أخبرته أن يكف عن استدعاء الماضي ليستجدي به تعاطفي ،
فما بيني وبين الماضي خصومة فصلت فيها محكمة الأيام،
وأودعت محاضرها خزائن النسيان،
فلا تُحيي المرافعات حكما مضى،
ولا تُجدي الاستغاثة بعد انقضاء القضاء.


كم تعالت صيحات الرجاء،
وكم تكسّرت على عتبات العناد نداءات الاستعطاف،
حتى غدا الإلحاح ضربا من الهوان،
والعتاب حديثا لا يسمعه إلا الصدى!

أتظن الندوب التي تراها على كفي رفيقة طفولتي؟
كلا؛ إنها شواهد جور،
وآثار قهر،
ونقوش حفرتها يد إنسان لم يُحسن قراءة ما بين يديه.


ذلك ما أبصرت عينك،
أما ما استعصى على البصر،
فقلب أضناه الخذلان،
وضاق به الخفقان،
حتى تشظّى كمرايا مهشّمة عُلّقت على الجدران،
فلا هي استردّت صورتها،
ولا الشظايا كفّت عن عكس انكسارها.


ولقد علمتني المحن،
أن ليس كل ما يُطوى يُنسى،
ولا كل ما يُنسى يُغتفر،
وأن للصفح مواقيت لا تستجيب للاستدعاء،
وللقلوب أحكاما لا تنقضها بلاغة الاعتذار.


فما أقسى أن يطلب الجاني من المجني عليه
أن يستعيد قلبا كان هو أول من أضاعه،
وأن يستخرج من رماد الوجع جمرا
يُدفئ به ذاكرته!

فدعوا ما استقر في مضاجع الأمس،
فإن للذاكرة مقابر لا تُفتح،
وللصمت مواقف لا تُستأنف،
وللكرامة في بعض الفراق
كلمة لا يملك الرجوع أن يمحوها.