ليس أشد ما يعتري الإنسان أن يتضاد عقله وعاطفته، بل أن يجد في كلٍّ منهما حجةً لا يستطيع ردّها،
ونداءً لا يملك تجاهله؛ فيقف بينهما حائرًا، كأنما هو الخصم والحَكَم، والمتنازع عليه في آن.
فالعقل يستقرئ العواقب، والقلب يستحضر الرغائب، وبين ما ينبغي وما نشتهي تنشأ معركةٌ خفيّة،
لا يسمع ضجيجها أحد، ولكنها تستنزف من الروح ما لا تستنزفه معارك الميدان.
وإنما المعضلة ليست أن يشعر المرء بما يخالف قناعته، بل أن يتخذ من شعوره حجةً على قناعته،
ومن صدق عاطفته صكًّا يبيح له ما لا يبيحه المبدأ. فليس كل ما سكن القلب استحق الاتباع،
ولا كل ما استعصى على النفس صار حقًّا لها؛ إذ كم من رغبةٍ تزيّنت للمرء حتى حسبها قدرًا،
وكم من هوى لبس ثوب الوفاء حتى خُيّل لصاحبه أنه على هدى، وما هو إلا أسير شوقٍ يحسن تأويل أسره.
ولطالما استوقفني هذا السؤال: أكلُّ ما نحبّه يحقّ لنا أن نمضي إليه، أم أن في الحياة منازل لا تُنال بالرغبة،
ومواثيق لا تسقط أمام العاطفة؟ ماذا لو مال القلب إلى حيث سبقت العهود، وانعقدت الحقوق،
وصارت للميل تبعاتٌ لا تقف عند صاحبه؟ أيكون صدق الشعور مسوّغًا لتجاوز الحدود،
أم أن صدق المرء يُمتحن حين تتعارض أمنيته مع أمانته؟
هنا يتجلّى الفارق بين قلبٍ يشعر ونفسٍ تسترسل،
وبين خاطرٍ يطرق وإرادةٍ تفتح له الأبواب.
فليس الإنسان مؤاخذًا على كل ما يعتريه،
ولكنه مسؤول عمّا يتعمّده، وما يرعاه حتى يستحيل نزوعًا،
وما يختاره بعد أن تتبيّن له الحدود. وللشعور عذره في نشأته،
ولكن ليس له أن يتخذ من عفويته حصانةً من تبعاته ،
فما كل ما نزل بالقلب ينبغي أن ينزل إلى الفعل،
ولا كل ما استعذبته الروح سوّغته الشريعة،
ولا كل ما رقّ في الوجدان رقّ في ميزان الحق.
وما أعجب الإنسان حين يُحسن رؤية الخطوط الحمراء في رغبات الآخرين،
ثم يستعمي عنها إذا وقفت في طريق رغبته! يطلب للمبدأ هيبته حين لا يعترض سبيله،
فإذا اعترضه التمس للعاطفة تأويلًا، وللزلل تعليلًا، وللحدود استثناءً.
كأن الحق يتبدّل بتبدّل الهوى، وكأن العهد لا حرمة له إلا حين لا ينازعه الحنين.
وما درى أن المبدأ الذي لا يصمد أمام الرغبة ليس مبدأً قد استقرّ،
وإنما فكرةٌ لم تُختبر، ودعوى لم يثبت صدقها عند المحكّ.
وليس الدين خصمًا للقلب، ولا الاستقامة موتًا للمشاعر ،
وإنما هما ميزانها إذا طغت، وبصيرتها إذا التبست عليها السبل.
فليس كل ميلٍ إثمًا، كما أن ليس كل ميلٍ إذنًا ، وليس كل حبٍّ خيانة،
ولكن الحبّ قد يصير خيانةً حين يتخذ من وجوده ذريعةً لهدم حقّ،
أو من لذّته مسوّغًا لجرح غائبٍ لا ذنب له في حكاية لم يختر أن يكون طرفًا في عواقبها.
فأيُّ وفاءٍ هذا الذي يطلب للقلب سعادته، ولو كان ثمنها شقاء قلبٍ آخر؟
وأيُّ حبٍّ هذا الذي يستعظم فراق المحبوب، ثم يهون عليه أن يختلّ به ميزان العهد والعدل؟
إن العاطفة لا تُقاس بحرارتها وحدها، بل بما تُبقيه من نقاءٍ في الضمير، وما تصونه من حقوق،
وما تمنعه من أذى؛ فكم من شوقٍ عظيمٍ ضاق عن العدل، وكم من امتناعٍ موجعٍ اتّسع للكرامة والوفاء.
إن حلّ النزاع بين العقل والقلب لا يكون بقهر أحدهما، ولا بإطلاق الآخر؛ بل بأن يشعر القلب دون أن يستبدّ،
ويحكم العقل دون أن يتجبّر، ويعلو المبدأ فوقهما حين تضيق بهما السبل. أن نعترف بما فينا دون أن نتخذه عذرًا،
وأن نفهم رغباتنا دون أن نمنحها السيادة، وأن نحتمل مرارة ما لا يجوز دون أن نستحلّ ما لا يحقّ.
فالنضج ليس أن يخلو القلب من النزاع، بل أن يخرج منه المرء دون أن يخسر نفسه ،
وليس الانتصار أن يبلغ كل ما يشتهي، بل أن يملك من نفسه ما يحول بينه وبين ظلمٍ يبرّره،
أو عهدٍ ينقضه، أو حقٍّ يستبيحه باسم الحب.
فثمّة أشياء لا ينقصها صدق الشعور، وإنما ينقصها حقّ الوصول ،
وثمّة قلوب لا تُختبر في مقدار ما تهوى، بل في مقدار ما تتّقي حين تهوى.
ولعل أرفع مراتب الإنسان أن يبقى قلبه حيًّا، وضميره يقظًا، ومبدؤه عزيزًا،
فلا ينكر ما يشعر به، ولا يخون ما يؤمن به، ولا يجعل من لهيب الرغبة رمادًا
يحجب عنه نور البصيرة.