تعظم المفارقة حين يستميت المشتكي في الذود عن فكرته، وهي في أصلها علة بلائه، ومكمن دائه،
ومنبع شقائه ، يفرش وجعه، ويبسط قضيته، ويستعرض ما أضناه، كأنما جاء يلتمس مشورة،
أو يرجو مخرجًا من معضلة، فإذا لاح له باب الخلاص، سارع إلى وأده قبل أن يكتمل بناؤه،
واستلّ من الحجج ما يجهض به الحلول قبل أن تبلغ تمامها.
وكأنما لم يأتِ طالبًا للنجاة، بل جاء يستنطق الآخرين ليؤكدوا له ما استقر في نفسه،
ويصادقوا على ما اعتنقه من رأي؛ فلا يريد حلًا يفك أسره، بل حلًا على مقاس أسره،
ولا يبغي فكرًا يحرره من مأزقه، بل فكرًا يزيّن له مقامه فيه.
وهنا مكمن العجب؛ أن ترى المرء يشكو من الفكرة، ثم يقاتل عنها، ويتألم من تبعاتها،
ثم ينتصر لها، ويهجر النوم من فرط ما أورثته نفسه من عناء، ثم يستميت
في نسف كل رأي قد يردّه إلى السكينة والهناء.
فكأنما ألف الوجع حتى استوحش العافية،
واستأنس بالشكوى حتى استثقل النجاة.
وهذه آفة تتجاوز صاحبها إلى كثير من نقاشاتنا وحواراتنا،
إذ يدخل أحدهم الحوار وفي باطنه حكمٌ قد فرغ منه،
فلا ينصت ليفهم، ولا يسأل ليتبين، وإنما يصغي ليتربص،
ويناقش ليدحض، ويستدعي الرأي الآخر لا ليهتدي به،
بل ليقيم عليه الحجة وينقضه.
وليس كل من بسط وجعه أراد مداواته، ولا كل من طلب المشورة رضي بمقتضاها،
فمن الناس من يريد من يصغي إليه، لا من يوقظه؛ ومنهم من يلتمس تصديقًا لموقفه،
لا تصحيحًا لمساره؛ ومنهم من لا يطلب من الحوار إلا أن يخرج منه منتصرًا،
ولو عاد إلى دائه أشد تمسكًا، وإلى وجعه أعمق غرقًا.
والمفارقة التي تستحق التأمل أن بعض الناس لا يعجزهم العثور على أبواب الخلاص،
بل يعجزهم احتمال الحياة خارج السجن الذي ألفوه؛ فيقاومون اليد الممدودة إليهم،
لا لقصورها عن إنقاذهم، بل لأنها تهدد الصورة التي اعتادوا أن يروا أنفسهم من خلالها.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: أكل شكوى طلبٌ للعلاج؟ أم أن بعض الشكاوى ليست إلا
محاكماتٍ يعقدها المرء لنفسه، يستدعي إليها الآخرين شهودًا،
ثم لا يقبل منهم إلا شهادةً توافق هواه؟
فليست الحكمة أن تنتصر لفكرتك مهما كان الثمن،
بل أن تمتلك من الشجاعة ما يجعلك تنتصر للحقيقة ولو هزمت فكرتك،
إذ ليس النضج أن تحسن الدفاع عن موقفك، وإنما أن تحسن التراجع عنه
حين يتبين لك أنه أصل البلاء.
فبعض المعارك لا يكون النصر فيها أن تثبت أنك على حق،
بل أن تنجو من حاجتك الدائمة إلى إثبات أنك على حق.