ليُختبر افتتانك بالعبور،
وكم من باب أُوصد ليُختبر تحررك من سلطان ما وراءه.


وإنما يحتاج السائر إلى خارطة لا تدله على مواضع الوصول فحسب،
بل تكشف له المواضع التي يفقد فيها نفسه وهو يظن أنه يقترب منها،
وإلى فطنة تميز بين عائق يستنفد عزمه، وعلامة تستنقذ عمره،
وبين ضيق يفضي إلى سعة، وسعة تفضي إلى استدراج.

فإن أخفى مكامن الخطر ما اتخذ هيئة الأمان،
وأشد القيود إحكاما ما استحالت في النفس قناعة،
وأمضى الخناجر ما غُرس في اليقين قبل أن يُغرس في الظهر.

فلا ضباع الطريق كلها تفترس الأجساد؛ منها ما يفترس البصائر،
ومنها ما يقتات على التعلق، ومنها ما يترك للمرء حرية الخطو،
حتى لا يبقى له من إرادته إلا وهم الاختيار.

وعند هذا المفترق، لا يعود السؤال: كيف أبلغ؟ بل:
أي شيء فيّ يتولى القيادة، وإلى أي شيء سيؤول بي هذا البلوغ؟
أهي غاية أريدها، أم صورة نسجتها لنفسي ثم استعبدتني؟
أأنا الذي أسوق المسير، أم أنفقت من ذاتي ما جعلني مسوقا إليه؟
وهل أخشى أن تفوتني الغاية، أم أخشى أن أكتشف بعد فوات العمر
أنني كنت أستمد من السعي هويتي، وأن الوصول سيجردني من العذر
الذي احتميت به طويلا؟


فما كل ماض إلى غايته سائر إليها، ولا كل راجع عنها خاسر دونها ،
إذ قد يكون الإمعان في الطلب ضربا من الفرار، وقد يكون الانكفاف في ذروة المقدرة
أرفع وجوه الظفر.

وليس النضج أن تعرف كيف تواصل حين يشتد الطريق،
بل أن تعرف ما الذي يستحق أن تواصل لأجله،
وما الذي ينبغي أن تسلبه من نفسك حق قيادتها.


فالمسير الحق ليس أن تبلغ حيث أردت،
بل ألا تستيقظ عند البلوغ غريبا عمن كنت،
ولا أن تخرج من الطريق سالما من عثراته فحسب،
بل سالما من أن تتحول، في غمرة اتقائها،
إلى واحد من ضباعه.